"ميدل إيست مونيتور": ربط الاتفاق النووي الأميركي-السعودي بالتطبيع هو سراب جيوسياسي
مقال في "ميدل إيست مونيتور" يتناول تداعيات الضغط الأميركي لربط الاتفاق النووي المدني مع السعودية بالتطبيع مع "إسرائيل"، ومخاطر ذلك على الاستقرار والبدائل الاستراتيجية للرياض.
-
الرئيس الأميركي دونالد ترامب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان
يقدم مقال في موقع "ميدل إيست مونيتور" تحليلاً نقدياً عميقاً للسياسة الخارجية الأميركية تجاه "الشرق الأوسط"، وتحديداً حول اشتراط واشنطن انضمام السعودية إلى "اتفاقات أبراهام" لتمرير اتفاق التعاون النووي المدني.
في ما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
قبل أن يجف حبر اتفاقية التعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة والسعودية، حتى انقلبت موازين الدبلوماسية الحديثة في "الشرق الأوسط" رأساً على عقب بحركة عنيفة. ففي عرض كلاسيكي لدبلوماسية المقايضة عالية المخاطر، أعلن الرئيس دونالد ترامب أن الاتفاق الصعب المنال، والذي صُمم لضمان هيمنة الشركات الأميركية في القطاع النووي الناشئ في السعودية عبر عمالقة صناعيين مثل "ويستنغهاوس"، مشروط بالكامل بانضمام الرياض رسمياً إلى "اتفاقات أبراهام". فإن ما رُوج له في البداية عبر الأسواق المالية العالمية على أنه انتصار هائل للدبلوماسية التكنولوجية التجارية وللتوافق الاستراتيجي، تحول فوراً إلى إنذار دبلوماسي صارم.
وبدلاً من أن تشكل هذه العلاقة النفعية بين الطرفين، حافزاً حقيقياً لتحقيق سلام مستدام في "الشرق الأوسط"، فإنها تستغل البنية التحتية النووية المدنية كأداة ضغط سياسي فجة تسيء فهم الخطوط الحمراء الداخلية الثابتة للنظام الملكي السعودي، وتؤجج المخاوف الأمنية الإقليمية بشكلٍ خطير، وتهدد بحصر السياسة الخارجية الأميركية في نموذج غير عملي قائم على مبدأ الربح والخسارة، مما قد يقوض عقوداً من التوازن الدبلوماسي الدقيق.
وكي تفهم خطورة هذا الخطأ في تقدير السياسة فهماً كاملاً، لا بد من دراسة الآليات الأساسية التي تتبعها السياسة الخارجية الأميركية المعاصرة في دمج نقل التكنولوجيا التجارية مع الدبلوماسية الإقليمية لبناء إرث طويل الأمد. فاتفاق الطاقة النووية المدنية بين واشنطن والرياض يعتبر إطاراً معقداً تكلفته مليارات الدولارات، بهدف مساعدة السعودية على الانتقال من الاعتماد المحلي على الوقود الأحفوري، من خلال توليد طاقة نووية نظيفة لتشغيل اقتصادها سريع النمو، ومشاريعها الحضرية الضخمة ضمن رؤية 2030، الساعية للحفاظ على المزيد من نفطها الخام الثمين لتصديره إلى الأسواق الدولية المربحة.
من وجهة نظر اقتصادية بحتة، كان من المفترض أن يضمن تأمين هذه الشراكة ترسيخ الشركات الأميركية لمستقبل المملكة التكنولوجي، واستبعاد منافسين مثل الصين وروسيا على نحو حاسم من سوق البنية التحتية الحيوية الأكثر أهمية في الخليج. إلا أنه من خلال فرض شرط سياسي مثير للجدل على نحو مفاجئ على هذا الترتيب الاقتصادي المعقد، حول البيت الأبيض النقاش برمته من الجدوى التجارية إلى أرض سياسات الهوية الإقليمية الوعرة.
كذلك، يكشف هذا التحول المفاجئ عن تصدعات هيكلية عميقة في الفكر الاستراتيجي الغربي تجاه "الشرق الأوسط"، ولا سيما الاستهانة المستمرة بالقيود السياسية الداخلية في ظل الأنظمة الملكية المطلقة. ولطالما عملت أجهزة السياسة الخارجية الأميركية انطلاقاً من افتراض أن الحوافز الاقتصادية والعسكرية الضخمة تمتلك قوة جذب كافية لتجاوز الحساسيات الأيديولوجية المحلية. مع ذلك، فإن القيادة الحالية في الرياض، بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان، تعمل بموجب تفويض مزدوج يتمثل في التحديث الطموح والحفاظ على الشرعية القومية.
بينما تتطلب "رؤية السعودية 2030"، تكنولوجيا متطورة من جهة خارجية، فإن بقاء الدولة ومكانتها الإقليمية يفرضان التزاماً لا يتزعزع بالمبادئ الأساسية للقومية العربية. ومن خلال مطالبة السعودية بابتلاع حبة دبلوماسية مريرة مقابل مفاعلات نووية مدنية، دفعت الدبلوماسية الأميركية من غير قصد، الرياض إلى زاوية الامتثال المكلف سياسياً على المستوى الداخلي بدرجة تفوق بكثير المنافع التكنولوجية، مما يولد مفارقة سياسية عميقة، حيث إن الأداة التي كان يفترض أن تشد ارتباط الرياض بواشنطن انتهت إلى تنفير قيادتها، ما يثبت أن الإكراه "الصفقاتي" الفج هو بديل رديء عن الشراكة الاستراتيجية الطويلة الأمد.
لا شك في أن تداعيات هذا الربط القسري تتجاوز بكثير مجرد المشاعر السلبية الثنائية أو تأخير العقود التجارية، وهي تمس جوهر الاستقرار الإقليمي والمعايير الدولية. وعندما تخضع الاتفاقيات الأساسية في مجال التكنولوجيا المتقدمة لأهواء السياسة الانتخابية والدبلوماسية الشخصية، فإن قابلية النظام الدولي للتنبؤ بالنتائج تصبح مهددة. وبينما يراقب "الخصوم الإقليميون" وما يمكن أن ينتهزوا من هذه التحولات غير المتوقعة، وعلى رأسهم إيران، باعتبار أن دمج نقل التكنولوجيا النووية مع التحالفات الأمنية المناهضة لطهران يعتبر استفزازاً وجودياً.
كما تولد هذه البيئة من جنون الارتياب المتزايد تكهنات تتحقق الآن نحو سباق تسلح في المنطقة، حيث يقابل كل تحرك دبلوماسي تحركات مضادة، مما يؤدي إلى تآكل مستمر للضوابط الدبلوماسية القليلة المتبقية في منطقة الخليج. وبالتالي، فإن قرار ربط معاهدة نووية مدنية بـ "اتفاقيات أبراهام" ليس مجرد تكتيك دبلوماسي فاشل، بل هو تهديد منهجي للتوازن الإقليمي، يعطي الأولوية للمكاسب التكتيكية قصيرة الأجل على حساب الاستقرار الاستراتيجي المستدام.
سوء حساب الخط الأحمر السعودي
إن ما يكمن في صميم فخ "اتفاقيات أبراهام"، حالة عميقة ومنهجية من سوء معايرة الحسابات الاستراتيجية والأولويات السيادية في الرياض. وفي الرؤية التبسيطية للدبلوماسية القائمة على المعاملات، كل شيء قابل للتفاوض بطبيعته، ويمكن المقايضة بالأصول التكنولوجية عالية القيمة، مثل المسارات المحتملة للبحث المحلي في مجال اليورانيوم، أو تطوير دورة الوقود، أو إنشاء المفاعلات المتقدمة، بسهولة مقابل الاعتراف الدبلوماسي وفرص التقاط الصور. لكن، مع ذلك حافظت إدارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان باستمرار على موقف ثابت مبدئي لا لين فيه، باعتبار التطبيع الرسمي مع "إسرائيل" يبقى مشروطاً على نحو صارم بتقديم خارطة طريق موثوقة لا رجعة فيها، ومدعومة دولياً لإقامة دولة فلسطينية.
ومن خلال ربط الاتفاق النووي باتفاق يتجاوز كلياً هذا الالتزام الأيديولوجي الجوهري العربي العام والداخلي، وضع البيت الأبيض القيادة السعودية في زاوية سياسية مستحيلة، حيث إن المملكة في انخراطها بقبول اتفاق تعاون نووي بارز تحت وطأة الإكراه الصريح المباشر بالتطبيع الفوري مع "إسرائيل"، ولا سيما في ظل الاضطرابات الإقليمية المستمرة، والمعاناة الإنسانية، والحساسيات الشعبية الشديدة تجاه الحقوق الفلسطينية، سيعكس هشاشة سياسية كبيرة، ويقوض ادعاء النظام بالقيادة الإقليمية.
كما أن هذا الشروط القاسية لا تجبر الرياض على الرضوخ أو الإسراع إلى طاولة المفاوضات فقط، بل تشمل الاتفاق النووي وتشله تماماً، وتنفر صناع القرار السعوديين الرئيسيين الذين ينظرون إلى تحديثهم التكنولوجي وتنويعهم الصناعي من خلال رؤية 2030، كحق سيادي مطلق، وليس كورقة ضغط مرنة، مما يحول فعلياً ما كان ينبغي أن يكون شراكة اقتصادية تاريخية إلى مواجهة دبلوماسية راكدة ومتحفزة.
ومما يزيد تفاقم هذا الفشل الاستراتيجي، أن محاولة استغلال التعاون النووي لتعزيز النفوذ، تتجاهل التنوع المتطور للسياسة الخارجية السعودية في القرن الجاري المتعدد الأقطاب. وعلى عكس العقود الماضية، حين لم يكن أمام الرياض خيار يذكر للحصول على بنية أمنية تكنولوجية متقدمة، يقدم المشهد العالمي اليوم بدائل أخرى مستعدة للتغاضي عن المواعظ السياسية مقابل مكاسب تجارية. وتحافظ الصين وروسيا على حوارات قوية وتعاونية مع المملكة الخليجية، وهما تمتلكان قدرات نووية متقدمة، ولا تستخدمان "الشروط الديمقراطية" في أدوات سياستهما الخارجية.
ومن خلال فرض الشروط المسبقة الصارمة سياسياً بربطها بـ"اتفاقيات أبراهام"، تخاطر واشنطن بدفع الرياض مباشرة إلى أحضان منافسيها الاستراتيجيين. فإن وهم التفوق التكنولوجي الأميركي الذي لا غنى عنه يخلق ثغرة خطيرة في الرؤية الاستراتيجية لواشنطن. وإذا استمر القادة الأميركيون في التعامل مع التعاون الصناعي الأساسي كاختبار للولاء السياسي بدلاً من كونه ضرورة اقتصادية متبادلة، فسيكتشفون أن السعودية على استعداد تام للانسحاب من طاولة المفاوضات، وتنويع شراكاتها شرقاً، وحرمان الشركات الأميركية من دخول سوق تحويل الطاقة الأكثر ربحية في العصر الحديث. فهذا الخطأ في التقدير يحول ما كان ينظر إليه كدرس نموذجي في الدبلوماسية الأميركية إلى مثال صارخ على المبالغة في التجاوز، مما يؤدي إلى نفور حليف محوري دون تحقيق أي تقدم يذكر نحو تطبيع إقليمي حقيقي.
تصاعد عدم الاستقرار
إلى جانب الجمود الدبلوماسي الفوري والاحتكاك التجاري، فإن استخدام اتفاق نووي مدني كممر عبور إجباري إلى "اتفاقات أبراهام"، يكشف عن خطر عالمي عميق ومنهجي يتمثل في الإخضاع الخطير للمعايير الدولية لعدم الانتشار لمناورات سياسية قصيرة الأجل. كما أن اتفاقية نووية مدنية بهذه الضخامة، تواجه بالفعل تدقيقاً صارماً ومكثفاً من خبراء ضبط التسلح، والمنظمات الرقابية العالمية، والمشرّعين الدوليين بشأن هياكل الإشراف، وبروتوكولات المراقبة، وآفاق التخصيب المحلي المحتملة. فإن إدخال مطلب تطبيع بالغ الاستقطاب في معادلة نووية متفجرة أصلاً يضاعف المخاطر الاستراتيجية بشكل هائل، ويحول ملفاً تقنياً حساساً إلى كرة قدم سياسية فوضوية.
عندما تلقى أهم التقنيات الاستراتيجية ذات الاستخدام المزدوج بتهور في خضم الصراعات بين العرب و"إسرائيل" في سبيل تطبيع العلاقات، يتآكل نظام الأمن العالمي بشدة، وربما بشكل لا رجعة فيه، حيث لا تنظر الدول المنافسة والمجاورة إلى هذه المناورة كمبادرة صادقة لبناء السلام، بل كإعادة تنظيم عدوانية مزعزعة للاستقرار، تدمج بشكل خطير بين إمكانيات نووية متقدمة ونظام أمني عدائي وإقصائي. وهذا بحد ذاته يولد بيئة من انعدام الثقة الاستراتيجية الشديد، حيث ينظر إلى الضمانات التقنية بعين الشك العميق، بدلاً من التحقق العلمي الموضوعي، مما يخفض عتبة المخاوف الإقليمية من الانتشار النووي.
في النهاية يُظهر فخ "اتفاقيات أبراهام"، المخاطر الجسيمة المترتبة على التعامل مع اتفاقيات الأمن الأساسية والأطر التكنولوجية المتقدمة، باعتبارها مجرد امتداد لمفاوضات مقاولاتية محفوفة بالمخاطر. ومن خلال ربط مستقبل الاستقرار النووي الهش بحل دبلوماسي مختصر مراوغ وسام سياسياً، تخاطر واشنطن ببناء سراب جيوسياسي شاهق، يُنفر شريكها الخليجي الأكثر أهمية ونفوذاً، بينما يدفع "الشرق الأوسط" في الوقت عينه نحو سباق تسلح خطير وغير مقيد وغير قابل للتكهن.
ومع انحسار غبار هذه المجازفة المحفوفة بالمخاطر، يتعين على صناع القرار في واشنطن مواجهة حقيقة مرة، تفيد أن الدبلوماسية النووية تتطلب أساساً من الثقة الاستراتيجية، وضمانات مؤسسية دقيقة، واحتراماً للخطوط الحمراء السيادية، بدلاً من الانجرار وراء تقلبات الاستعراض السياسي الانتهازي. فإن تجاهل هذه الحقيقة الجوهرية لن يقوض فقط آفاق التوصل إلى اتفاق نووي بين الولايات المتحدة والسعودية، بل سيترك "الشرق الأوسط" المزعزع والمتصدع، منفصلاً بشكلٍ خطير عن الضوابط الهيكلية للأمن الدولي.
نقله إلى العربية: حسين قطايا