"فورين بوليسي": ما الذي تتوقعه دول الخليج من الولايات المتحدة بعد الحرب على إيران
الدول التي تستضيف القوات الأميركية تسعى إلى أن تكون شريكة فاعلة، وليس مجرّد منصة عسكرية.
-
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث مع أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني في قاعدة العديد الجوية في قطر بتاريخ 15 مايو 2025.
دول الخليج دخلت في أتون الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، برغم أن حليفتها واشنطن لم تشاورها أو تستمع إلى رأيها، وهذا ما باتت دول الخليج تعيه وتفكر في أن تغيره بعد انتهاء الحرب، تتناول مجلة "فورين بوليسي" الأميركية وضع دول الخليج بعد أن تكبدت الجزء الأكبر من كلفة العدوان على إيران، وما الذي ستسعى لفرضه بعد الحرب.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:
عندما تتوقف عمليات القصف وتنطلق المراجعات الدبلوماسية في الشرق الأوسط، لن يشكل تراجع القدرات العسكرية الإيرانية، على الرغم من أهميته، التحوّل الأكثر أهمية. بل سيكون في اللحظة التي تنتقل فيها دول الخليج التي تستضيف القوات الأميركية من موقع الامتثال إلى موقع المشروطية. فهي لن تتخلى عن تحالفها مع الولايات المتحدة، لكنها ستطالب بإعادة هيكلته بما يعكس حقيقة لم يعد بالإمكان إنكارها بعد 3 أسابيع من الحرب، ومفادها أنّ المخاطر التي تتحملها هذه الدول نتيجة استضافتها للقوات لم تعد تتناسب مع مستوى الحماية التي تتلقاها في المقابل.
وهذا لا يُعد انشقاقاً، بل محاولة لإعادة صياغة شروط التحالف في أعقاب حرب كشفت عن اختلالاته. لعقود طويلة، ارتكزت البنية الأمنية في منطقة الخليج على صفقة بسيطة. فقد وفّرت دول مجلس التعاون الخليجي حقوق التمركز العسكري وإمكانية العبور الجوي والدعم الدبلوماسي، في حين وفّرت الولايات المتحدة الردع من خلال حضورها في المنطقة. ولم تكن قاعدة العديد في قطر، ومقر الأسطول الخامس في البحرين، ومعسكر عريفجان في الكويت، وقاعدة الظفرة في الإمارات العربية المتحدة مجرد منشآت عسكرية، بل كانت تجسيداً ملموساً لضمانة أميركية.
لقد اعتمدت دول الخليج في صياغة استراتيجياتها الإقليمية على تلك الفرضية. كما انتهجت سياسات تحوّطية، فحافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع كلٍّ من طهران وواشنطن، بل واستثمرت، في بعض الحالات، في جهود الوساطة لتفادي اندلاع مثل هذا النوع من الحروب تحديداً. لكن تبيّن أن ذلك لم يكن كافياً.
وفي غضون ساعات من أولى الضربات الأميركية–الإسرائيلية في 28 شباط/ فبراير، أطلقت إيران صواريخ وطائرات مسيّرة عبر الخليج. وبالنسبة للدول التي تستضيف قوات أميركية، كان منطق الردّ واضحاً بشكل لا لبس فيه: فقد أصبحت أراضيها جزءاً من الخريطة العملياتية للحرب، سواء لعبت قواعدها دوراً مباشراً في الضربات الافتتاحية أم لا. كما تعرّضت سلطنة عُمان، التي لا تستضيف وجوداً عسكرياً أميركياً مماثلاً وكانت قد دعمت جهود الوساطة، لهجمات أيضاً، إذ استُهدفت بنيتها التحتية النفطية، ما رسّخ الدلالة الأوسع. فلم تضمن الاستضافة، ولا سياسات التحوّط، ولا الوساطة، الحصانة بمجرد انتقال المنطقة إلى حالة الحرب المفتوحة.
ولم تهاجم إيران دول الخليج لأنها تعدّها عدوةً لها، بل لأنها تعاملت مع سيادتها بوصفها أمراً قابلاً للتضحية، وجغرافيا هامشية في حرب اختارت أن تُعمّم نطاقها. ووفقاً لحسابات طهران، أصبحت هذه الدول بمثابة عناوين أميركية.
ويصعب المبالغة في تقدير حجم ما تكبّدته دول الخليج منذ اندلاع الحرب. فمن البحرين والكويت إلى قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، واجهت الدول التي تستضيف قوات أميركية هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وأضراراً طالت البنية التحتية وقطاع الطاقة، واضطرابات في حركة المطارات، فضلاً عن انتهاكات متكررة لأجوائها وسيادتها. وفي حالات كثيرة، كانت الأهداف أو الضربات قريبة من منشآت ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالوجود العسكري الأميركي.
لم تختر أيٌّ من هذه الدول هذه الحرب أو تتحكّم في توقيتها. بل إن عدداً منها أمضى شهوراً في جهود الوساطة أو في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، أملاً في تجنّب هذا السيناريو تحديداً. ومع ذلك، فقد تحمّلت كلفة التصعيد. وبالتالي، لم تُعفِ سياسة ضبط النفس دول الخليج من أن تصبح جزءاً من جغرافيا الحرب الانتقامية. وما كشفته هذه الأسابيع الـ3 ليس ضعفاً خليجياً، بل اختلالاً هيكلياً في علاقة التمركز العسكري، الذي حجبته عقود من الاستقرار النسبي.
لقد كان المنطق الأصلي لتمركز القوات الأميركية في الخليج واضحاً ومباشراً، ويتمثّل في أن الوجود العسكري للولايات المتحدة من شأنه أن يردع التهديدات الكبرى التي قد تواجه الدول المُضيفة. وظلّ هذا المنطق قائماً ما دامت إيران إمّا تفتقر إلى القدرة على توجيه ضربات مباشرة إلى دول الخليج، أو تختار عدم القيام بذلك. غير أن الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية عام 2019 أثارت شكوكاً حول هذه الفرضية. أما أحداث 28 شباط/فبراير، فقد أطاحت بها تماماً.
ولم تقتصر المشكلة على أن القواعد العسكرية أخفقت في منع الردّ الإيراني ضد الدول المُضيفة، بل إنها أسهمت - وفقاً لمنطق الاستهداف في طهران - في تصنيف تلك الدول بوصفها مواقع مشروعة للانتقام. كما أن البنية الأمنية المصممة لطمأنة دول الخليج زادت من انكشافها بمجرد انهيار الردع.
ولا يتعلق الأمر هنا بالقول إن قرارات اختيار القواعد العسكرية كانت خاطئة، بل كانت قرارات منطقية من الناحية الاستراتيجية، ولا تزال كذلك. إنما يتعلق الأمر بالقول إن الشروط المحيطة بها وُضعت لبيئة تهديد لم تعد قائمة. وقد قبلت دول الخليج مخاطر الاستضافة على افتراض أن الردع سيصمد حتى تحت وطأة أشد الضغوط. إلا أن هذا الأمر لم يتحقق في هذه الحرب، ليس لأن الوجود الأميركي كان يفتقر إلى القوة، بل لأن نظاماً واجه ما اعتبره تهديداً وجودياً أبدى استعداداً لفرض تكاليف انتقامية على الدول المتحالفة مع هذه القوة.
لقد أدرك قادة الخليج هذا الخطر نظرياً، لكنهم اضطروا خلال الأسابيع الـ3 الماضية إلى استيعابه عملياً. وهذا ما سيحدد ملامح المرحلة المقبلة من المفاوضات مع واشنطن. ومن أبرز سمات هذه الفترة ضبط النفس الخليجي. فعلى الرغم من الهجمات المتواصلة على البنية التحتية والمطارات ومنشآت الطاقة، لم تنخرط أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي في الحرب.
وقد أُسيء تفسير هذا التحفّظ على نطاق واسع، إمّا باعتباره ضعفاً أو دليلاً على أن دول الخليج لا تزال تابعة سلبية للولايات المتحدة. والحال أنه ليس هذا ولا ذاك. وكما أشار رئيس الوزراء القطري الأسبق، الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، فإنّ هذا ليس استسلاماً أو سلبية، بل رفض مدروس للانجرار إلى صراع ستتحمّل دول الخليج كلفته من دون أن تتحكّم في نتائجه. فالدخول في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة و"إسرائيل" لن يقتصر على رفع كلفة التصعيد فحسب، بل سيعيد تشكيل موقع هذه الدول إقليمياً لسنوات قادمة، محوّلاً إياها من أطراف سعت إلى الحفاظ على هامش للمناورة والوساطة إلى أطراف منخرطة علناً في القتال.
غير أن ضبط النفس لا يعني القبول بالأمر الواقع. فقد كشفت الحرب عن ثغرات في إطار التحالف لن تُنسى بمجرد توقف القتال. وتشير الرسائل الأخيرة الصادرة عن الإمارات العربية المتحدة إلى الاتجاه ذاته، إذ تُصوِّر مهمة ما بعد الحرب لا بوصفها عودة إلى الوضع الطبيعي، بل باعتبارها عملية بناء نظام أمني خليجي أكثر متانة واستدامة. وقد لا تعمد العواصم الخليجية إلى تحدّي واشنطن علناً في خضم حرب إقليمية، لكنها من غير المرجّح أن تظل صامتة بعد انتهائها حيال الشروط التي تتحمّل بموجبها المخاطر.
وعندما تبدأ مفاوضات ما بعد الحرب، من المستبعد أن تطالب دول الخليج بانسحاب القوات الأميركية. فالقواعد العسكرية لا تزال توفّر قيمة ردعية، وإمكانية الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية، وعمقاً لوجستياً، فضلاً عن نفوذ سياسي لا يمكن لأي ترتيب بديل أن يعوّضه بسهولة.
ومن المرجح أن تطالب هذه الدول بإدخال مبدأ المشروطية؛ أي إعادة هيكلة إطار العمل القائم بحيث تصبح الاستضافة المستمرة مشروطة بالتشاور، وتقاسم الالتزامات الدفاعية، ووضع آليات أوضح لتوزيع تكاليف الردّ. أما المبدأ الجوهري، فهو بسيط: ينبغي ألا تعني الاستضافة تحمّل الضربات في حروب لم تُجزها الدولة المضيفة.
ويتمثل المطلب الأول في التشاور المسبق. إذ ستسعى دول الخليج إلى إرساء آليات فعالة لإدارة الأزمات قبل أي عمل عسكري قد يستدعي ردّاً انتقامياً على أراضيها. وسواء استُخدمت القواعد الأميركية عملياً في ضربات 28 شباط/فبراير أم لا، فإن ذلك، من وجهة نظر معينة، ليس جوهر المسألة؛ إذ إن إيران نفّذت ضرباتها على أي حال. والمهم بعد الحرب هو أن الحكومات المضيفة تُركت عرضةً لعواقب التصعيد من دون تنسيق مسبق كافٍ. وهذا ليس طلباً لحق النقض، بل دعوة إلى معاملتها كشريكة فاعلة، وليس مجرد منصات عسكرية.
أما المطلب الثاني، فيتمثل في تعزيز التكامل في مجال الدفاع الجوي والصاروخي. فقد نجحت دول الخليج في اعتراض أعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية باستخدام أنظمة "باتريوت" و"ثاد"، إلى جانب أنظمتها الخاصة، إلا أن حجم الهجمات كشف عن حدود الترتيبات القائمة. ومن المرجّح أن تتضمّن أطر الاستضافة المستقبلية التزامات أقوى تتعلق بالدفاع الجوي المشترك، والإنذار المبكر، والاستجابة المنسّقة.
ويتمثل المطلب الثالث في الحصول على قدرٍ أكبر من الوضوح بشأن الالتزام الأمني ذاته. إذ لطالما عانت دول الخليج من الغموض الاستراتيجي في علاقتها الدفاعية مع واشنطن. وبعد هذه الحرب، سيصبح من الصعب الحفاظ على هذا الغموض. ولا يتعلق الأمر بالضرورة بإبرام معاهدة على غرار حلف شمال الأطلسي "الناتو"، بل بإرساء فهم أوضح لنوع الحماية التي تستعد الولايات المتحدة لتقديمها فعلياً عندما تتعرض الدول المضيفة لهجمات انتقامية.
أما المطلب الرابع، فيتمثل في تقاسم الأعباء الاقتصادية. فقد فرضت الحرب تكاليف محلية فورية تمثّلت في الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، والاضطرابات في قطاعي النقل والطاقة، فضلاً عن الضغوط على ثقة المستثمرين. لذا، من غير المرجّح أن تقتصر مفاوضات المرحلة المقبلة على مسألة المخاطر العسكرية فحسب، بل ستمتد أيضاً إلى تحديد الجهة التي تتحمّل العبء الاقتصادي عندما ينجم التصعيد الإقليمي عن عمل عسكري أميركي.
ولا ينبغي لأيٍّ من هذه المطالب أن تثير قلق واشنطن، بل يجب أن تسهم في توضيح وجهة نظرها.
إن عناصر النفوذ في هذا السياق متبادلة. فالولايات المتحدة لا تملك في المنطقة بدائل تمركز عسكري تضاهي من حيث البنية التحتية والموقع والاستقرار السياسي ما يتيحه الخليج، وهو ما تدركه العواصم الخليجية جيداً. وأي افتراض بأن واشنطن يمكنها ببساطة إعادة تموضعها استجابةً للمشروطية الخليجية ينطوي على سوء فهم للمعطيات الجغرافية. فدول الخليج لا تتفاوض من موقع ضعف، بل من منطلق إدراكها أن كِلا الطرفين لا يزال بحاجة إلى هذه الشراكة، ولكن ليس وفق الشروط القديمة.
وفي الوقت الراهن، لا تتجه دول الخليج نحو الصين، كما أنها لا تطالب الولايات المتحدة بالانسحاب. بل إنها تُبلِغ واشنطن بأن الصفقة القديمة، التي كانت فيها الاستضافة تضمن الحضور بدرجة أكبر من الحماية، قد كشفتها 3 أسابيع من الهجمات المتواصلة. وعليه، لا بدّ أن تعكس الصيغة المقبلة من هذا التحالف ما جعلته هذه الحرب أمراً يستحيل تجاهله.
والسؤال المطروح هو ما إذا كانت واشنطن ستدرك هذا التحوّل في الوقت المناسب لتسهم في تشكيله، أم أنها لن تكتشف الشروط الجديدة إلا في الأزمة المقبلة، حين تصبح القواعد التي كانت تقترن سابقاً بالامتثال مقترنةً بالمشروطية اليوم.
نقلته إلى العربية: زينب منعم.