"فورين بوليسي": قد تكون فنزويلا المكان الذي ينفدُ فيه حظُّ ترامب
ترامب يحاول التوفيق بين الفصائل المتشدّدة والمسالمة للغاية من قاعدته الشعبية.
-
"فورين بوليسي": قد تكون فنزويلا المكان الذي ينفدُ فيه حظّ ترامب
مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تنشر مقالاً يتناول التطورات في فنزويلا في إثر اختطاف رئيسها، معتبراً أنّ ما جرى في فنزويلا يمثّل اختباراً خطِراً لفرضية أنّ الولايات المتحدة قادرة على استخدام القوة بلا كلفة، وهي فرضية قد تنقلب بسرعة إلى نتائج كارثية داخلياً ودولياً.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
التدخُّل العسكري الأميركي جنوب الحدود جزء لا يتجزَّأ من الثقافة السياسية الأميركية، تماماً كرياضة البيسبول وفطيرة التفاح. ففي عام 1914، أرسل الرئيس وودرو ويلسون قوات لاحتلال مدينة فيراكروز المكسيكية لحماية المصالح الاقتصادية الأميركية. وخلال الحرب الباردة، انخرطت الولايات المتحدة في عمليات تغيير أنظمة الحكم، بعلنية وسرية، في مناطق تمتدُّ من كوبا إلى نيكاراغوا وغواتيمالا وبنما. وفي عام 1994، غزت إدارة كلينتون هايتي لإعادة تنصيب الرئيس المخلوع جان برتران أريستيد.
ومع ذلك، كان من الصادم رؤية إدارة أميركية تنخرط علناً متفاخرةً في هذا النوع من تغيير قيادات البلدان، وهو في جوهره عملية اختطاف مُسلَّح كما شهدنا خلال عطلة نهاية الأسبوع في كراكاس. ولم يكن هناك أيّ تزييف في التفسيرات الرسمية لأسباب اتخاذ هذه الإجراءات، ولم تبذل أيّ محاولة جادة لإضفاء طابع قانوني دولي على الهجوم. بل على العكس، أكّدت إدارة ترامب بجلاء أولوية المصالح الأميركية، فالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يقف عائقاً أمام وقف الهجرة، ومنع تدفّق المخدرات، والسماح لشركات النفط الأميركية بالوصول إلى حقول النفط الغنية في فنزويلا.
وهذه المُبرّرات العديدة المطروحة تُذكّر بما سبق غزو العراق عام 2003، حيث قُدّمت مجموعة من التبريرات المحتملة لعمل كانت الإدارة قد حسمت أمرها بشأنه. لكن حتى هذا مُضلّل، فقد قُدّمت تفسيرات غزو فنزويلا بسرعة وتجاهل تام للقانون الدولي، وهو أمر لم تكن إدارة بوش لتحلم به. على الأقلّ سعى الرئيس جورج دبليو بوش للحصول على تفويض من مجلس الأمن الدولي قبل أن يتجاهل هذه العملية في نهاية المطاف.
وهنا أيضاً، لا تبدو أيّ من المُبرّرات مُقنعةً حقاً. فالولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط في العالم، وقد يؤدي فائض النفط الفنزويلي إلى الإضرار بالمنتجين في أماكن مثل تكساس من خلال خفض الأسعار العالمية. كما أنّ فنزويلا ليست مصدر معظم المخدرات التي تتسبَّب في وفيات على الأراضي الأميركية. ووكالات إنفاذ القانون الأميركية حتى مع وجود مذكّرة تفتيش سارية، لا تشارك عادة في عمليات عسكرية خارجية.
وفي الحقيقة كان كلّ هذا استعراضاً واضحاً لقوة أميركا وحاجتها إلى الهيمنة على المنطقة. فقد تحدَّى مادورو إدارة ترامب مراراً وتكراراً، رافضاً التخلّي عن السلطة والذهاب إلى منفى مريح رغم الضغوط والحشد العسكري المتزايد في منطقة الكاريبي. وكان من المستبعد دائماً أن تُقابل مقاومة مادورو المستمرّة بتنازلات أميركية، حتى من دونالد ترامب، المعروف بين رؤساء الولايات المتحدة بميله إلى التهديد والتراجع في المواقف الحرجة.
ويُمكن التأكّد من ذلك على نحو خاص في ضوء نشر الإدارة مؤخّراً لاستراتيجية الأمن القومي، التي قدَّمت ما يُسمَّى بـملحق ترامب لـ "مبدأ مونرو"، مُتعهّدة بإقصاء قُوىً من خارج نصف الكرة الأرضية، مثل الصين، من خلال حرمانها من "القدرة على نشر قوات أو امتلاك قدرات تهديدية أخرى، أو امتلاك أو السيطرة على أصول حيوية استراتيجية في نصف الكرة الأرضية التابع لنا". وتريد الولايات المتحدة، كما يعد هذا المستند بنبرة تنذر بالسوء، أن "تنظر إلينا الدول كشريكها المُفضَّل، وتثنيها بوسائل مختلفة عن التعاون مع الآخرين.
ويخدمُ اختطاف الرئيس مادورو هذا الهدف، ويرسل إشارة إلى الصين وروسيا بالابتعاد عن نصف الكرة الغربي. وكما تشير تصريحات مسؤولي الإدارة بشأن كوبا والمكسيك، يرسل أيضاً إشارةً إلى حكومات إقليمية أخرى للتعاون، سواء في قضايا الهجرة أو المخدرات أو التعاون مع دول أخرى. وإذا لم تفعل، فإنّها تخاطر بتلقّي ضربة عقابية أميركية. إِنّها استراتيجية محفوفة بالمخاطر. وإذا لم تسر الأمور كما هو مخطّط لها بعد هذه العملية، فقد تبدو إدارة ترامب أضعف مما كانت تتمنّى.
ولعلّ السؤال الأهمّ هو كيفيّة تفسير هذه العملية في سياق سياسة ترامب الخارجية الأوسع، بينما يراها البعض على أنَّها انتصار لمجموعة واحدة داخل الإدارة، حيث يمكن القول ببساطة إنّ "الصقور ينتصرون". والحقيقة أنّ واجهة هذه العملية كانت بوضوح وزير الخارجية ماركو روبيو، المعروف بمواقفه المتشدّدة. أما نائب الرئيس جيه دي فانس، وهو من أشدّ مُنتقدي تغيير الأنظمة الأجنبية، فقد أبدى دعمه للعملية، لكنّه غاب بشكل ملحوظ عن الصور والمؤتمرات الصحفية المتعلّقة بها، وأدلى بتصريحات غامضة حول الأمن لتفسير غيابه.
لكنّ المتشدّدين من المحافظين الجدد في دائرة ترامب ليسوا راضين أيضاً. فقد قال الرئيس للصحافيين بأنّ ماريا كورينا ماتشادو مُرشّحة "الحزب الديمقراطي" المفضّلة، لا تحظى بالدعم اللازم لتولّي السلطة في فنزويلا في أيّ وقت قريب، وهو رأي سرعان ما ردّده روبيو. وبدلاً من ذلك، أشار مسؤولون في الإدارة إلى أنّه من المتوقّع أن تعمل نائبة الرئيس مادورو ديلسي رودريغيز، مع الإدارة على عملية انتقال السلطة، مما يوحي بأنّ هذه العملية لا تهدف إلى تغيير النظام نحو الديمقراطية بقدر ما تهدف إلى إزاحة زعيم غير خاضع.
إنّ عملية خطف مادورو تتّسم بالعدوانية والطموح في تنفيذها في آن واحد، مع كونها محدودةً للغاية في أهدافها السياسية. ولعلّها في هذا الجانب تُشبه إلى حد كبير ضربات ترامب على المنشآت النووية الإيرانية في حزيران/يونيو الماضي. ففي كلتا الحالتين، اختار ترامب استعراضاً كبيراً للقوة العسكرية الأميركية، مُحاولاً في الوقت عينه تجنُّب التصعيد والفوضى والعواقب غير المقصودة التي شابت العديد من التدخّلات العسكرية الأميركية بعد أحداث الـ 11 من أيلول/سبتمبر. بإيجاز يختبر ترامب فرضية أنّ الولايات المتحدة قادرة على استخدام القوة من دون عواقب تُذكر.
إِنّه نهج يوازن بين المجموعات المُتناحرة داخل إدارة ترامب الذي يُلبّي رغبة المحافظين الجدد وأنصار ريغان في العمل العسكري، بينما يحاول في الوقت ذاته طمأنة القاعدة الأقل ميلاً للتدخّل بأنّ الولايات المتحدة لا تتّجه نحو كارثة أخرى كتلك التي حدثت في العراق. وقد أثبتت هذه الاستراتيجية نجاحها حتى الآن، لكنّها تبقى استراتيجية محفوفةً بالمخاطر، السياسية والجيوسياسية. ولقد كان الرئيس محظوظاً، إذ لم تُؤدّ ضرباته في إيران إلى تصعيد كبير، ويبدو أنّ أسر مادورو لم يدخل فنزويلا في حالة من الفوضى في الوقت الحالي.
مع ذلك، هذا لا يعني أنّ قدرة الرئيس على تجنّب عواقب ضربات مستقبلية من هذا النوع في المكسيك على سبيل المثال، أو في غرينلاند، لا يمكن أن تنقلب بسهولة إلى ارتداد عكسي على الولايات المتحدة. وكلما زاد انخراط ترامب في استعراضات القوة الأميركية هذه، زاد احتمال أن ينقلب أحدها إلى كارثة. في فنزويلا، قد يعني ذلك انقلاباً عسكرياً، أو انهياراً للدولة، أو أزمة لاجئين أوسع. وفي أماكن أخرى، قد يعني ذلك حرباً أو فوضى.
ولا يقتصرُ خطر الرئيس على استعداء قاعدته الشعبية التي انتخبته، بل إنّه في كلّ مرة ينجح فيها في لعبة حافة الهاوية الدولية هذه، يزداد على الأرجح ثقةً بنفسه، مما يزيد أخطار سوء التقدير في المرة التالية.
نقلته إلى العربية: حسين قطايا.