"فورين بوليسي": ترامب عالق في مستنقع إيران.. كيف يمكن أن يخرج من الحرب؟

كيف يمكن للرئيس الأميركي أن يصعّد الموقف ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي؟

  • صورة لجسر متضرر بشدة جراء غارة أميركية، على الطريق الذي يربط بين رودان وبندر عباس في جنوب إيران
    صورة لجسر متضرر بشدة جراء غارة أميركية، على الطريق الذي يربط بين رودان وبندر عباس في جنوب إيران

مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تنشر مقالاً كتبه كول بوسي، المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية والذي شغل منصب مدير ملف إيران في مجلس الأمن القومي الأميركي من عام 2015 إلى عام 2016، ونيت سوانسون، مدير مشروع استراتيجية إيران في المجلس الأطلسي، يتناولان فيه الخيارات التي قد يلجأ إليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتصعيد المواجهة مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي، من تكثيف الضربات العسكرية وتشديد الضغوط الاقتصادية إلى دعم المعارضة أو اللجوء إلى تدخل بري، مقابل احتمال العودة إلى التفاوض ومحاولة الخروج من الحرب بتسوية سياسية.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنه، ما إن تنتهي انتخابات التجديد النصفي الأميركية، حتى يصعّد الرئيس دونالد ترامب ضد إيران. وحتى الآن، شكّل خطر الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عاملاً كابحاً لسلوك ترامب. ففي نيسان/أبريل، أجبره ذلك على التراجع عن المواجهة المفتوحة والسعي إلى حل دبلوماسي. وعندما انهارت مذكرة التفاهم (MOU)، عاد ترامب إلى ممارسة الضغط الاقتصادي على إيران. لكنه تجنّب إلى حدّ كبير خوض قتال أكثر حدة، خشية إثارة مزيد من ردود الفعل الداخلية بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة.

أما الآن، فقد دخلت الولايات المتحدة وإيران في معركة إرادات لمعرفة أيّ الطرفين يستطيع تحمّل قدر أكبر من الألم الاقتصادي. وتتعرض كل من إيران والاقتصاد العالمي لضغوط كبيرة. لكن الطرفين تجنّبا خطوات تصعيدية كبيرة، مثل استهداف البنية التحتية للطاقة، مدفوعين بالاعتقاد بأن الوقت يصبّ في مصلحتهما.

ومن جانبه، أعرب ترامب مراراً عن ثقته بأن موقف إيران سيلين بعد انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر، في إشارة إلى أن طهران تحاول تحميله كلفة سياسية بسبب الحرب قبل أن تتحوّل لاحقاً نحو إبرام صفقة. غير أن توقّع ترامب قد يكشف عن طريقة تفكيره هو أكثر مما يكشف عن تفكير إيران. فبعد انتخابات التجديد النصفي، قد يقرر أن الانتصار في الحرب على إيران أمر محوري لإرثه، وأن الحفاظ على الوضع القائم لن يحقق أهدافه. كما قد تؤثر في حساباته الضغوط التي يمارسها الصقور في الولايات المتحدة و"إسرائيل" والشركاء الخليجيون من أجل "إنهاء المهمة"، إلى جانب المخاوف المتزايدة بشأن النقص الحاد في الذخائر الأساسية.

إذا قرر ترامب التصعيد سعياً إلى تحقيق النصر، فلديه مجموعة من الخيارات، رغم أنّ أياً منها ليس مرجحاً أن يحقق النتيجة التي يسعى إليها.

تصعيد الضربات العسكرية ضد إيران

قد تقرر الولايات المتحدة، وربما بمشاركة "إسرائيل"، شن ضربات جديدة وأكثر كثافة ضد الأنواع نفسها من الأهداف التي استُهدفت في آذار/مارس، أي المنشآت العسكرية، ومنظومات الصواريخ المنتشرة، والبنية التحتية للطاقة. وفي هذا السيناريو، تستطيع الولايات المتحدة بالتأكيد إلحاق مزيد من الضرر وتقويض قدرات إيران العسكرية وقدرتها على تهديد مضيق هرمز وجيرانها. لكن من غير الواضح كيف يمكن لهذه الإجراءات أن تغيّر سلوك إيران، في حين أنها لم تفعل ذلك في وقت سابق من هذا العام، ولا سيما إذا تمكنت إيران مجدداً من إخفاء ما يكفي من الذخائر للحفاظ على قدرتها على شن ضربات مضادة.

ويتمثل أفضل السيناريوهات في أن يستخدم ترامب مثل هذه الضربات ذريعة للعودة إلى المفاوضات. لكن الخطر يكمن في أنّ إيران قد تركز ردّها مجدداً على دول الخليج، التي تتزايد أصلاً مخاوفها من الأضرار الجانبية التي تعرضت لها. أما أسوأ سيناريو بالنسبة إلى ترامب، فسيكون إذا أجاز ضرب البنية التحتية المدنية الإيرانية، ما يدفع إيران إلى الرد بضرب مواقع الطاقة الخليجية المعرضة للخطر. وإذا خلص البيت الأبيض إلى أنه، بعد انتهاء انتخابات التجديد النصفي، يمكن تحمّل أزمة طاقة ثمناً لهزيمة إيران، فإن المستهلكين حول العالم هم من سيتحملون المعاناة.

مشهد ختامي

ثمة احتمال آخر، هو أن يسعى ترامب إلى "نهاية" عالية المستوى يمكنه من خلالها إعلان النصر، وبذلك يمنح الحرب خاتمة سردية حتى من من دون تحقيق أهدافه الأصلية. وقد يشمل ذلك خطوات مثل تنفيذ عملية للقوات الخاصة تهدف إلى الاستيلاء على اليورانيوم عالي التخصيب (HEU)، المدفون حالياً تحت الأرض، لكنه لا يزال يمثل أكبر تهديد نووي في المدى القريب. ومن شأن القضاء على مخزونات إيران أن يقلل بدرجة كبيرة من خطر حدوث اختراق نووي وشيك، كما سيتيح لترامب الادعاء بأن الحرب كانت جزءاً من استراتيجية متماسكة لإضعاف البرنامج النووي الإيراني بدرجة كبيرة. وبدلاً من ذلك، قد يشن ترامب غارة مفاجئة للاستيلاء على محطات النفط الإيرانية في جزيرة خارك، واحتجازها كورقة مساومة في إطار اتفاق سلام.

وغني عن القول إن ذلك سيكون شديد الخطورة، وقد ينطوي على سقوط عدد كبير من الضحايا الأميركيين. ومن المرجح أن يكون اليورانيوم عالي التخصيب الإيراني موزعاً في مواقع متعددة. فضلاً عن ذلك، فإن أي غارة داخل الأراضي الإيرانية، سواء استهدفت المفاعلات أو جزيرة خارك، ستتطلب من القوات الأميركية الاحتفاظ بمواقع ثابتة داخل إيران في أثناء تعرضها للنيران.

تسليح المعارضة

راودت ترامب و"إسرائيل"، منذ بداية الحرب، فكرة تسليح جماعات معارضة، مثل الكرد. وقد يبدو ذلك وسيلة منخفضة الكلفة لإزاحة النظام، لكنه هو الآخر من غير المرجح أن ينجح.

أولاً، لا توجد معارضة موحدة ولا زعيم معارض يحظى بشعبية يمكن للولايات المتحدة أن توجّه إليه السلاح بسهولة. وهذا يعني أن واشنطن ستجد نفسها سريعاً أمام مهمة تنظيم أي قوة متمردة ناشئة وتدريبها وحمايتها. إضافة إلى ذلك، فإن تسليح الجماعات الإثنية أو الانفصالية سيمثل مكسباً دعائياً للجمهورية الإسلامية، إذ سيتيح للحكومة حشد الدعم من المواطنين الساخطين في قلب الأراضي الفارسية. وأخيراً، حتى في حال نجاح مثل هذه الحملة، على نحو غير مرجح ومخالف للتوقعات، في تفكيك النظام، فمن المرجح أن يؤدي ذلك إلى اندلاع حرب أهلية فوضوية بدلاً من انتقال منظم للسلطة. وقد يكون مثل هذا الصراع أكثر دموية من الحرب الأهلية السورية، ويؤدي إلى أزمة لاجئين هائلة وزعزعة استقرار المنطقة لعقد كامل.

الذهاب إلى أقصى مدى اقتصادياً

حاولت واشنطن استخدام الحصار العسكري والعقوبات الاقتصادية لإجبار طهران على الاستسلام. وهذه الإجراءات، ولا سيما الحظر الجوي الجديد، تترك أثراً كبيراً في إيران. لكن استعداد الصين لمواصلة التجارة مع إيران يمنح النظام شريان حياة اقتصادياً. وقبل الحصار، كانت الصين تشتري 90% من صادرات النفط الإيرانية، كما كانت نسبة كبيرة من الودائع المالية الإيرانية مودعة في المصارف الصينية. وانطلاقاً من ذلك، قد يقرر ترامب أن فرض عقوبات صارمة على المصارف والمصافي والموانئ الصينية التي لا تزال تتعامل مع إيران قد يؤدي أخيراً إلى كسر مقاومة النظام. ويمكن أن يُقترن ذلك بإجراءات عسكرية تهدف إلى تعطيل الصادرات البرية إلى جيران إيران.

لكن، حتى من دون الاضطرار إلى القلق بشأن انتخابات التجديد النصفي، ستكون هذه خطوة جذرية. وقد يكون ترامب مستعداً للمخاطرة بالهدنة التجارية مع الصين، لكنه سيظل متردداً في إلحاق الضرر باقتصاد أميركي يعاني أصلاً. وقد أقر وزير الخزانة سكوت بيسنت بذلك عملياً في آب/أغسطس، حين تساءل بلاغياً عن سبب إقدام الولايات المتحدة عمداً على "تفجير النظام المالي العالمي" عبر فرض عقوبات تستهدف إيران على شركات صينية، معترفاً بذلك بأن التشدد المفرط في إنفاذ العقوبات الأميركية في الصين قد يهدد الاقتصاد الأوسع. وكما في سيناريو "Epic Fury"، لا تزال إيران تمتلك حرية التحرك والقدرة على فرض تكاليف اقتصادية متبادلة على جيرانها إذا بلغت معاناتها مستويات حرجة.

قوات على الأرض

يمثل نشر قوات أميركية على الأرض أفضل فرصة لإطاحة النظام الإيراني، لكن سلبيات هذا الخيار واضحة. فإيران دولة شاسعة، تبلغ مساحتها أربعة أضعاف مساحة العراق، ويزيد عدد سكانها على 90 مليون نسمة، فيما يتجاوز عدد أفراد قواتها العسكرية والأمنية مليون شخص. وتشير معظم التقديرات بشأن حملة برية أميركية ناجحة إلى أنها ستحتاج إلى عدة مئات الآلاف من الجنود على الأقل، وربما ما يصل إلى مليون جندي. وبالمقارنة، قد تبدو الحملات العسكرية الأميركية في العراق وأفغانستان سهلة نسبياً.

ولا يزال بعض الصقور الأميركيين يأملون أن يُقدم ترامب على هذه الخطوة، رغم أنهم أنفسهم يتجنبون التصريح بذلك علناً، نظراً إلى مدى السمية السياسية التي لا تزال تحيط بهذه الفكرة. ولذلك، سيظل هذا الخيار الأخير بالنسبة إلى ترامب، والأقل احتمالاً أيضاً.

 ثمة عشرات الاختلافات والتركيبات الممكنة لهذه السيناريوهات. لكن الخلاصة هي أنها جميعاً خيارات سيئة تنطوي على مقامرة بتكاليف اقتصادية وسياسية هائلة مقابل فرصة غير مؤكدة لتغيير النظام الإيراني. ففي نهاية المطاف، ثمة سبب يفسر لماذا لم تحاول الولايات المتحدة تنفيذها بالفعل.

ومن المؤكد أن من الممكن أن يسعى ترامب إلى التصعيد بعد انتخابات التجديد النصفي، لكن لا يوجد حل سحري يتيح زيادة الضغط على إيران من دون أن يفرض في المقابل ضغوطاً على الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين والاقتصاد العالمي. وإذا كانت انتخابات التجديد النصفي قد أضافت مستوى متزايداً من الحساسية والضغط الآني على البيت الأبيض بشأن أدائه في الحرب على إيران، فإن الغرائز السياسية لترامب ستظل تؤثر في تفكير الإدارة بعد تشرين الثاني/نوفمبر.

خطّة بديلة؟

وثمة احتمال بديل أيضاً. فبعد انتخابات التجديد النصفي، قد لا يعود ترامب يشعر بأنه مضطر إلى التظاهر بالاهتمام بالحرب على إيران. ونتيجة لذلك، قد يتجه إلى تقليص خسائره حتى يتمكن من قضاء العامين الأخيرين من ولايته في التركيز على مشاريع أخرى.

وفي هذه الحالة، قد يسعى ترامب إلى إحياء نسخة من مذكرة التفاهم (MOU)، وربما يمنح إيران مزيداً من التنازلات لضمان إعادة فتح مضيق هرمز، وربما فرض قيود على التقدم النووي الإيراني. ومن المؤكد أن ترامب سيواجه ردود فعل غاضبة من أوساط الصقور في قاعدته ومن "إسرائيل"، تماماً كما حدث بعد الإعلان عن مذكرة التفاهم في حزيران/يونيو. لكن، إذا لم يعد منشغلاً بالسياسة الانتخابية، فقد يقرر أنه قادر على تحمّل الانتقادات وإعلان النصر، من دون الاضطرار إلى القلق من حرب أبدية جديدة تشوّه إرثه.

وأحياناً يتخذ ترامب اتجاهاً قبل أن يعود إلى الاتجاه المعاكس، ولذلك قد يصعّد لفترة وجيزة حفاظاً على ماء الوجه قبل أن يبرم مثل هذه الصفقة. لكن هذا النوع من مناورات "التصعيد من أجل خفض التصعيد" سيظل ينطوي على مخاطر كبيرة، ومن غير المرجح أن يغيّر حسابات طهران، للأسباب جميعها التي نوقشت أعلاه. وللأسف، تشير الأشهر السبعة الماضية إلى أنه من غير المرجح أن تتراجع إيران عن مطالبها، ما يترك أمام ترامب خيارات قليلة للانسحاب من دون القبول بالتنازلات الواردة في التفسير الإيراني لمذكرة التفاهم الموقعة في حزيران/يونيو.

والواقع أنّ ترامب عالق أمام خيارات سيئة للخروج من هذا المستنقع. والشيء الوحيد الأسوأ من ذلك هو مضاعفة الرهان على تصعيد مدمّر وعديم الجدوى.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.