"فورين بوليسي": أوروبا موحدة.. أوروبا وحيدة
بينما يتمسك ترامب بموقفه تجاه غرينلاند، تُكثف أوروبا جهودها لتعزيز وحدتها.
-
"فورين بوليسي": أوروبا موحدة... أوروبا وحيدة
مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تنشر مقالاً يتناول التحول في العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة، اندلعت شرارته بسبب رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السيطرة على جزيرة غرينلاند.
ويرى المقال أنّ سياسة ترامب أدّت إلى نتيجة عكسية؛ فبدلاً من تقسيم أوروبا، تسببت في توحيد الصف الأوروبي ضد التهديدات الخارجية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
صافح وزير الخارجية الدنماركي سفيره بقبضته، ثم أسرع إلى وزيرة خارجية غرينلاند وأشعل لها سيجارتها. وكانوا قد التقوا للتو بنائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وفي اجتماع الـ14 من يناير/كانون الثاني، ناقشوا رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في "امتلاك" غرينلاند، ومعارضة شعب غرينلاند الشديدة لهذا الامتلاك، وكيفية تجاوز هذا المأزق.
بينما انقشع الدخان بين الدبلوماسيين رفيعي المستوى خارج سيارة السفارة، بدأت تتضح معالم جديدة عبر المحيط الأطلسي. ومهما يكن ما سيحدث لاحقاً، فقد تغيّرت الدنمارك وعلاقتها بالولايات المتحدة تغيراً لا رجعة فيه.
"لقد وضعنا كل بيضنا في سلة الولايات المتحدة. نحن 'مؤيدون متحمسون للتحالف الأطلسي'، وقد ذهبنا أبعد بكثير في دعمنا للولايات المتحدة مقارنة بالعديد من الدول الأخرى. لقد أعطينا الأولوية القصوى للعلاقة مع الولايات المتحدة، لكنها لن تعود كما كانت أبداً"، هذا ما قاله ميكيل رونج أولسن، الباحث البارز في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية.
وأضاف أولسن: "إن أكثر السياسيين تعاطفاً مع العلاقات عبر الأطلسي هم الأكثر مرارة وتشككاً، مثل رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن والأمين العام السابق لحلف الناتو أندرس فوغ راسموسن. أعتقد، من وجهة نظر دنماركية، أن فكرة الولايات المتحدة كاستراتيجية أمنية لنا قد ولّت. نبحث الآن عن بديل أوروبي. لقد كان درساً مكلفاً. وثقنا بالأميركيين، وكان ينبغي ألا نفعل ذلك أبداً."
لم يُسهم اجتماع الـ14 منيناير/كانون الثاني في تهدئة الرأي العام الدنماركي. فلم يُخفِ ترامب حماسته لامتلاك غرينلاند، أو "غزوها" كما وصفها وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع. ووفقاً لراسموسن، لا يزال هناك خلاف عميق حول هذه القضية، لكن الأطراف الثلاثة اتفقت على تشكيل فريق عمل رفيع المستوى.
مباشرةً بعد الاجتماع، أصدر البرلمان الأوروبي بياناً شديد اللهجة دعماً للدنمارك وغرينلاند. لكن شيئاً ما تغيّر في أوروبا. لم يعد الأمر يقتصر على البيانات القوية، بل أصبحت عدة دول تُظهر التزاماً بالمشاركة الفعلية في هذه القضية.
استجابت فرنسا وألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة والنرويج والسويد وفنلندا وإستونيا للمناورات العسكرية الأوروبية في غرينلاند، وأرسلت قوات إلى هناك. وإضافة إلى افتتاح قنصلية فرنسية دائمة في نوك مطلع فبراير/شباط، صرّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن المزيد من القوات العسكرية في طريقها إلى القطب الشمالي. وقال في خطاب ألقاه أمام القوات المسلحة الفرنسية في 15 يناير/ كانون الثاني: "إن فريقاً أولياً من الجنود الفرنسيين موجود بالفعل في الموقع، وسيتم تعزيزه في الأيام المقبلة بقوات برية وجوية وبحرية".
حتى لو اقتصر الأمر على عدد قليل من الضباط، فإن الرسالة واضحة وقوية. تقول كريستين نيسن، كبيرة المحللين في مركز الأبحاث الأوروبي: "تخيلوا هبوط مروحية أميركية في غرينلاند، ماذا سيرى ركابها عند نزولهم؟ لا أحد؟ زلاجة تجرها الكلاب؟ أم صف من الجنود الأوروبيين؟ هذا يُحدث فرقاً كبيراً". وتضيف: "بتصعيد الموقف، تُصعّب الدنمارك على أي طرف خياراً آخر غير الدبلوماسية".
بالنسبة لنيسن، هذا جزء من تحول أعمق في الفكر الأوروبي. قالت: "العالم الذي كان يسود الأمس كان يناسب أوروبا تماماً. لقد بُنِيَ كل شيء وفقاً له. مجتمعنا بأكمله قائم على عالم حر وتجارة دولية. كان بإمكاننا استيراد الأمن والطاقة وبعض السلع الرخيصة من الصين من دون أن نبذل جهداً للحفاظ على نموذجنا الحالي. هذا يعني وداعاً لكل ذلك. الاستجابة لهذا التغير تحتاج وقتاً، ولهذا السبب حدث هذا الشلل".
من المرجح أن تؤدي هذه التطورات إلى تعميق الوحدة الأوروبية. فبعد روسيا، أصبحت الولايات المتحدة ثاني قوة عظمى تُشكل تهديداً للأراضي الأوروبية. وهذا يُحفّز كلا التيارين – المعارض لروسيا والمعارض لأميركا – في الرأي العام الأوروبي على التوحد والمطالبة بأوروبا أقوى وأكثر استعداداً.
قالت مارلين ويند، الأستاذة ومديرة مركز السياسة الأوروبية في جامعة كوبنهاغن: "ما نشهده الآن هو تقارب الجميع داخل الاتحاد الأوروبي. لكن ترامب لا يريد أوروبا موحدة، بل يريد أوروبا منقسمة. لذا، فهذا بمثابة خطأ فادح".
وأضافت ويند: "لقد تعلمنا أنه ينبغي لنا ألّا نغامر بالوقوع في تبعية الولايات المتحدة مرة أخرى. فماذا لو ظهر ترامب جديد في المستقبل؟" وأوضحت: "لن نسمح بأن تكون بنيتنا التحتية لتكنولوجيا المعلومات وأسلحتنا وأمننا مرتبطة بشخص يكره الاتحاد الأوروبي وأوروبا بشكل واضح للغاية."
تتزايد الدعوات إلى الاستقلال الاستراتيجي من جميع الجهات. قبل أسبوع، ردّ العميد الألماني فرانك بايبر على غارة واشنطن على فنزويلا بنشر تغريدة على الإنترنت قال فيها: "لم يعد بإمكان ألمانيا وأوروبا الاعتماد بشكل موثوق على الولايات المتحدة ومظلتها النووية. الخلاصة: ألمانيا بحاجة إلى أسلحتها النووية الخاصة."
بالطبع، لا يمكن لأوروبا التوقف عن الاعتماد على الولايات المتحدة بين عشية وضحاها. فالطيارون يُدرَّبون على قيادة طائرات لوكهيد مارتن، وشركة بالانتير تُزوّد أوروبا بتقنيات المراقبة، وتتطلب مناورات الناتو المشتركة أنظمة متكاملة تعتمد على التكنولوجيا الأميركية. بعبارة أخرى، أوروبا مُنخرطة بالفعل في منظومة الصناعات العسكرية الأميركية، والخروج منها يتطلب أكثر بكثير من مجرد الانتقال من أبل إلى نوكيا.
لكن هذا لا يعني أن أوروبا لن تبذل قصارى جهدها. يقول نيسن: "هذا الخريف، أنفقت الدنمارك أكبر مبلغ عسكري في تاريخها، 58 مليار كرونة (9 مليارات دولار)، على نظام دفاع جوي أرضي جديد. لقد اختاروا حلاً أوروبياً. لم يكن لدينا نظام دفاع جوي منذ عام 2004، لذا لم يكن هناك تأثير التقييد كما هي الحال مع طائرات إف-35. لذلك، عندما نشتري شيئاً جديداً ليس أميركياً، فهذا أيضاً بمثابة إعلان للمستقبل، بأننا نلتزم بالحلول الأوروبية."
لن يكون انتقال أوروبا سهلاً، لكن قادة القارة يرون الآن أنه ضروري. بالنسبة لنيسن، "إنه مسار متناقض. فمن جهة، هناك الترابط الهيكلي والصعوبة البالغة التي ستواجهها عملية قطعه، ومن جهة أخرى، لا بد من القيام بذلك، لأنه ليس حلاً طويل الأمد عدم القيام به."
وأشار نيسن إلى أن الانفصال التدريجي عن صناعة الدفاع الأميركية سيضر بالولايات المتحدة. فقد زادت الدول الأوروبية إنفاقها الدفاعي خلال السنوات القليلة الماضية، متأثرة بغزو روسيا لأوكرانيا وتهديدات ترامب المستمرة بمعاقبة الدول التي لا تلتزم بالإنفاق المطلوب من حلف الناتو. وذهب معظم هذا المال مباشرةً إلى مورّدي الأسلحة الأميركيين. ووفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، "للمرة الأولى منذ عقدين، ذهبت الحصة الأكبر من صادرات الأسلحة الأميركية في الفترة 2020-2024 إلى أوروبا". وهذا يعني، بحسب نيسن، أنه "سيكون هناك الكثير من جماعات الضغط الغاضبة من صناعة الدفاع إذا أوقفت أوروبا الواردات."
بينما تستعد أوروبا لتحول طويل الأمد في علاقتها مع واشنطن، لا يزال قادتها يسعون لتخفيف حدة التوترات.
قدّم ترامب العديد من الأسباب المتناقضة وغير المتماسكة لرغبته في ضم غرينلاند. وفي اجتماعه مع روبيو، حاول راسموسن معالجة أحدث هذه الأسباب، وهي المخاوف المزعومة من سيطرة روسيا أو الصين على الجزيرة. وفي مؤتمر صحافي لاحق، أوضح راسموسن أنه وزملاءه سلّطوا الضوء على استثمارات الدنمارك في الدفاع عن القطب الشمالي، وشرحوا أن الولايات المتحدة قد تستثمر وتُقيم قواعد عسكرية في غرينلاند، مشيراً إلى أن عدد قواتها في الجزيرة قد خُفّض بالفعل على مرّ السنوات. كما أشار إلى أنه لم تُرصد أي سفينة حربية صينية بالقرب من غرينلاند منذ عقد من الزمان.
وفي حديثه مع الصحافيين الدنماركيين بعد المؤتمر، أضاف راسموسن نقطة أخرى، قال إن ترامب كان يرغب سابقاً في امتلاك قناة بنما، لكنه يبدو أنه تخلى عن هذا الهوس الآن. وأوضح راسموسن أنه إذا استطاعت أوروبا إشغاله لفترة كافية، فقد ينسى أيضاً أمر غرينلاند.
التغيير في أوروبا حقيقي؛ فالقوات الأوروبية لا تزال في طريقها إلى غرينلاند، لكن يبدو أن القادة الأوروبيين لم يتخلوا تماماً عن استراتيجية الترقب والانتظار.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.