"فورين أفيرز": عالم بلا قواعد

ما عواقب اعتداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب على القانون الدولي؟

  • البحث بين الأنقاض بعد الضربات الأميركية على فنزويلا
    البحث بين الأنقاض بعد الضربات الأميركية على فنزويلا

مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تنشر مقالاً يتناول تفكّك النظام القانوني الدولي القائم على القواعد في ظل سياسات إدارة دونالد ترامب، ويرى أنّ الولايات المتحدة، بوصفها القوة التي أسهمت تاريخياً في تأسيس هذا النظام بعد الحرب العالمية الثانية، باتت اليوم تقوّضه من الداخل.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

منذ بداية رئاسته الأولى، هدّد دونالد ترامب بزعزعة استقرار النظام القانوني الدولي. وفي مطلع ولايته الثانية، زعم أنّه سيستعيد قناة بنما، ويجعل كندا الولاية الأميركية الحادية والخمسين، وسيستحوذ على جزيرة غرينلاند، ويسيطر على غزة. وقد هزّ خبراء السياسة الخارجية رؤوسهم، متردّدين في أخذ ترامب على محمل الجد، إذ بدت تصريحاته في نهاية المطاف متضاربة وغير مدروسة. ومع ذلك، فإنّ مجرّد التلفّظ بهذه الكلمات كان له أثره، كما أوضحنا في حينه في مجلة "فورين أفيرز".

في الصيف الماضي، عكست تهديدات ترامب افتقاراً مقلقاً إلى الالتزام بالبنية القانونية التي أنشأتها الولايات المتحدة وحلفاؤها قبل 80 عاماً. وكانت القاعدة المناهضة لاستخدام القوة، المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، تعاني بالفعل من ضغوط، لكن تجاهل ترامب الصريح لهذا الحظر هدّد بانهيارها. وكان ذلك قبل أن تغزو الولايات المتحدة فنزويلا وتختطف رئيسها نيكولاس مادورو في يوم الثالث من الشهر الجاري.

وقد مثّلت هذه العملية العسكرية، التي نُفِّذت من دون تفويض من مجلس الأمن الدولي، ومن دون تفويض من الكونغرس الأميركي، ومن دون ادّعاء الدفاع عن النفس، ومن دون أي مبرّر قانوني معقول، الأخطرَ حتى الآن من حيث كونها هجوماً على النظام القائم على القواعد. وليس النظام القانوني الدولي القائم وحده هو المُهدَّد الآن، بل إنّ بقاء أي قواعد من الأساس، وما يترتّب عليها من قيود على ممارسة سلطة الدولة، أصبح هو الآخر مُهدَّداً.

صعود  النظام العالمي وسقوطه

قبل أن تتخلّى الدول عن حقّها في الحرب، أولاً في ميثاق "كيلوغ–برياند" عام 1928، ثم في ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، كانت الحرب مشروعة قانونياً بالكامل، وتُشنّ ضمن إطار القانون. كما كانت الوسيلة الرئيسة التي تحلّ بها الدول نزاعاتها فيما بينها. ومع ذلك، حتى في ذلك الوقت، كانت الحرب مقيّدة بالقانون، وتُفهم على أنّها الملاذ الأخير الذي يُلجأ إليه لإنفاذ حقوق الدولة أو الدفاع عنها. ولم يكن يُسمح بالقتل والاستيلاء على الممتلكات والتدمير إلا إذا كان القانون يبرّر ذلك.

في مطلع القرن الماضي، وقرون عدة قبل ذلك، لم يكن بوسع أي دولة أن تدّعي ببساطة رغبتها في الاستيلاء على أرض دولة أخرى. فبحسب القانون الدولي العرفي، كما فسّره ونشره هوغو غروتيوس، الملقّب بأبي القانون الدولي، في مطلع القرن السابع عشر، كان على الدولة تقديم مبرّر قانوني قبل خوض الحرب. كان العنف مقبولاً، ولكن فقط إذا كان ضرورياً لاسترداد حقّ قانوني. وكان على السياديين أن يثبتوا أنّ دولة أخرى قد تخلّفت عن سداد دين، أو تدخّلت بشكل غير مقبول في العلاقات التجارية، أو انتهكت التزاماً بمعاهدة، أو ارتكبت خطأً آخر يُعدّ سبباً مقبولاً للحرب.

وقد حظيت هذه الممارسة بموافقة قانونية رسمية من الدول التي وقّعت على "صلح وستفاليا" عام 1648، حين أقرّت بأنّ من يخوض الحرب يجب أن يقدّم "أسباباً قانونية". وقد أخذ المسؤولون هذا الالتزام على محمل الجد، فكانوا يُصدرون دائماً بيانات حربية لتوضيح أسباب دخولهم النزاع فور اندلاع القتال. وفعلوا ذلك انطلاقاً من فهمهم أنّه من دون مثل هذه المزاعم، لا يكون العنف حرباً، بل جريمة قتل واعتداءً وخطفاً وسرقة.

على مدى العقود الثمانية الماضية، حُدِّدت المبرّرات المشروعة للحرب بدقّة أكبر. يقوم النظام الدولي الحالي على أساس أنّ استخدام القوة من قبل دولة ضد أخرى محظور، بل يُعدّ جريمة، إلا إذا تم دفاعاً عن النفس، أو بتفويض جماعي من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ولا تُعدّ الحرب أداةً سياسيةً اختيارية، ولا يمنح الاستخدام غير المشروع للقوة مرتكبه أي حقوق قانونية. فبينما كان غزو الأراضي كافياً في السابق لاكتساب ملكيتها، إذا استولت دولة اليوم على أراضي دولة أخرى باستخدام القوة على نحو غير قانوني، فإنّ بقية العالم مُلزَمة بعدم الاعتراف بمطالبها بالسيادة على تلك الأراضي.

ومع ذلك، انتهكت هذه القواعد، وأحياناً بشكل خطير. وحتى الدول التي انتهكتها قدّمت مبرّرات قانونية، إدراكاً منها أنّ الدول الأخرى ومواطنيها يعتقدون أنّ قتل الناس والاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم يتطلّب مبرّراً، لا مجرّد القوة. غير أنّ إدارة ترامب لا تؤمن بهذا النظام، وتسعى إلى العمل خارجه. وعلى مدار العام الماضي، دأبت على مهاجمة وتفكيك البنية القانونية للنظام القائم؛ فهي تعاقب القضاة والمحامين العاملين في المحكمة الجنائية الدولية لمنع ملاحقة الجرائم، وتقيم حواجز تجارية، وتنتهك اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، وتتراجع عن مبدأ التجارة الحرة الذي شكّل ركيزةً للاستقرار العالمي.

كذلك، تتخلّف الولايات المتحدة عن سداد التزاماتها تجاه الأمم المتحدة، وتنسحب من معاهدات لا حصر لها أو تنتهكها. وتُهدّد علناً دولاً وأقاليم ذات سيادة—فنزويلا اليوم، وكولومبيا، وكوبا، وغرينلاند، والمكسيك غداً—بإجراءات "قانونية" غير مُفوَّضة من مجلس الأمن الدولي، بل باستخدام القوة والإكراه الأحاديَّين غير القانونيَّين. ولأنّ العديد من الدول تعتمد على الولايات المتحدة في دفاعها أو استقرارها الاقتصادي، أو كليهما، فقد وقفت جميعها تقريباً، باستثناء قلّة قليلة، تتفرّج على هذا الدمار فحسب.

لا مزيد من القواعد

سيكون من السيئ بما فيه الكفاية العودة إلى النظام الدولي ما قبل الحرب العالمية الثانية، حيث انخرطت الدول في النهب والغزو علناً ومن دون أي اعتذار. لقد كان زمناً شنّ فيه القادة حروباً استناداً إلى انتهاك طيف واسع من الحقوق القانونية، وعانى فيه الناس من عواقب العنف الواسع النطاق الذي أعقب ذلك. لكن ما قد يخبّئه المستقبل قد يكون أسوأ.

وبينما يواجه العالم حالة من عدم الاستقرار العميق، قد يلجأ القادة أحياناً إلى قواعد ما بعد الحرب، لكنهم قد يتجاهلونها بشكل متزايد، تبعاً لما يخدم مصالحهم. وهذا ينذر بصراع لا هوادة فيه، حيث ستبقى الدول في حيرة بشأن ماهية القواعد، وبالتالي غير متأكدة من كيفية تجنّب إثارة العنف. وإلى أن تترسّخ مجموعة واضحة من القواعد، سيظلّ العالم مكاناً شديد الخطورة.

وثمّة احتمالٌ على المدى البعيد يتمثّل في عالم لم تعد فيه الدول ممنوعة من اللجوء إلى القوة، وتتصرّف فيه قوة عظمى واحدة على الأقل كما لو لم تكن هناك قواعد إطلاقاً. وفي هذا العالم، لن تكون القواعد غير قابلة للتكهّن فحسب، بل ستعتمد كلياً على دوافع من يمتلك القوة القسرية الأكبر في لحظة معيّنة.

والأمر المقلق هو أنّ إدارة ترامب تبدو وكأنّها تمهّد الطريق لمثل هذا العالم. ففي اليوم التالي لاختطاف الولايات المتحدة الرئيس مادورو وزوجته من فنزويلا، أوضح ستيفن ميلر، كبير مساعدي ترامب، منطق الإدارة قائلاً: "نحن نعيش في العالم الحقيقي، الذي تحكمه القوة، والسلطة هي القوة، وهي القوانين الثابتة للعالم منذ الأزل". ولم يقدّم ميلر، ولا أي شخص آخر في الإدارة، أي مبرّر قانوني حقيقي لشنّ هجوم عسكري على فنزويلا، وهي عملية أسفرت عن مقتل 75 شخصاً على الأقل.

كما لم يكن هناك أي مبرّر قانوني للخطة التي أعلن فيها ترامب، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الاستيلاء على "ما بين 30 و50 مليون برميل" من النفط الفنزويلي. كذلك شاركت وزارة الخارجية صورة للرئيس الأميركي تحمل عبارة "هذا نصف الكرة الأرضية الخاص بنا"، ووصف ترامب نفسه في منشور على الإنترنت بأنّه "رئيس فنزويلا بالنيابة".

وقد بدأت الإدارة الأميركية الآن بتوجيه أنظارها نحو جزيرة غرينلاند. فقد صدر عن البيت الأبيض، بعد أيام من خطف مادورو، أنّ الولايات المتحدة "بحاجة" إلى غرينلاند، وأنّ الاستحواذ على الجزيرة يمثّل "أولوية للأمن القومي".

مع ذلك، فإنّ ما يثير القلق بشأن أقوال وأفعال إدارة ترامب ليس مجرّد انتهاكها للقانون، وهو أمر وارد بالفعل؛ فالتدخّل في فنزويلا يُعدّ انتهاكاً صريحاً لميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدام القوة. بل إنّ الأمر يتجاوز ذلك، إذ يبدو أنّ المسؤولين الأميركيين تجاهلوا فكرة القيود القانونية تماماً. والقيد الوحيد، كما صرّح ترامب في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز" الأسبوع الماضي، هو "أخلاقه الشخصية".

لا يوجد أي مبرّر حقيقي لسلوك الحكومة، ولا تقدّم حتى في الظاهر أي محاولة للإقناع، عندما تُعلَن سياسة ما في منشور على الإنترنت من دون أي تفسير أو تبرير، بما يكشف أنّ واضعيها لا يرون أي داعٍ لتغطيتها حتى بالكذب. وقد يصمد نظام القواعد أمام بعض النفاق، لكن العدمية كفيلة بإسقاطه. وفي الوقت ذاته، تتصرّف إدارة ترامب وكأنّ التهديد باستخدام القوة أو استخدامها وحده يمنحها حقوقاً قانونية. لقد عادت دبلوماسية القوة، التي رُفضت بشدّة عندما حُظرت الحرب.

تستخدم الولايات المتحدة الحصار النفطي، والاستيلاء القسري، والتهديدات العسكرية لانتزاع تنازلات سياسية واقتصادية من الدول الأخرى. وهذه محاولة للتأكيد على أنّ القوة وحدها تخلق الحقوق، بغضّ النظر عن المنطق.

إنّ عالماً لا يشعر فيه الأقوياء بالحاجة إلى تبرير أفعالهم ليس مجرّد عالم ظالم، بل هو عالم همجي. فعمليات القتل والسرقة والتدمير لا صلة لها بأي ادّعاء بالحق. إنّه عالم لا يخضع لأي نظام قانوني على الإطلاق، بل تسوده القوة وحدها، التي تحرّكها أهواء رجل واحد.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.