"فورين أفيرز": الصين تمتلك ما تحتاجه أميركا

قمة الرئيس الأميركي والرئيس الصيني تمنح واشنطن فرصة لكسب الوقت.

  • حاويات شحن قادمة من الصين في ميناء أميركي
    حاويات شحن آتية من الصين في ميناء أميركي

مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تنشر مقالاً يناقش فشل محاولات واشنطن فك الارتباط الاقتصادي مع الصين، في ظل اعتمادها على مدخلات صناعية حيوية تهيمن بيجين على إنتاجها.

ويدعو الكاتب إلى دبلوماسية اقتصادية أكثر براغماتية، تقوم على استمرار التجارة والاستثمار مع الصين، بالتوازي مع تنويع سلاسل التوريد وتقوية التحالفات، بهدف كسب الوقت وتقليل نقاط الضعف الأميركية تدريجياً.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

دخلت إدارة ترامب قمّتها مع الزعيم الصيني شي جين بينغ في تشرين الأول/أكتوبر 2025 وهي تفيض ثقةً، مؤكدةً أنها تمتلك أوراق ضغط على الصين، باعتبارها الطرف الذي يسجّل عجزاً تجارياً في العلاقة الثنائية. وكما عبّر عن ذلك وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت: "ما الذي سنخسره إذا رفعت الصين الرسوم الجمركية علينا؟ فنحن نصدّر إليها خُمس ما تصدّره إلينا، وبالتالي فإن هذا الموقف يمثّل ورقة خاسرة بالنسبة إليها".

لكن سرعان ما تبيّن أن هذا التصور كان ضرباً من الحماقة. فكما أوضحتُ في مقال بمجلة "فورين أفيرز"، من السهل خسارة الحروب التجارية عندما تعتمد الدول على مُصدِّرٍ ما للحصول على مدخلات يصعب استبدالها، ومع ذلك تظل تنظر إلى التجارة باعتبارها لعبة "صفرية"؛ أي إن مكسب طرف هو خسارة للطرف الآخر.

وتتمتع الصين بـ"هيمنة التصعيد" في مواجهة الولايات المتحدة؛ وهذا يعني أنه، عند أي مستوى من مستويات التهديد، تمتلك الحكومة الصينية القدرة على إلحاق ضرر بالولايات المتحدة يفوق الضرر الذي يمكن أن تلحقه واشنطن بها. فعلى سبيل المثال، ومن أجل تخفيف قيود بيجين على عناصر الأرض النادرة، التي تتيح للصين السيطرة على ما يراوح بين 80 و90 في المئة من الإنتاج، اضطرت الولايات المتحدة إلى تقديم تنازلات بشأن الرسوم الجمركية، وضوابط التكنولوجيا، وسياسات التأشيرات، خلال جولات تفاوضية متعددة.

إن عجز واشنطن عن فك الارتباط الاقتصادي الفوري مع الصين، فضلاً عن انتزاع تنازلات منها عبر التلويح بالرسوم الجمركية، ينبغي ألّا يعني التخلي عن الدبلوماسية الاقتصادية. فعلى مرّ القرون، تمكّنت القوى الأقل نفوذاً في الاقتصاد العالمي، والخاضعة لهيمنة خصوم أقوى يمتلكون القدرة على فرض التصعيد، من إدارة علاقاتها مع هؤلاء الخصوم من خلال التفاوض وتجنّب المواجهة المباشرة. وفي الواقع، كان هذا هو المنظور الذي تبنّته الصين، وجميع الدول الأخرى تقريباً، تجاه علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة حتى وقت قريب، وهو ما كان يثير أحياناً استياء المسؤولين الأميركيين.

إنّ العلاقات الاقتصادية لا تقوم على مبدأ "الكل أو لا شيء"؛ إذ تتيح مجالاً لكل من المقاومة والتعاون، حتى وإن كان أحد الطرفين سيتكبد خسارة محققة في حال تحوّل الأمر إلى صراع مفتوح. ورغم انعدام الثقة الشديد والمنافسة الاستراتيجية بين البلدين، لا يتعيّن بالضرورة أن تكون العلاقة الاقتصادية الأميركية الصينية لعبة "صفرية"، أي إن مكسب طرف هو خسارة للطرف الآخر. فالمنافع المترتبة على التجارة والتنويع لا تزال كبيرة لكلا الاقتصادين، كما أن قدرة الصين على فرض التصعيد لن تحمي اقتصادها من الأضرار إذا ما أُجبرت على خوض صراع قائم على مبدأ "المعاملة بالمثل" مع واشنطن. والواقع أن بيجين، التي تشعر بالارتياح تجاه الوضع الراهن، ليست لديها مصلحة تُذكر في مثل هذا التصعيد.

وفي القمة المرتقبة بين الرئيس شي والرئيس دونالد ترامب، ينبغي للحكومة الأميركية تبنّي نهج مختلف في التعامل مع العلاقة الاقتصادية، من خلال السعي إلى زيادة واردات السلع الاستراتيجية الرئيسية وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر الآتي من الصين. وبالطبع، ينبغي أن يشكّل هذا جزءاً واحداً فقط من استراتيجية اقتصادية أوسع نطاقاً؛ إذ سيكون التعاون مع الحلفاء أمراً ضرورياً للدفع نحو تغييرات مستدامة في السلوك التجاري الصيني، وتنويع مصادر التوريد على المدى الطويل.

كما سيتطلب تحقيق النجاح الاستراتيجي طويل الأمد إجراء تقييم أكثر تعمقاً لأهداف الرئيس شي الاستراتيجية ونقاط الضعف لدى الصين. ومع ذلك، فإن هذا الاجتماع، وما قد يليه من اجتماعات، يمنح واشنطن فرصة قيّمة لكسب الوقت اللازم لمعالجة الاحتياجات الملحّة للبلاد.

البداية بتكوين المخزونات

على الرغم من مرور عقد من الزمن على التحذيرات من مخاطر الواردات والاستثمارات الصينية، سواء في عهد إدارة ترامب أم إدارة بايدن، فقد فشلت الحكومة الأميركية في فصل حتى أكثر الصناعات حساسية عن الصين بشكل فعلي وملموس. وكما أوضحت الخبيرتان الاقتصاديتان ماري لوفلي وكريستين وان، فإن انخفاض الواردات الأميركية المباشرة من الصين لم يؤدِّ إلا إلى جعل سلاسل التوريد أكثر تعقيداً وتشتتاً وأقل شفافية. إذ تظل الصين المصدر الرئيسي للمعادن الأرضية النادرة، والمغناطيسات المتخصصة، وأشباه الموصلات منخفضة التقنية المستخدمة في السيارات والأجهزة المنزلية، حتى وإن كانت مراحل الإنتاج الوسيطة تتم الآن في أماكن أخرى. وفي قطاع حيوي كالصناعات الدوائية، على سبيل المثال، قد تستورد الولايات المتحدة العديد من الأدوية الجنيسة (البديلة) من الهند، إلا أن الهند تعتمد بدورها على الصين للحصول على المواد الخام والمكونات اللازمة لإنتاجها.

وهذا الوضع يفسر تماماً سبب كون عملية "الفصل الصناعي" مهمة شاقة للغاية؛ إذ إن أسساً اقتصادية قوية هي التي أدت إلى نشوء هذه الترتيبات التجارية، كما أن تفكيكها عملية بطيئة ومكلفة. وفي الوقت الراهن، ينبغي أن تكون الأولوية القصوى لواشنطن هي تكوين مخزونات قصيرة الأجل من تلك السلع الاستراتيجية التي تأتي في نهاية المطاف من الصين.

وفي عالم مثالي، كان من الممكن أن تحصل الولايات المتحدة على هذه السلع من مصادر أخرى على الفور، غير أن إدارة ترامب، مثلها مثل إدارة بايدن قبلها، لم تحقق تقدماً ملموساً على هذا الصعيد. فقد حاولت كلتا الإدارتين، من دون نجاح، تحفيز إيجاد مصادر توريد بديلة من خلال منح وصول أوسع إلى السوق الأميركية أو تقديم تعويضات أخرى. وفي أسوأ السيناريوهات، وفي مسعى غير مدروس لخلق قدرات إنتاجية أميركية تلقائياً عبر سياسة "الحرمان"، حاولت كلتا الإدارتين إجبار الشركات الأميركية على الاستغناء عن المدخلات الصينية باستخدام الرسوم الجمركية والقيود التجارية.

وفي غضون ذلك، أهدر المسؤولون الأميركيون فرصاً في قمم ومفاوضات سابقة بمحاولتهم إقناع نظرائهم في بيجين بزيادة الواردات الصينية من سلع متنوعة غير استراتيجية، وهي سلع لا تضعها الصين في مقدمة أولوياتها. وقد يبرر المسؤولون الحاليون والسابقون هذه الجهود باعتبارها استراتيجية غير مباشرة، أو "ضربة ارتدادية"، لجعل الصين أكثر اعتماداً على السلع الأميركية واكتساب أوراق ضغط في المفاوضات المستقبلية.

إلا أن تصدير الطائرات التجارية وفول الصويا الأميركيين لا يعالج نقاط الضعف الأمنية الراهنة، ولا يعزز الأسس الاقتصادية الكلية للولايات المتحدة. بل إن هذا التركيز على تعزيز الصادرات قد يتيح للصين، إلى حد ما، الوقيعة بين الولايات المتحدة وحلفائها، على سبيل المثال من خلال دفعهم إلى إبرام صفقات ثنائية تقودها الحكومات لزيادة مبيعات طائرات "بوينغ" على حساب "إيرباص" أو العكس، بما يضعف قدرة واشنطن على تشكيل جبهة موحدة لمواجهة الإكراه الاقتصادي.

ينبغي لإدارة ترامب أن تتبنى نهجاً مختلفاً في القمة المرتقبة. ففي الاجتماع الذي عُقد في تشرين الأول/أكتوبر 2025 بين ترامب وشي، أبرمت الولايات المتحدة وبيجين اتفاقاً لخفض الرسوم الجمركية مؤقتاً مقابل تخفيف جزئي للقيود المفروضة على صادرات المواد الحيوية من الصين. ومن خلال ذلك، تخلّت الإدارة، في جوهرها، عن أي أهداف استراتيجية بمجرد أن تبيّنَ أن نبرة التهديد والوعيد التي تبنّتها لم تكن سوى ستار يخفي ضعفاً.

ومع اقتراب موعد انتهاء الاتفاقية في تشرين الثاني/نوفمبر، قد تميل واشنطن ببساطة إلى تجديد بنودها، غير أنه يتعين على إدارة ترامب السعي بدلاً من ذلك إلى التوصل إلى اتفاق أكثر طموحاً، يتضمن عقود شراء واسعة النطاق وممتدة لعدة سنوات للسلع الحيوية التي يتركز إنتاجها حالياً بشكل كبير في الصين، أو التي تُنتج مكوّناتها الأساسية في الصين لصالح سلاسل توريد في أماكن أخرى.

ويمكن للولايات المتحدة استخدام الضمانات الحكومية، بل وعمليات الشراء المباشر، لتكوين احتياطيات استراتيجية إلى حين ظهور مصادر بديلة محلية أو مصادر أخرى موثوقة لدى الحلفاء. وفي المقابل، ينبغي لها السماح للصين باستيراد كميات أكبر من بعض التقنيات المطلوبة التي لا تزال الولايات المتحدة تتمتع فيها بميزة الريادة.

الاستثمار في سبيل النجاح

منذ العصور القديمة، دأب الخصوم المحتملون على ممارسة شكل من أشكال تبادل الرهائن، إذ كانوا يرسلون النبلاء أو أفراد العائلات المالكة للعيش، وتحمّل المخاطر، في مراكز نفوذ الطرف الآخر. ورغم أن هذا الإجراء لم يكن رادعاً مطلقاً للصراع، فإنه شكّل عاملاً مثبطاً لشن الهجمات وأبطأ وتيرة التصعيد المتسرع. بل إن بعض الرهائن أدوا أدواراً مفيدة كمبعوثين، إذ عززوا التفاهم بين الجانبين من خلال الدبلوماسية العامة أو جمع المعلومات الاستخبارية أو كليهما.

ويُعد الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) الشكل الاقتصادي الحديث لتبادل الرهائن؛ إذ تؤسس الشركات الرائدة حضوراً لها في دول منافسة، ناقلةً بذلك التقنيات والممارسات الإدارية عبر الحدود. وعلى غرار نبلاء العصور القديمة، يحمل هذا الحضور قيمة رمزية، نظراً إلى أن هذه الشركات غالباً ما تكون وثيقة الصلة بالنخب في بلدانها الأصلية، كما أن هذه الممارسة تضع استثماراتها في موضع المخاطرة.

غير أن التدفقات المتبادلة للاستثمار الأجنبي المباشر في العصر الحديث تحقق أيضاً فوائد اقتصادية تفوق بكثير ما كان يوفره تبادل النبلاء الأفراد. إذ يرتبط الاستثمار الأجنبي المباشر، من الناحية الإحصائية، بخلق وظائف ذات أجور مجزية مقارنة بمتوسط الأجور المحلية، وزيادة الإنفاق المحلي على البحث والتطوير، وتقليل تقلبات الإمداد بفضل التنويع الجغرافي.

وقد شكّل هذا النوع من التبادل ركيزة أساسية في الاتفاقيات الاقتصادية المتعاقبة بين الولايات المتحدة وكل من أوروبا واليابان وكوريا، خلال الفترة الممتدة من ستينيات القرن الماضي حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهي الفترة التي حققت فيها تلك الدول مكاسب نسبية في القدرة التنافسية الصناعية مقارنة بالصناعة الأميركية.

وأسهم الاستثمار الأجنبي المباشر في الحد من فرض الرسوم الجمركية العقابية وقيود التصدير، سواء من خلال تقليل الحاجة إليها بصورة مباشرة، أم من خلال خلق قواعد سياسية لها مصلحة اقتصادية في التكامل.

كسب الوقت

مثّلت قمة العام الماضي صحوة قاسية لإدارة ترامب وللمتشددين تجاه الصين في كلا الحزبين الأميركيين، لكنها قدّمت درساً مفيداً: فالتهديدات الثنائية المتعلقة بالتجارة، أو السعي إلى استبعاد الصين من الاقتصاد الأميركي، لن تمنح الولايات المتحدة نصراً سهلاً عليها. فالولايات المتحدة بحاجة إلى وقت لتقليل اعتمادها على الصين، وكذلك على مصادر التوريد المركّزة الأخرى للمدخلات الصناعية الحيوية، وإعادة بناء التحالفات التي تجعل هذه البدائل خيارات عملية.

وقد فشلت محاولات إدارتي بايدن وترامب للانفصال أحادي الجانب عن الصين، وممارسة الضغوط على الحلفاء لتوفير بدائل، في تلبية هذه الاحتياجات. ولحسن الحظ، تشعر القيادة الصينية بأن الوقت يعمل لصالحها، بعدما تخلت واشنطن عن موقعها كقائد وضامن للاقتصاد العالمي. لذا، ينبغي استغلال القمة لطمأنة الصين وتحفيزها على الانخراط في علاقات تجارية تعود بالنفع المتبادل.

وتتمثل الخطوة الأولى في عودة الولايات المتحدة إلى أشكال الدبلوماسية الاقتصادية التي لطالما اتبعتها الدول التي اعتادت ألا تسير الأمور دائماً وفق رغباتها. لقد أسهمت الولايات المتحدة بالفعل في خلق جغرافيا اقتصادية جديدة، وعليها الآن أن تتصرف كما تصرفت تجاهها القوى الأقل شأناً طوال العقود الثمانية الماضية: من خلال السعي إلى اتفاقيات تحقق مكاسب للطرفين، والتفاوض بحذر في ظل وضع يتّسم بضعف نسبي، والاستخدام المتعمّد لما تبقى من ترابط اقتصادي لبناء القدرة على الصمود.

ويُظهر التاريخ أن الخصوم، حتى أولئك الذين يبدو الصراع بينهم حتمياً، يواصلون التبادل التجاري والاستثمار، بل وحتى التعاون فيما بينهم. ومن المرجّح أن يستمر هذا النمط في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، وربما لفترة أطول مما شهدته فترات سابقة من التنافس بين القوى العظمى، بفضل المزايا الجغرافية للمحيط الهادئ، والردع النووي، والتفوق التكنولوجي الأميركي المستمر في قطاعات متعددة.

كما أن المشكلات الاقتصادية والديمغرافية الداخلية التي تواجهها الصين تزيد من احتمال أن تكون لبيجين مصلحة في الحفاظ على سلام نسبي، بما في ذلك مواصلة التصدير إلى الولايات المتحدة والاستثمار فيها.

ولا توجد ضمانات بأن استعادة بعض جوانب الترابط الاقتصادي ستمنع الصين يوماً ما من قطع وصول الولايات المتحدة إلى السلع الحيوية أو إشعال صراع عسكري. كما أن الاعتماد على نهج ثنائي فقط لن يحقق المرونة الاقتصادية الأميركية بمفرده؛ إذ لا بد أيضاً من تضافر الجهود المحلية وجهود الحلفاء.

ومع ذلك، فإن استيراد السلع من الصين على نطاق واسع، وتصدير منتجات ذات قيمة، وتكوين مخزون من الإمدادات الحيوية، وتبادل "الرهائن التجاريين" في صورة استثمارات أجنبية مباشرة، كلها أمور من شأنها أن توفر الوقت اللازم والموارد الاقتصادية الإضافية لتعزيز قدرة أميركا على الصمود.

ويتعيّن على إدارة ترامب تجاوز نهج "الربح على حساب الخسارة" (المحصّلة الصفرية)، وما أعقبه من تحول نحو سياسة الاسترضاء القائم على المداهنة والاتفاقيات المجتزأة. فالدبلوماسية الاقتصادية الثنائية تبدأ حين تدرك الحكومة وجود ترابط متبادل بينها وبين خصم محتمل، لكن ينبغي ألا تتوقف عند هذا الحد.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.