"فورين أفيرز": الجمود مع إيران لا يمكن أن يستمر
الولايات المتحدة تحتاج إلى التوصل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب، وليس وقفاً لإطلاق النار فقط، بل أيضاً خطة لإبقاء الممرات المائية الحيوية مفتوحة.
-
مئات الآلاف يشاركون في أكبر مسيرة داعمة للحكومة الإيرانية منذ بدء الحرب
مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تنشر مقالاً يتناول خطر تحوّل الحرب المستمرة على إيران إلى أزمة طاقة واقتصاد عالمية، بعد أن بدأت آليات احتواء صدمة إغلاق مضيق هرمز تتآكل، ومع امتداد التهديد إلى مضيق باب المندب وخطوط أنابيب النفط السعودية.
ويرى الكاتب أن الطرق البديلة التي ساعدت دول الخليج على مواصلة تصدير الطاقة أصبحت هي الأخرى عرضة للهجمات، ما يهدد بمزيد من نقص الإمدادات وارتفاع أسعار النفط. ويدعو واشنطن إلى العودة إلى الدبلوماسية والتفاوض مع إيران لإنهاء الحرب وتأمين الممرات المائية والبنية التحتية للطاقة، بالتوازي مع دفع السعودية نحو تسوية منفصلة مع الحوثيين، معتبراً أن استمرار الحرب والضغط الاقتصادي قد يقود إلى نتائج أسوأ من التفاوض.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
خلال الأشهر الـ6 الماضية، استمرت الحرب ضد إيران بزعزعة أوضاع المنطقة بمستويات لا يمكن احتواؤها. فقد أُغلق مضيق هرمز أمام حركة العبور إلى حد كبير، أي قطع طريق نقل نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، ونسبة أعلى من ذلك من إمدادات النفط، ما أدى إلى ارتفاع التكلفة، ومعاناة عدد كبير من سكان العالم بسبب نقص موارد الطاقة.
مع ذلك حاولت الدول المحافظة على استقرار سوق الطاقة العالمية، حين امتنعت الولايات المتحدة وإيران عن المبالغة في الهجمات على بنية الطاقة الحيوية في منطقة الخليج. وظهر أن واشنطن وطهران قادرتان على تمديد شبه الجمود العسكري الحالي، والاكتفاء بتبادل الغارات الجوية والهجمات على ناقلات ومنشآت طاقة محدودة من وقت لآخر، دون أن يدفع ذلك العالم إلى كارثة اقتصادية.
لكن هذا الرهان لم يعد سارياً الآن، فقد اتسعت الحرب لتطاول البنية التحتية للطاقة في المنطقة، من ضمنها الطرق التي كان من المفترض أن تعوض عن الاختناق في مضيق هرمز، بينما أصبح منذ منتصف الشهر الجاري مضيق باب المندب في البحر الأحمر نقطة اختناق هو الآخر، وكان يعد البديل الرئيسي لشحن النفط والغاز عن مضيق هرمز وهو الآن تحت سيطرة الحوثيين.
في الوقت ذاته، قامت طائرة مسيرة أطلقتها جماعة من حلفاء إيران في العراق، بضرب خط الأنابيب الشرقي _ الغربي، كانت قد حولت عبره السعودية عبره قسماً كبيراً من صادراتها النفطية. وأدى الهجوم إلى تعطيل الخط مؤقتاً. لكن، سعر النفط قفز من نحو 70 دولاراً في الشهر الماضي، إلى 110 دولارات للبرميل بداية الشهر الجاري. وإذا كانت هذه إشارة إلى أن بقية البنية التحتية للطاقة في المنطقة لم تعد محصنة ضد الهجمات العسكرية، فسيؤدي ذلك إلى مزيد من انقطاع الإمدادات، ويدفع أسعار النفط بسهولة إلى 150 أو حتى 200 دولار للبرميل.
كذلك، تصاعد القتال بين السعودية والحوثيين أصبح خطراً قوياً منذ أن شن الحوثيون هجمات على مدينتي الرياض وينبع السعوديتين في الأسبوع الماضي، ما أضاف ضغطاً تصاعدياً على الأسعار، وإذا استمر ذلك، فإن أزمة الطاقة التي ستغرق العالم في ركود ليست بعيدة. فالمطلوب الآن من واشنطن أن تجد مخرجاً من هذا الوضع الذي لا يمكن تحمله، بينما خلال 6 أشهر من التناوب بين الهجمات العسكرية والإكراه الاقتصادي، لم تستطع أن ترغم طهران وحلفاءها على تقديم تنازلات، ولا يوجد سبب لتوقع أن هذه الاستراتيجيات الأميركية ناهيك بتهديد ترامب بـ"إبادة" إيران في خطابه أمام الأمم المتحدة هذا الأسبوع، ستجبر طهران على التراجع اليوم. كما لن يكون ممكناً للولايات المتحدة وحلفائها حماية البنية التحتية للطاقة والشحنات بشكل لا نهائي من تهديد ضربات إيران وحلفائها "المعادين" الآخرين.
والخيار الأقل سوءاً هو العودة إلى الدبلوماسية. فالولايات المتحدة تحتاج إلى التوصل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب، وليس وقفاً لإطلاق النار فقط، بل أيضاً خطة لإبقاء الممرات المائية الحيوية مفتوحة، وتدابير تحمل طهران على الامتثال لشروطه. ويجب على واشنطن أيضاً تشجيع السعودية على السعي إلى تسوية مماثلة مع الحوثيين. وسيتطلب التوسط في هذه الهدن تنازلات مؤلمة من كل من واشنطن والرياض، لكن مواصلة خوض هذه الحرب ستؤدي إلى كارثة اقتصادية، وستكون تلك أكثر إيلاماً بكثير.
امتصاص الصدمات
في بداية الحرب على إيران، كان العديد من الاقتصاديين والمحللين يخشون أن يؤدي الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى أزمة طاقة حادة وركود اقتصادي، أو ما هو أسوأ. ولقد كانت مخاوفهم منطقية. فقبل بدء الصراع، كان يمر عبر المضيق ما يقرب من 20 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة يومياً، إلى جانب ما يقرب من خمس الغاز الطبيعي المسال العالمي المتداول. وبحلول الشهر الماضي، كانت صادرات الطاقة تصل إلى نحو نصف مستوياتها قبل الحرب. في بعض الأيام، كانت أقل من عشر سفن تعبر المضيق وهو أقل بكثير من زمن السلم، عندما كانت تمر بين 130 و150 سفينة تجارية يومياً.
ومع ذلك، أثبت نظام الطاقة العالمي قدرته بشكل ظاهر على التكيف مع ما وصفته الوكالة الدولية للطاقة بأنه "أشد صدمة إمدادات نفط في التاريخ"، حيث ارتفعت أسعار النفط من أكثر من 70 دولاراً للبرميل قبل الحرب إلى أكثر من 125 في نيسان/ أبريل الماضي، لكنها انخفضت مرة أخرى وتأرجحت بين 80 و90 دولاراً للبرميل حتى بداية هذا الشهر.
وما ساهم بالحفاظ على استقرار الأسعار نسبياً كان زيادة إنتاج النفط خارج دول الخليج، بإضافة الولايات المتحدة والأرجنتين والبرازيل وكندا وغيانا معاً ما يقدر ب 1.4 مليون برميل يومياً، وهذا حل كبديل جزئي وبسيط فقط من الإمدادات المفقودة من الخليج، لكن كل برميل كان له أهمية في أسواق تعاني. كذلك، ساعدت موافقة الدول الأعضاء ال 32 في الوكالة الدولية على إطلاق 400 مليون برميل من احتياطيات الطوارئ، وهو أكبر سحب منسق في تاريخ الوكالة، وأكثر من ضعف الرقم القياسي السابق الذي بلغ ما يقرب من 183 مليون برميل في عام 2022 وسط الحرب في أوكرانيا.
كما انخفض الطلب، خاصة في آسيا، نتيجة استجابة المستهلكين لارتفاع الأسعار. كما أن الصين كأكبر مستورد للنفط الخام في العالم، قامت بخطوات منسقة أدت إلى خفض وارداتها النفطية من أكثر من 11 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى نحو 7 ملايين في الشهر الماضي. فقد استفادت بيجين من مخزونها النفطي البالغ 1.4 مليار برميل، وقللت المصافي الصينية من كميات النفط الخام التي تعالجها، كما فرضت الحكومة قيوداً على صادرات الوقود للحفاظ على المزيد من البنزين والديزل داخل البلاد.
محلل الطاقة خافيير بلاس يقول إن الصين تحركت بشكل متزايد بمساحة "المستورد المتأرجح"، من خلال الانسحاب من السوق عندما ارتفعت الأسعار، وتركت براميل النفط لمشترين آخرين ما أسهم في منع ارتفاعات الأسعار بحدة. فبعد الصدمة الأولية للحرب، وجد منتجو الخليج طرقاً لتجاوز مضيق هرمز وتصدير بعض نفطهم، مثل الإمارات التي استخدمت خط أنابيب يربط حقولها الداخلية بمدينة الفجيرة، وهي مدينة تقع خلف مضيق هرمز، كما اعتمدت السعودية على خط أنابيب الشرقي _ الغربي الذي ينقل النفط الخام من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وكان خلال معظم فترة الحرب ينقل بين 4 و5 ملايين برميل يومياً، ما جعله أهم طريق تصدير بديل.
كذلك، حافظ ضبط النفس بين الأطراف المتحاربة في الحرب على مستوى الاضطراب في أسواق الطاقة أقل بكثير مما كان يمكن أن يكون، مع أنه هناك بعض الحوادث المهمة، حين هاجمت "إسرائيل" حقل الغاز الإيراني في جنوب بارس في آذار/ مارس الماضي، وبعدها قُصفت مصفاة رأس لفان القطرية، ما أدى إلى تعطيل نحو 17 في المئة من قدرة قطر على تصدير الغاز الطبيعي المسال. وقد يستغرق الأمر سنوات حتى يعود الموقع يعمل بشكل كامل مرة أخرى. لكن هذه الهجمات كانت استثناءات. على الرغم من أن أكثر من 80 منشأة طاقة في المنطقة قد تعرضت للإصابة، من ضمنها ميناء رأس تنورة في السعودية، ومصفاة سترة في البحرين، وعدة مصافي كويتية، ومجمع الغاز حبشان ومرافق تصدير الفجيرة في الإمارات، إلا أن معظم البنية التحتية للمنطقة بقيت سليمة وعملية.
كل ذلك لم يكن مصادفة. فلقد تجنبت إيران و"إسرائيل" والولايات المتحدة إلى حد كبير الهجمات على أكبر حقول النفط في المنطقة، ومصانع المعالجة، وخطوط الأنابيب، ومحطات التصدير لأن جميعها كانت تملك سبباً لذلك، نظراً إلى صعوبة الدفاع ضد الطائرات من دون طيار والصواريخ والقنابل، حيث من المرجح أن تنجح الهجمات الواسعة النطاق على البنية التحتية الحيوية وتؤدي إلى ردود فعل مماثلة، ما يترك الجميع في وضع أسوأ.
واشنطن الآن تحت ضغط من الحكومات العربية القلقة التي كانت تخشى مثل هذا التصعيد، وهي تخشى تنفيذ هجمات ضخمة على منشآت إيران النفطية والغاز التي هددها ترامب في مناسبات متعددة، وضغطت على "إسرائيل" لإظهار ضبط نفس مماثل. أما طهران، فقد رفضت ضرب منشآت الطاقة الضعيفة لجيرانها، لأنها كانت تعلم أن منشآتها النفطية والغاز الخاصة، وهي آخر محرك يدفع الاقتصاد الإيراني، كانت ستواجه المصير نفسه.
انهيار الوسائد الواقية
اليوم، تتعثر الآليات التي احتوت صدمة الطاقة الأولية. فالاستقرار النسبي لأسواق الطاقة كان نتاج عدة تعديلات استثنائية، وليس دليلاً على أن نظام الطاقة قادر على تحمل حرب تواصل إخراج البنية التحتية من الخدمة بشكل لا نهائي. فلقد استخدمت الدول بالفعل أسرع الأدوات المتاحة وأقلها ضرراً اقتصادياً لتحقيق استقرار أسعار النفط والغاز. والآن، بعد أن أصبح الإنتاج سهل التعبئة قيد التشغيل، ومسارات العبور البديلة تعمل بالفعل، والمخزونات آخذة في النفاد، لم يبق لديها سوى القليل من الخيارات الجيدة.
سيستمر إنتاج النفط والغاز خارج الخليج في النمو، لكن ببطء. وسيتطلب أي زيادة أخرى في الإمدادات مزيداً من الحفر والاستثمار في خطوط أنابيب جديدة وبنية تحتية أخرى يستغرق تطويرها سنوات. وفي غضون ذلك، تتركز معظم الطاقة الإنتاجية الاحتياطية المتاحة بسهولة في العالم في الخليج، لكن لن يتمكن المصدرون في المستقبل المنظور من إيجاد طرق، ومن غير المرجح أن تسهم روسيا كثيراً هي الأخرى في الحل، لأنها أوقفت صادرات معظم المنتجات المكررة، بسبب تعرّض بنيتها التحتية للطاقة لهجمات في حربها مع أوكرانيا.
كما أن مزيداً من خفض الطلب ممكن أيضاً، لكن بتكلفة اقتصادية متصاعدة. وبالفعل، لقد وفرت الصين ودول مستوردة أخرى الوقود بالفعل، وخفضت عمليات التكرير، واستبدلت مصادر طاقة بأخرى، وأفرجت عن احتياطيات، واستوعبت الأسعار الأعلى. لكن خفض استهلاك النفط والغاز أكثر من ذلك كثيراً، من المرجح أن يؤدي إلى إغلاق المصانع، واضطرابات في النقل، وتراجع في النشاط الاقتصادي العام، في وقت وصلت فيه المخزونات الطوارئ إلى مستويات منخفضة بشكل خطير. فهذه الاحتياطيات مصممة لسد الانقطاعات المؤقتة، لا لتعويض خسائر الإنتاج المستمرة. وقد انخفض احتياطي النفط الاستراتيجي الأميركي بالفعل إلى ما دون 300 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ ثمانينيات القرن الماضي.
بشكل عام، تعرضت الطرق البديلة التي كانت دول الخليج تستخدمها لتصدير النفط الآن لهجوم. وبعد ضرب خط أنابيب الشرقي- الغربي السعودي في الأسبوع الماضي، اضطرت الرياض إلى إغلاقه، ما أدى إلى إزالة ملايين البراميل من النفط يومياً، أي ما يصل إلى 4% من الإمدادات العالمية من الأسواق، بينما إعادة تشغيله بالكامل قد تستغرق أياماً، أو عدة أسابيع. وحتى لو أمكن إصلاح الضرر بسرعة، فيمكن دائماً مهاجمة خط الأنابيب مرة أخرى. إضافة إلى أن الحوثيين عززوا مواقعهم حول البحر الأحمر، وفي منتصف الشهر الجاري سيطروا على معظم الساحل الغربي لليمن، من ضمنها مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية والجزر داخل وحول مضيق باب المندب. كما كانت قد أعلنت الجماعة عن حصار على الشحنات السعودية في تموز/ يوليو الماضي، وهي الآن يمكنها فرض ذلك من خلال تهديد السفن بالطائرات من دون طيار والصواريخ والأسلحة قصيرة المدى. لم يعد مضيق باب المندب ولا مضيق هرمز آمنا للناقلات، خاصة تلك التي تحمل نفطاً سعودياً.
ومن دون الوسائل لتعويض فقدان كبير آخر في الإمدادات، فإن التصعيد الأخير للحرب وأي تصعيد مقبل، يخاطر بأزمة طاقة ذات عواقب بعيدة المدى، حيث سيعمم نقص الديزل، الذي يغذي النقل بالشاحنات، والزراعة، والبناء، والصناعة، ومعظم الشحن العالمي، بسرعة عبر الاقتصاد الأوسع، وانخفاض إمدادات الغاز الطبيعي المسال سيضغط على أسواق الكهرباء والتدفئة، خاصة مع اقتراب أوروبا من الشتاء مع مخزون غاز غير كافٍ. كذلك هو نقص الأسمدة سيرفع التكاليف الزراعية، ويهدد المحاصيل وعيش ثلاثة أرباع سكان العالم في دول تعتمد على واردات الطاقة. وكلما طال الوقت من دون إمدادات طاقة حيوية، ستقترب الأزمة تدريجياً من اقتصاداتها.
لن تُوزع الأعباء على نحو متساو. يمكن للدول الأغنى أن تتفوق على الدول الأفقر مقابل إمدادات محدودة، حيث تواجه العديد من الدول المعتمدة على الاستيراد بالفعل نقصاً وضغوطاً مالية، وخيارات صعبة بين خفض دعم الوقود والمخاطرة بالاضطرابات أو الحفاظ عليه وإضعاف المالية العامة أكثر، في حين تواجه البنوك المركزية في كل مكان تضخماً مرتفعاً نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، وزيادة أسعار الفائدة ستؤدي إلى إعاقة النمو، خاصة في الاقتصادات التي تكافح بالفعل للتعامل مع نقص الوقود، الذي يدفع الآن الاحتجاجات الشعبية في غواتيمالا وإندونيسيا والفلبين والبرتغال والعديد من الدول الأخرى. وإذا ازدادت الهجمات على البنية التحتية للطاقة، فقد يصبح الخوف المبكر من أن هذه الحرب الإقليمية ستؤدي إلى عدم استقرار عالمي حقيقة قائمة.
العودة إلى المفاوضات
إن تجنب أزمة اقتصادية شاملة يتطلب من الولايات المتحدة إعادة التفكير في استراتيجيتها، وهي تشن ضربات على أهداف عسكرية وبنية تحتية صناعية، وتمارس ضغوطاً اقتصادية على طهران من خلال العقوبات والحصار البحري منذ ما يقرب من 7 أشهر. ومع ذلك، لا تُظهر طهران أي علامات على الانهيار أو الاستسلام، وتبدو حكومتها مصممة على مواصلة القتال، بينما الولايات المتحدة وحلفاؤها تشعر أن التكاليف الاقتصادية والعسكرية للحرب لم تعد مقبولة، وحان الوقت لتنشيط استكشاف الدبلوماسية من جديد.
ولا ينبغي لواشنطن أن تحاول فقط إحياء مذكرة تفاهم تفاوضت عليها مع طهران في حزيران/ يونيو الماضي، والذي لم يفرض أي قيود على الجماعات المتحالفة مع إيران والتي تتدخل الآن في البنية التحتية للطاقة، كما لم يفرض قيوداً على قدرات إيران الصواريخ والطائرات المسيرة، وكان الاتفاق أيضاً يميل إلى صالح إيران، وقدم لطهران فوائد اقتصادية كبيرة، بما في ذلك الوصول إلى صندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار، وإنهاء العقوبات جميعها، والوصول الكامل إلى الأصول المجمدة، والتي يجب على الولايات المتحدة الاحتفاظ بها كورقة ضغط في المفاوضات للحد من أنشطة إيران النووية. وأفضل طريق للمضي قدماً هو البدء من جديد، أو على الأقل التفاوض على تعديلات شروط الاتفاق.
مهما كانت نقطة البداية، يجب أن تهدف الدبلوماسية المتجددة إلى وقف إطلاق نار يمتد ليشمل الهجمات على البنية التحتية للطاقة من قبل جميع الأطراف من ضمنهم التابعون للولايات المتحدة وشركاؤها العرب و"إسرائيل"، بالإضافة إلى إيران والحوثيين والجماعات المسلحة الأخرى التي تدعمها طهران في العراق وأماكن أخرى. ويجب على واشنطن أن تشترط وقف إطلاق النار على أن تلتزم إيران بعدم تغيير وضع قدراتها النووية، ولكن في الوقت نفسه ترسل إشارة إلى طهران بأن الرد العسكري الأميركي على أي تغيير من هذا النوع سيستهدف فقط المنشآت النووية. كما ستحصل إيران على درجة من تخفيف العقوبات التي سيُتفاوض عليها، وإعادة بعض الأصول المجمدة، وبعض المساعدات في إعادة الإعمار، طالما التزمت بشروط الاتفاق.
هذا سيخفف بعض الضغوط على تجارة الطاقة العالمية فوراً، وستنهي الولايات المتحدة حصارها على السفن الإيرانية، وستتوقف إيران عن زرع الألغام في مضيق هرمز وعن الهجمات على ناقلات النفط التي تستخدم المضيق. ومن الناحية المثالية، سيكون المفاوضون أيضا قادرين على وضع خطة لسلطة حاكمة متعددة الأطراف للإشراف وجمع الرسوم المعقولة للعبور عبر مضيق هرمز، وسيكون من الأفضل استئناف العبور الحر، لكن من المرجح أن يكون هيكل الرسوم أمراً لا مفر منه، نظراً لأن اتفاق حزيران/ يونيو أكد حق إيران في جمع الرسوم المالية. وأفضل نتيجة الآن ستكون نظاماً تشارك فيه جميع دول الخليج بدلاً من تأييد إدارة لإيران وعُمان تريدانها.
الاتفاق الأميركي - الإيراني وحده لن يزيل المخاطر كلها على نظام الطاقة الإقليمي. وعلى الأرجح لا تملك طهران نفوذاً كافياً على الحوثيين، لدفعهم إلى إنهاء نشاطهم العسكري ضد السعودية. لذلك، قد تحتاج الرياض إلى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار منفصل مع الحوثيين لتأمين بنية الطاقة التحتية بالكامل لديها، وهي مهمة شاقة، نظرا لأن نزاع السعودية مع الجماعة مرتبط بالحرب الأهلية اليمنية التي استمرت 12 عاماً، وأي اتفاق سيحتاج بالتأكيد إلى قبول مشاركة الحوثيين في السياسة اليمنية وتوفير فوائد اقتصادية للمجموعة، ربما تشمل حصة من عائدات النفط اليمنية، ما يستوجب على واشنطن دفع الرياض للتفاوض قبل أن يتصاعد صراعها مع الحوثيين أكثر ويرفع سعر الطاقة، أو يهدد استقرار السعودية نفسها.
ستستفيد الولايات المتحدة من إنهاء جميع الأعمال العدائية في الخليج، حيث ستنخفض أسعار الطاقة بسرعة، ما يخفف النقص والضغوط التضخمية، وسيمكن واشنطن من سحب الجزء الأكبر من قواتها من المنطقة، وإعادة بناء مخزون الذخائر، والبدء في استعادة جاهزيتها العسكرية، سيكون لدى إيران أيضاً ما تكسبه: لن تضطر بعد الآن للخوف من هجمات مدمرة على بنيتها التحتية للطاقة الخاصة، وستجني فوائد اقتصادية كبيرة من استئناف مبيعات النفط والغاز، ومن جمع رسوم العبور في المضيق ناهيك بتخفيف العقوبات، وإلغاء تجميد الأصول، ومساعدات إعادة الإعمار التي ستكون جزءاً من الاتفاق، بينما خطر التصعيد سيدمر البنية التحتية للطاقة في المنطقة سيغرق العالم في الركود.
وما إذا كانت فوائد وقف إطلاق النار ومخاطر استمرار القتال ستدفع كلاً من طهران وواشنطن للجلوس إلى طاولة النقاش يبقى سؤالاً منفصلاً. فكلاهما كان متردداً في صفقة من دون تحقيق نصر واضح. إضافة، قد يرى صناع القرار في طهران أي جهد أميركي جديد لإنهاء الحرب يشكل دليلاً على ضعف أميركا ويزيد من ثباتهم. ومع ذلك، فإن الحالة الخطيرة للاقتصاد الإيراني، مع نموه السلبي والتضخم المرتفع وانخفاض العملة، قد تجعل الطريق الدبلوماسي جذاباً لطهران، خاصة بين النخب التي قد تكون بالفعل قلقة بشأن استقرار الدولة. ولمساعدة الولايات المتحدة على دفع حسابات القادة الإيرانيين نحو السلام، يجب على واشنطن أن تعلن شروط أي اتفاق، وأن تبرز الفوائد التي ستعود ستحصل عليها إيران، ويجب عليها أيضاً أن تستقطب الصين في المساعدة على الضغط على إيران للتوصل إلى تسوية، وهو دور قد تكون بيجين مستعدة لتأديته لتقليل فرص التصعيد الذي يؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية، ويضر باقتصاد الصين أيضاً.
ولكي يكون لدى إدارة ترامب فرصة لتحقيق أي من ذلك، يجب أن تكون مستعدة أيضاً للتفاوض، ولا تخاف الحل الدبلوماسي في هذه المرحلة لأنه سيضعها عرضة لاتهامات بأنها دفعت تكلفة مرتفعة مقابل نتيجة تركت البلاد والمنطقة في وضع أسوأ، وإيران أفضل حالاً مما كان عليه قبل بدء واشنطن و"إسرائيل" الحرب عليها. فمثل هذا النقد سيكون عادلاً، فلا توجد طريقة لتبرير هذه الحرب، بعيداً عن تكاليفها الاقتصادية والبشرية الكبيرة، ولقد استنزف الصراع موارد الجيش الأميركي، وأثار التساؤلات حول قدرة واشنطن واستعدادها لحماية شركائها، ومن المرجح أن يمنح إيران ودولاً أخرى في المنطقة حوافز أكبر لتطوير أو اقتناء أسلحة نووية.
لكن الإدارة لم تترك لنفسها سوى بدائل جذابة قليلة إن وجدت. والاستمرار في القتال أو الضغط الاقتصادي على إيران من غير المرجح أن يؤدي إلى نتيجة أفضل من التفاوض. والحرب المستمرة من المرجح أن تؤدي إلى شيء أسوأ بكثير. قد يكون التفاوض له جوانب سياسية إيجابية لترامب، مع أنه من المتوقع حدوث بعض الانتقادات، لكن نهاية الحرب وانخفاض أسعار الطاقة سيقابلان براحة في الولايات المتحدة ومعظم أنحاء العالم، باستثناء ربما في بعض دول الشرق الأوسط، الذين عليهم الآن مواجهة إيران القوية.
كما يمكن تجاهل التكاليف طويلة الأمد للحرب لفترة، ويمكن تهميش الملف النووي والقضايا الشائكة الأخرى بهدوء للمفاوضات المستقبلية. ويمكن لترامب إقناع مؤيديه بأن الصفقة كانت نجاحاً باهراً، ويترك الأمر عند هذا الحد. ومع تجنب الكارثة الاقتصادية العالمية، سيتحول الاهتمام إلى مكان آخر. كما يقول المثل الشرق أوسطي، "الكلاب تنبح، والقافلة تمضي قدماً".
نقله إلى العربية: حسين قطايا.