"فايننشال تايمز": ترامب ينتقل من شعار "لا حروب جديدة" إلى تغيير النظام في إيران
من مارالاغو، تحدى الرئيس الأميركي منتقديه لشنّ أخطر تدخل عسكري في تاريخه.
-
"فايننشال تايمز": ترامب ينتقل من شعار "لا حروب جديدة" إلى تغيير النظام في إيران
تناولت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، وركزت على المفارقة بأن الرئيس الأميركي جاء للرئاسة بوعد بإنهاء تورط الولايات المتحدة في حروب لا تنتهي، وهو يخاطر اليوم بإشعال فتيل حرب إقليمية واسعة.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
أعلن دونالد ترامب الحرب الأميركية الجديدة ضد إيران من منتجعه مارالاغو في منتصف ليلة فلوريدا، واصفاً إياها بأنها "محاولة حاسمة لمواجهة طهران" بطريقة لم يسبق لأي رئيس أميركي أن فعلها منذ ما يقرب من نصف قرن.
قال ترامب في مقطع فيديو مدته ثماني دقائق على وسائل التواصل الاجتماعي إن "العملية الضخمة والمستمرة" تهدف إلى منع "هذه الديكتاتورية المتطرفة الشريرة من تهديد أميركا".
وادعى أن الهدف الأساسي هو القضاء على قدرة إيران على تطوير سلاح نووي وتطوير صواريخ بعيدة المدى. لكن ترامب أضاف أهدافاً أخرى أيضاً: تدمير البحرية الإيرانية، وتحييد وكلائها الإقليميين، وفي نهاية المطاف تغيير النظام.
وخلفه العلم الأميركي وشعار الرئاسة، وظل قبعته البيضاء يحجب جزءاً من وجهه، دعا ترامب الإيرانيين إلى إسقاط حكامهم، وأقرّ بأن بعض الجنود الأميركيين قد يلقون حتفهم في هذه العملية.
قال ترامب: "قد نتكبد خسائر، وهذا أمر شائع في الحروب، لكننا لا نفعل ذلك من أجل الوقت الحاضر، بل من أجل المستقبل".
بالنسبة للرئيس البالغ من العمر 79 عاماً، والذي خاض حملته الانتخابية بقوة على أساس إنهاء تورط الولايات المتحدة في "حروب لا تنتهي"، والذي ظل متشككاً لسنوات في طموحات أميركا لبناء الدولة، فإن الصراع الذي أشعله يوم السبت يُمثل أخطر مناورة عسكرية له حتى الآن.
يرى البيت الأبيض أن ترامب قادر على الإطاحة بنظام طهران دون زيادة زعزعة استقرار الشرق الأوسط، أو التسبب في تورط أميركي أعمق، كوجود قوات برية في إيران، أو الرد على المصالح الأميركية في المنطقة.
لكن هذا يعكس أيضاً استعداده المتزايد لشن عمليات عسكرية دامية في أنحاء العالم، من اليمن إلى نيجيريا وسوريا، ومؤخراً فنزويلا، وفي المياه الدولية ضد قوارب يُزعم أنها تُهرّب المخدرات في شرق المحيط الهادئ ومنطقة البحر الكاريبي.
في الأشهر الأخيرة، وجّه ترامب تهديدات متزايدة الحدة ضد كولومبيا والمكسيك، وطرح فكرة الاستيلاء العسكري على غرينلاند من الدنمارك، حليفة الناتو، قبل أن يتراجع بعد ردود فعل أوروبية غاضبة.
في الأشهر الأخيرة، وجّه ترامب تهديدات متزايدة الحدة ضد كولومبيا والمكسيك، وطرح فكرة الاستيلاء العسكري على غرينلاند من الدنمارك، حليفة الناتو، قبل أن يتراجع بعد ردود فعل أوروبية واسعة.
دعا ترامب أيضاً إلى زيادة بنسبة 50% في ميزانية الدفاع الأميركية السنوية البالغة تريليون دولار، متفاخراً في الوقت نفسه بالتدخلات الخارجية العديدة التي قام بها خلال ولايتيه الرئاسيتين حتى الآن.
وقال ترامب خلال خطابه عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس مساء الثلاثاء: "سأسعى إلى السلام حيثما أمكنني ذلك، لكنني لن أتردد أبداً في مواجهة التهديدات التي تواجه أميركا حيثما اقتضت الضرورة". وقد برر ترامب، بشكل استباقي، هجوماً محتملاً على إيران باتهام طهران بامتلاكها طموحات نووية "خبيثة".
"في هجومه على إيران، تشجع ترامب بالضربات الأميركية المحدودة التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي، والتي لم تُشعل فتيل الحرب الإقليمية الأوسع. لكن هذا الهجوم أشدّ وطأة".
ويأمل ترامب من خلال هذا الهجوم تحقيق هدف استراتيجي طالما سعت إليه الولايات المتحدة عبر إدارات رئاسية متعددة. فمنذ ثورة 1979، جرب الرؤساء أساليب مختلفة لكبح جماح الجمهورية الإسلامية، بدءاً من جولات متعددة من العقوبات، مروراً بتصنيف جورج دبليو بوش لطهران كجزء من "محور الشر"، وصولاً إلى الاتفاق النووي الذي أبرمه باراك أوباما، والذي نقضه ترامب خلال ولايته الأولى.
في هجومه على إيران، تشجع ترامب بالضربات الأميركية المحدودة التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في يونيو من العام الماضي، والتي لم تُشعل فتيل الحرب الإقليمية الأوسع التي كان يخشاها الكثيرون. لكن هذا الهجوم أشدّ وطأة، وقد سارع النظام الإسلامي، الذي يواجه تهديداً وجودياً، إلى إطلاق صواريخ على القواعد الأميركية في البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة والأردن والكويت.
مع بداية شهر كانون الثاني/يناير، راودت ترامب رغبةٌ في التدخل مجدداً لدعم الاحتجاجات الواسعة في شوارع طهران. كتب ترامب على موقع "Truth Social" في الساعات الأولى من صباح الثاني من يناير، وهو اليوم الذي داهمت فيه القوات الخاصة الأميركية فنزويلا للقبض على الرئيس نيكولاس مادورو: "نحن جاهزون تماماً للانطلاق".
في تلك المرحلة، تردد ترامب في شنّ هجوم، مفضلاً تعزيز القدرات العسكرية الأميركية في المنطقة بحاملتي طائرات وعشرات الطائرات والسفن الحربية، وبذل جهود دبلوماسية أخرى. كما واجه ضغوطاً من حلفاء الولايات المتحدة في الخليج وأوروبا، الذين دعوا إلى ضبط النفس.
لكن يوم الجمعة، أثناء زيارته لولاية تكساس في طريقه إلى فلوريدا، ومع عودة وزير الخارجية العماني إلى واشنطن في محاولة أخيرة لإيجاد حل دبلوماسي، أشار ترامب إلى نفاد صبره. وقال عن إيران: "أفضّل الحلّ السلمي، لكنهم شعب صعب المراس... شعب خطير".
"قد يؤدي اضطراب أسواق الطاقة العالمية إلى ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي".
يُشكّل الهجوم الجديد على إيران خطراً سياسياً داخلياً على ترامب. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي اضطراب أسواق الطاقة العالمية إلى ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي. قال ويليام جاكسون من شركة "كابيتال إيكونوميكس" في مذكرة يوم السبت: "من المحتمل أن تؤدي مجموعة محدودة من الضربات إلى ارتفاع أسعار النفط نحو 80 دولاراً للبرميل، في حين أن نزاعاً أطول يتسبب في اضطرابات في الإمدادات قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير - مع تأثير مادي على التضخم العالمي".
وقد أعربت بعض فئات قاعدة ترامب المؤيدة لسياسة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" عن استيائها من مغامراته العسكرية، بحجة أنها تُخالف تعهده بتجنب الصراعات الجديدة، وتُشتت انتباه البيت الأبيض عن معالجة القضايا الداخلية، مثل غلاء المعيشة. لا تزال آثار الحربين الأميركيتين الفاشلتين والمكلفتين والمطولتين في العراق وأفغانستان حاضرة في مختلف الأطياف السياسية.
وقالت روزماري كيلانيك، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز أبحاث "أولويات الدفاع" بواشنطن، فجر السبت: "بمهاجمته لإيران، يُعرّض الرئيس ترامب حياة الجنود الأميركيين للخطر في حرب لا داعي لها، انطلاقاً من اعتقاد خاطئ بأن دولة ضعيفة وبعيدة كإيران، عاجزة عن ضرب الأراضي الأميركية، تُشكّل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة".
وأظهر استطلاع رأي أجرته جامعة كوينيبياك الشهر الماضي أن 70% من الأميركيين لا يعتقدون بضرورة تدخل الولايات المتحدة عسكرياً لمساعدة المتظاهرين الإيرانيين، بينما أيّد 18% فقط شنّ ضربات عسكرية. ووفقاً للاستطلاع نفسه، قالت أغلبية كبيرة من الأميركيين إن ترامب بحاجة إلى الحصول على موافقة الكونغرس قبل شنّ أي عمليات عسكرية ضد أي دولة أخرى، وهو ما لم يفعله.
في حديثه لصحيفة "واشنطن بوست" هذا الأسبوع، تجاهل نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، المعروف بتشكيكه في التدخلات العسكرية، بعض هذه المخاوف.
وقال فانس: "أعتقد أنه يجب علينا تجنب تكرار أخطاء الماضي، كما أعتقد أنه يجب علينا تجنب الإفراط في استخلاص دروس الماضي. فمجرد أن رئيساً ما أخطأ في صراع عسكري لا يعني أننا لن نخوض صراعاً عسكرياً مرة أخرى".