"فايننشال تايمز": الاستجداء هو سياسة أوروبا الوحيدة في عهد ترامب
كلمتان تلخصان الآن السياسة الأوروبية تجاه الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب: التوسل الاستراتيجي.
-
"فايننشال تايمز": الاستجداء هو سياسة أوروبا الوحيدة في عهد ترامب
صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تنشر مقالاً يتناول التحديات التي تواجه أوروبا الغربية في التعامل مع سياسة دونالد ترامب الخارجية، ويسلط الضوء على الضعف الأوروبي النسبي أمام سياسات ترامب الأحادية والمتقلبة، وكيف تحاول أوروبا إدارة علاقاتها مع أميركا من دون المساس بأولوياتها الاستراتيجية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
ستقدم دول الناتو لترامب ما يطلبه على أمل ألا يطلب الكثير، وأن يستجيب لطلباتها الأكثر إلحاحاً. قد يفسر هذا ردود الفعل الفاترة على أحدث تصريحات ترامب العسكرية والدبلوماسية بشأن فنزويلا وغرينلاند. قد يتحدث القادة الأوروبيون بعبارات أكثر جرأة، لكن هذا الأسبوع تلاشى الكثير من التظاهر. وكان ستيفن ميلر، كبير مستشاري دونالد ترامب، أكثر إيجازاً: "نحن قوة عظمى، وسنتصرف كقوة عظمى".
يقول رئيس الوزراء الفرنسي السابق غابرييل أتال إن الأوروبيين أصبحوا الآن "متفرجين عاجزين على انهيار القواعد العالمية". سيُحكم العالم "بالقوة"، وأولئك الذين يندبون ضياع النظام الدولي "لم تعد لديهم القدرة على التعبير عن هذا السخط".
قد يجادل البعض بأن الوضع استمر على هذا النحو لفترة طويلة، فقد شهدنا العديد من الحالات التي تجاهلت فيها الولايات المتحدة مخاوف حلفائها في الناتو.
لكن ثمة اختلافات جوهرية؛ أولها الطبيعة الفريدة لنظام ترامب، فدائرة الرئيس المقربة تتمحور بالكامل حول شخصيته وأفكاره الثابتة. بعدما كانت هناك مسارات أخرى للوصول إلى صنع القرار الأميركي -كالبنتاغون أو وزارة الخارجية- أصبحت القرارات الآن تمر عبر ترامب وحاشيته.
أما الأمر الثاني، فهو فقدان أيديولوجيا أو تحليل مشترك. صحيح أن الانقسامات كانت تحدث أحياناً، إلا أن السياسة الأمنية الأميركية كانت تعكس رؤية عالمية مشتركة مع أوروبا الغربية، تقوم أساساً على معارضة الشيوعية، أو لاحقاً مواجهة الإرهاب. ولم يكن الرئيس بحاجة إلى إقناع أحد بخطر روسيا.
إن الأيديولوجيا الموجودة في رؤية ترامب غالباً ما تُستخدم ضد حلفاء الناتو، مع تصميم على نشر قيم "ماغا" في جميع أنحاء أوروبا وزعزعة استقرار الحكومات الليبرالية.
ثمة فرق ثالث يتمثل في رفض ترامب، بل وتخريبه، لنظام دولي لم تعد أميركا قادرة على السيطرة عليه، فهو لا يرى سوى عالم منقسم بين الأقوياء والضعفاء.
وأخيراً، وكما هو الحال مع الرئاسة القائمة على المصالح المتبادلة وغير الأيديولوجية، لم تعد الفضيلة مكافأة في حد ذاتها. يتوقع ترامب عائداً، ولا يخشى استخدام القوة الاقتصادية الأميركية ضد الحلفاء.
في غياب التوافق التقليدي على المُثُل، كيف يمكن إدارة رئيس متقلّب المزاج، فيما يظل أمنك معتمداً عليه؟ يُساعد إدراك هذه الحقائق المُرّة في تفسير الاستجابة المترددة لكل من انقلاب فنزويلا وتهديداته لغرينلاند. لن يُضيّع قادة أوروبا الغربية رصيدهم الدبلوماسي على فنزويلا، بل ينصب تركيزهم على الحفاظ على دعم الولايات المتحدة في أوكرانيا، حيث تؤتي الدبلوماسية ثمارها. لن يتم تعريض هذه الأولوية الاستراتيجية للخطر بتصريحات لا طائل منها حول نظام دولي ضائع.
في ما يتعلق بغرينلاند، أصدر القادة الأوروبيون في نهاية المطاف بياناً يدعو إلى عدم التدخل، وقد يُسهم هذا الموقف الرافض في تجنب أسوأ النتائج. وبما أن الغزو الأميركي قد يُنهي حلف الناتو، فإن لدى أوروبا حافزاً قوياً لضمان عدم الوصول إلى هذه المرحلة. وينطبق الأمر نفسه على الولايات المتحدة.
لكن من الصعب تصديق أن الدنمارك لن تُجبر على التوصل إلى نوع من التسوية مع ترامب بشأن غرينلاند. ستكون الخطوة الأولى تعهّداً بتعزيز وجود الناتو والأمن هناك، لكن إذا كانت أهداف الرئيس في المقام الأول إقليمية واستغلالية اقتصادية، فقد يُفرض على الدنماركيين التزامات أكثر جوهرية.
يُسبب هذا النوع من تحديد الأولويات صعوبة لجميع القادة الأوروبيين، وخصوصاً كير ستارمر، الذي اعتُبرت السياسة الخارجية من أبرز إنجازاته. وفي مواجهة الدعوات إلى موقف أكثر حزماً تجاه ترامب، يجد صعوبة في إيصال الحقائق الجيوسياسية.
لا يوجد سوى بديل واحد: تعزيز القوة العسكرية. لا يرغب ترامب في ذلك فحسب، بل قد يزيد أيضاً من احترامه لوجهات نظر أوروبا، لكن المملكة المتحدة وأوروبا لا تملكان قوة عسكرية كافية. يتحدثون عن زيادة الإنفاق الدفاعي، لكن باستثناء ألمانيا، لا يُبادر أحد إلى ذلك.
إلى جانب ضعف القوة العسكرية، تُعوق الانقسامات الوطنية النفوذ الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، وتُقيد سياسته الأمنية المتماسكة. إن قدرة أوروبا على التأثير أقل بكثير من حجمها الحقيقي.
الحقيقة المُزعجة لقادة أوروبا هي وجود الولايات المتحدة التي يحتاجونها، لكنهم فقدوا ثقتهم بها. عليهم أن يتصرفوا بحذر، وأن يُعطوا الأولوية للقضايا المُلحة، أوكرانيا في هذه الحالة، مع إدراكهم أنّ ضامن أمنهم لا يؤمن إلا بعالم قائم على مبدأ الربح والخسارة، عالم يسوده الحكام الأقوياء، ومناطق النفوذ، والمكاسب الاقتصادية.
إلى أن تلتزم أوروبا الغربية التزاماً جاداً بالدفاع عن نفسها، فإن تكتيكها الوحيد هو محاولة الحفاظ على نفوذها في بلاط القيصر الأميركي. في الوقت الراهن، يُعد الإذلال المدروس السياسة الوحيدة المتوقعة.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.