"ريسبونسبل ستيت كرافت": كوشنر و"إسرائيل" خلف "ثورة الفلامنغو" في ألبانيا

لا بد من التساؤل لماذا يحاول رئيس وزراء ألبانيا إيدي راما، إلقاء اللوم على إيران في الاحتجاجات الشعبية وتغطية حقيقة أنها ضد استيلاء عائلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الجزر في البلاد.

  • رفع طائر فلامنغو خلال مظاهرة ضد بناء منتجع فاخر بالقرب من منطقة طبيعية محمية وذلك خلال احتجاج أمام مكتب رئيس وزراء ألبانيا في تيرانا - 15 حزيران/يونيو 2026 (أ ف ب)
    رفع طائر فلامنغو خلال مظاهرة ضد بناء منتجع فاخر بالقرب من منطقة طبيعية محمية وذلك خلال احتجاج أمام مكتب رئيس وزراء ألبانيا في تيرانا - 15 حزيران/يونيو 2026 (أ ف ب)

تحدث موقع "ريسبونسبل ستيت كرافت"، في مقال لإيلدار ماميدوف، عن الجدل المتصاعد في ألبانيا بشأن مشروع منتجع سياحي ضخم تدعمه عائلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما يثيره من مخاوف بيئية وشبهات فساد وتداعيات سياسية تتجاوز حدود البلاد، حيث يحاول رئيس البلاد إلقاء اللوم على إيران في الاحتجاجات الشعبية الحقيقية ضد استيلاء عائلة ترامب على الجزر.. لماذا؟

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية: 

من النادر أن تتصدر ألبانيا، وهي الدولة البلقانية الصغيرة الواقعة على ساحل البحر الأدرياتيكي عناوين نشرات الأخبار، لكنّ المتظاهرين الذين رفعوا علم البلاد ومجسمات رمزية لطيور النحام الوردية الفلامنغو المهدد موطنها على جزيرة ألبانية، تسعى عائلة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن تحولها إلى منتجع سياحي، جذبت مؤخراً اهتمام وسائل الإعلام الدولية.

ورفض المشروع يتمحور في معظمه حول التهديد الذي قد يشكله المنتجع على الحياة البرية المحلية، إضافة إلى أضرار ما زالت غير واضحة تتعلق بمجموعة معقدة من المشاكل المتصلة بجاريد كوشنر، صهر ترامب وحليف بنيامين نتنياهو ومستشاره المقرب، بالإضافة إلى وجود جماعة إيرانية معارضة، في ظل أنباء عن بدء سلطات مكافحة الفساد الألبانية تحقيقاً في صفقة كوشنر مع تيرانا، الأمر الذي يمثل اختباراً مباشراً للاتحاد الأوروبي الذي تسعى ألبانيا للانضمام إليه.

بعد إعادة انتخاب ترامب في عام 2024، كشف كوشنر عن خطط لإنشاء منتجع بمليارات الدولارات على جزيرة الدلتا فيوسا نارتا، وهي أول محمية نهرية جبلية في أوروبا، ومحمية لطيور الفلامنغو والبجع النادرة ومزارع السلاحف. ولقد منحت حكومة رئيس الوزراء إيدي راما شركة مرتبطة بكوشنر حقوق "المستثمر الاستراتيجي"، وأعفتها من الضرائب والمناقصات، وسهلت تجاوزها للتقييمات البيئية. ومع بدء أعمال البناء مؤخراً، اندلعت احتجاجات واسعة ضد هذا المشروع. 

التداعيات الجيوسياسية المحتملة للمشروع العقاري

المهم في الأمر هو التداعيات الجيوسياسية المحتملة للمشروع العقاري. فخلال فترة رئاسة ترامب الأولى، روج كوشنر لـ"اتفاقيات أبراهام" بين "إسرائيل" وبعض الدول العربية، من ضمنهم الإمارات والبحرين، حيث اعتبرها نتنياهو انتصاراً دبلوماسياً كبيراً، بينما تشير التقارير إلى أن كوشنر ونتنياهو ما زالا على اتصال وثيق، حتى في الوقت الذي يتفاوض فيه كوشنر مع إيران نيابةً عن إدارة ترامب. إضافةً أن كوشنر أسس شركة "أفينيتي بارتنرز" الاستثمارية خصيصاً لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين "إسرائيل" والعالم العربي.

لا بد من فهم أبعاد هذا السياق الأوسع، من خلال "استراتيجية الأطراف" الإسرائيلية الكلاسيكية، حيث عززت "تل أبيب" علاقاتها مع دول غير عربية على أطراف "الشرق الأوسط" من القوقاز إلى البلقان وصولاً إلى أفريقيا، كوسيلة لكسر عزلتها السياسية. والآن، ما تزال هذه الاستراتيجية قائمة وفعالة، ومنحت "إسرائيل" علاقات وثيقة مع أذربيجان شريكتها الرئيسية في مجال الطاقة ومعقلها الاستخباراتي على حدود إيران)، وصربيا التي زادت بشكل ظاهر وارداتها من الأسلحة من تل أبيب)، ورومانيا التي أعلنت نقل سفارتها إلى القدس، والآن تتمدد الاستراتيجية نحو ألبانيا.

تنسجم ألبانيا تماماً مع هذا التوجه، مستفيدةً من موقعها الاستراتيجي في منطقة البلقان، وهي دولة علمانية مع أنها ذات أغلبية مسلمة، وعضو قوي في حلف "الناتو" بقيادة الولايات المتحدة، وفاعلة حريصة على إثبات قيمتها للحلفاء الغربيين. والأهم من ذلك، أنها أيضاً دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بينما يظهر أن وجود دولة صديقة أخرى لـ"إسرائيل" في بروكسل سيكون مفيداً للغاية لـ"تل أبيب"، في ظل تصاعد انتقاد الرأي العام الأوروبي للسياسات الإسرائيلية.

ففي ظل نقاشات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشأن العقوبات على "إسرائيل"، واحتمال تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي معها، أو حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإنّ أيّ صوت متعاطف في الاتحاد الأوروبي يعتبر بالغ الأهمية لـ"تل أبيب"، مع أن ألبانيا ليست عضواً بعد في الاتحاد الأوروبي، لكن مسارها مهم، وقد أثبت رئيس الوزراء راما أنه حليف قوي للغرب.

تحالف راما مع ثنائي ترامب ونتنياهو ضد إيران

لا يظهر تحالف راما مع ثنائي ترامب نتنياهو في أي مكان أكثر وضوحاً من تعامله مع إيران. فألبانيا هي الدولة التي انتقل إليها آلاف من أعضاء منظمة "مجاهدي خلق"، وهي جماعة إيرانية كانت مدرجة سابقاً على قوائم الإرهاب الأميركية والأوروبية، بعد مغادرتهم "معسكر أشرف" في العراق بموجب اتفاق توسطت فيه إدارة أوباما عام 2013. ويعود استقرارهم في تيرانا إلى رفض معظم الدول الأخرى التي تواصلت معها واشنطن لاستضافتهم. وقد صممت عملية النقل كبادرة إنسانية، لا لتوفير قاعدة عمليات جديدة لهذه الجماعة التي فقدت مصداقيتها أمام الإيرانيين.

مع ذلك لم يحترم ذلك الترتيب بالكامل، وهناك أدلة موثقة على نشاط حسابات وهمية تابعة للمنظمة المذكورة مصدرها ألبانيا. ومع ذلك، احتضن راما الجماعة، واستخدمها كأداة ضغط ضد طهران، ومع توسع ثورة الفلامنغو، اتهم إيران علناً بتأجيج الاحتجاجات. وفي بيان لاذع موجه إلى الجمهورية الإسلامية، اتهم طهران بالإرهاب الإلكتروني، واستهداف المؤسسات الألبانية، والعداء "للحرية نفسها". ثم انتقل إلى الدفاع بقوة عن قرار ألبانيا بإيواء المنظمة المذكورة دون تسميتها صراحة، واصفاً أعضاءها بأنهم "رجال ونساء إيرانيون تعرضوا للقمع والسجن".

وهذا أمر لافت للنظر إلى سببين، الأول أنه يؤيد فعلياً الجماعة باعتبارهم مناضلين من أجل الحرية، مستخدما اللغة نفسها التي استخدمها كبار المسؤولين في إدارة ترامب الأولى، بمن فيهم وزير الخارجية السابق مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، واللذان يقال إنهما حصلا على تعويضات جيدة مقابل دعمهما للمنظمة. 

مع ذلك، يحول هذا الموقف الانتباه تماماً عن مزاعم الفساد المحلي وتدمير البيئة التي تعبر عنها جوهر الاحتجاجات. ولا يوجد أي دليل على أن المتظاهرين الذين يلوّحون بمجسمات طيور الفلامنغو عملاء إيرانيون، بل هم مواطنون ألبان قلقون على شواطئ بلادهم. ومن خلال إلقاء اللوم على طهران والتستر وراء شعار مقاومة الحكم الديني، يسعى راما إلى تحويل فضيحة محلية إلى معركة في حرب بالوكالة عالمية، تتوافق تماماً مع مصالح "إسرائيل" ومؤيديها.

يثير هذا التساؤل حول مدى توافق السياسة الخارجية لألبانيا مع سياسات الاتحاد الأوروبي، وهي تسعى لكسب عضويته. فمع أن علاقات الاتحاد الأوروبي مع الجمهورية الإسلامية تُعتبر في أدنى مستوياتها منذ عام 1979، إلا أنّ الاتحاد الأوروبي لا يعترف بمنظمة "مجاهدي خلق" كطرف شرعي في الحوار، ولا يسعى إلى دعمها بأي شكل من الأشكال. ولتأكيد الخلاف مع بروكسل، انضمت ألبانيا إلى ما يسمى بـ "مجلس السلام" الذي أنشأه ترامب، بل ووافقت على إرسال قوات حفظ سلام إلى غزة، وفقاً لخطة ترامب التي أيدها نتنياهو.

وفي مؤشر على تقارب أعمق مع "إسرائيل" ونتنياهو، سافر راما إلى القدس، وألقى كلمة أمام "الكنيست"، وأشاد به نتنياهو لـ"ضميره الأخلاقي"، حين حمّل راما حركة "حماس" وحدها مسؤولية الرد العسكري الإسرائيلي على "فظائعها" في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، رغم أن الهجوم أسفر عن مقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني في غزة، فيما وصفته محكمة العدل الدولية ومقرر الأمم المتحدة والعديد من خبراء القانون الدولي بأنه يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. وقد جنى راما من هذا التقارب مكاسب ملموسة، مثل صفقات أسلحة مع شركات إسرائيلية من ضمنها شركة "إلبيت سيستمز".

فساد وضعف سيادة 

رغم أن هذا التباين الجيوسياسي مثير للقلق، إلا أن السياسة الخارجية ما تزال من اختصاص الدول الأعضاء والدول المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تربطها علاقات وثيقة بـ"إسرائيل" على أي حال. ومع ذلك، فإن مزاعم الفساد الموجهة ضد راما تعتبر حد الجوانب التي يمكن لبروكسل من خلالها ممارسة نفوذ حقيقي.

ومنذ أن حصلت ألبانيا على صفة دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي عام 2014، وبدأت مفاوضات العضوية الرسمية عام 2022، أعرب الاتحاد الأوروبي بشكل متكرر عن قلقه إزاء الفساد وضعف سيادة القانون في ألبانيا. وعندما يطرح المتظاهرون أسئلة بسيطة حول المستفيد من منتجع يملكه ترامب في محمية طبيعية، لا يكتفي راما باتهام إيران بالتدخل، بل يصرّ على أنه "لا توجد أي فرصة على الإطلاق" لإيقاف هذا المشروع.

لا يمكن لبروكسل أن تغض الطرف. وبإمكان الاتحاد الأوروبي محاسبة الحكومة الألبانية هنا من خلال المطالبة بالشفافية، وربط تمويل التوسع بتعزيز سيادة القانون ومكافحة الفساد، وفي تعليق مفاوضات الانضمام إذا لم يتم الوفاء بهذه الشروط. فما تحتاجه بروكسل هو إرادة سياسية لحماية سمعتها المتضررة. والمتظاهرون في تيرانا الذين يحملون شعارات طيور الفلامنغو ليسوا بيادق في يد طهران، بل هم مواطنون سئموا من إهمال النخب السياسية في بلادهم وغطرستها، والتي لا يمثل مشروع كوشنر سوى أحدث تجلياتها. على بروكسل أن تبدأ بالاستماع والتحرك.

نقله إلى العربية حسين قطايا