"ذا ناشونال إنترست": لماذا لا يعتبر الحوثيون وكلاء لإيران؟
الدعم الإيراني للحوثيين لا يعني خضوعهم لقرارات طهران؛ فالجماعة تمتلك جذوراً يمنية مستقلة، ومصادر تمويل وقدرات عسكرية خاصة.
-
مقاتلون يمنيون يسقطون طائرة سعودية
مجلة "ذا ناشونال إنترست" الأميركية تنشر مقالاً ينتقد النظرة الأميركية التي تختزل الحوثيين في كونهم مجرد وكلاء لإيران، مؤكداً أنّ الدعم الإيراني لهم لا يعني بالضرورة خضوعهم لقرارات طهران.
ويشير المقال إلى أنّ الحوثيين يمتلكون جذوراً يمنية مستقلة، وقاعدة اقتصادية وتمويلية خاصة، إلى جانب قدرات محلية على إنتاج الأسلحة، كما سبق أن اتخذوا في عدة محطات قرارات لم تتوافق مع رغبات إيران.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
منذ أن بدأ الحوثيون في ضرب شحنات نفطية محددة في البحر الأحمر في عام 2023، أكدت الجماعة اليمنية المسلحة أنها لديها قدرة على الإزعاج الإقليمي. ففي الأسبوع الماضي، أكدت ضربات الجماعة اليمنية على السعودية وخطوط أنابيب النفط الخاصة بها، إضافة إلى استيلائها على ميناء المخا وعدة جزر قرب مضيق باب المندب، التهديد الحقيقي الذي تشكّله على التجارة الدولية والطاقة. ومع ذلك، ظل الإطار الافتراضي لواشنطن بسيطاً بشكل واضح على أنّ الحوثيين بالنسبة لها هم وكلاء إيران، والضغط على طهران هو ذاته ضغط على صنعاء.
وفي هذا السياق كان قد أعرب وزير الخارجية ماركو روبيو عن هذا الرأي واصفاً الجماعة بأنهم "عملاء ووكلاء للإيرانيين" وأنّ "اليد الإيرانية" تقف خلفهم. فهذا التأطير يعتبر مريحاً، لأنه يتماشى مع نموذج تحليلي مألوف، وهو النموذج المستخدم في دراسة "حزب الله" وقوات الحشد الشعبي العراقية، كما أنه يتيح لصنّاع القرار التعامل مع اليمن كقضية فرعية ضمن الملف الإيراني الأوسع.
لكنّ هذا الطرح خاطئ، ولا يمكن بناء سياسة أميركية سليمة عليه. صحيح أنّ إيران تسلّح الحوثيين، وتدربهم وتنسق معهم، وهذه العلاقة تستحق التدقيق، لكنْ للحوثيين أصول مستقلة، ويصنعون قراراتهم الذاتية، ولديهم قاعدة تمويل خاصة بهم، وسجل حافل بالعمل ضد رغبات طهران عندما تقتضي مصالحهم ذلك، والتعامل معهم كمجرد أداة في يد إيران يسيء فهم التهديد، ويوجّه السياسة الأميركية نحو خيارات خاطئة.
إيران تدعم الحوثيين بحدود
يشير مجلس العلاقات الخارجية إلى أنّ حرس الثورة الإيراني يزوّد الحوثيين بالأسلحة والتدريب والمعلومات الاستخباراتية، وأنّ عملية ضبط في تموز/يوليو العام الماضي وحده أسفرت عن اعتراض نحو 750 طناً من الذخائر الإيرانية، من ضمنها مكوّنات طائرات مسيّرة ورؤوس حربية صاروخية وأنظمة رادار، كانت متجهة إلى الجماعة. ولا شك في أنه كان لهذا الدعم دور حاسم في تمكين الحوثيين من شن ضربات مسيّرة بعيدة المدى في البحر الأحمر وضد "إسرائيل".
كما تصف مجموعة الأزمات الدولية الحوثيين بأنهم جزء لا يتجزأ من "محور المقاومة" الإيراني، وهم ينسقون مع طهران في التوقيت والرسائل، بما في ذلك انخراطهم في آذار/مارس الماضي في شن ضربات مباشرة على "إسرائيل" بعد أن رأوا أنّ موقف إيران الإقليمي قد "تراجع". لكن، مع كل ذلك لا يشير أي من هذا إلى وجود علاقة بالوكالة بين إيران والحوثيين، بينما يشير مجلس العلاقات الخارجية على نحو حاسم، إلى أنّ إيران لم تنشئ الحوثيين، وأنهم يتبعون مذهباً مختلفاً من الإسلام هو الزيدية الشيعية، المختلفة نسبياً عن الشيعية في إيران. وبالتالي، هم شركاء غير رسميين لإيران، وليسوا تابعين لها.
وكانت قد توصلت دراسة أجرتها مؤسسة "راند" عام 2020 إلى استنتاج مماثل بعد تفحّص مسار العلاقة بين الطرفين. فحتى بعد ازدياد استثمارات إيران في اليمن بشكل ظاهر منذ عام 2015، ظلت العلاقة "ذات طابع نفعي إلى حد كبير". وعندما أسس حسين الحوثي الجماعة في التسعينيات، ظلت أولوياتها داخلية في المقام الأول، وتركّزت على مكافحة التهميش السياسي للزيديين في عهد الرئيس علي عبد الله صالح. ومنذ ذلك الحين، لم تُبدِ الجماعة اهتماماً يذكر بتقليد الأيديولوجية الثورية الإيرانية.
الأدلة على استقلالية الحوثيين
إنّ أوضح دليل ينفي تصوير الحوثيين كوكلاء لإيران تأتي من الباحثة أليسون مينور من "معهد بروكينغز"، التي تقول إنّ وصف الحوثيين بأنهم وكلاء لإيران "يشوّه جوهر التهديد الذي يمثّلونه"، ويقوّض السياسة الفعّالة. وتشير إلى أمثلة عن استقلال الحوثيين، مثل إعلانهم وقف إطلاق نار أحادي الجانب مع السعودية عام 2019 رغم تفضيل إيران للتصعيد، وحين أبلغ الحوثيون إيران، بحسب التقارير، بغارتهم الجوية على "تل أبيب" في تموز/يوليو 2024 بعد قيامهم بها.
كما نوّع الحوثيون خطوط إنتاج أسلحتهم من خلال حصولهم على مكونات صينية وإنشاء مصانع محلية بدلاً من الاعتماد كلياً على إيران. وتؤكد مينور أيضاً المرونة الهيكلية، وأنهم يتحالفون مع شبكة لامركزية تضم أكثر من 12 جماعة، تقوم بالتنسيق المباشر، ما يمكّنهم من إحداث حالة من عدم الاستقرار لا تستطيع أيّ جهة فعلها بمفردها.
وتمتد هذه الاستقلالية إلى القاعدة الاقتصادية التي تمكّن الحوثيين من التصرّف من دون استئذان طهران. ومع ذلك، يوثّق تقرير نُشر هذا الشهر أنّ الحوثيين قد بنوا شبكة مالية بمليارات الدولارات، من خلال ضرائب الوقود وعائدات الموانئ والتهريب، وقد أثبتت هذه الشبكة متانتها، رغم سنوات من العقوبات الأميركية. ويؤكد تحليل مؤسسة "راند" هذه النقطة حيث العائدات المستقلة من ضرائب الموانئ واستغلال الريع منحت قيادة الحوثيين تاريخياً استقلالية لا تتمتع بها قوة وكيلة حقيقية تعتمد كلياً على أموال داعميها.
ولعل الدليل الأكثر أهمية على صعيد السياسات هو الدليل السلوكي. فقد أظهر الحوثيون أنهم لن يتراجعوا ببساطة عندما تطلب منهم إيران ذلك. وكان قد أفاد تحقيق وكالة "رويترز" في العام الماضي أنّ مسؤولين حوثيين صرّحوا لها، أنهم لن يخفّفوا الهجمات رداً على ضغوط عسكرية أميركية أو مناشدات من وسطاء إيرانيين، مما ربط حملتهم بتفسيرهم الخاص لحرب غزة. وتضيف مينور نسخة هيكلية من الدلائل ذاتها، مثل اتفاق تطبيع العلاقة السعودية الإيرانية لعام 2023، وبينما كانت واشنطن ترى أنّ معالجة غضب الحوثيين من خلال إصلاح الأمور مع طهران، لم يؤثر الاتفاق بشيء فعلي للحد من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر في وقت لاحق من ذلك العام.
وما نجح فعلياً في عملية التدخل السعودي في اليمن هو هدنة منفصلة بوساطة الأمم المتحدة في عام 2022 تفاوضت عليها مباشرة مع الجماعة. وإذا لم تستطع الدبلوماسية الإيرانية تحريك سلوك الحوثيين، فإنّ السياسة الأميركية القائمة على الضغط على إيران لكبح جماحهم تستند إلى أداة زائفة. وينطبق المنطق نفسه على تفسير روبيو للغارات الحوثية على السعودية الأخيرة بأنها "بتوجيه إيراني"، مع أنّ الحوثيين لا يحتاجون إلى أوامر إيرانية لضرب أهداف سعودية، إذ إنّ التحالف الذي تقوده السعودية يقصف اليمن منذ عام 2015، وتنفذ حصاراً بحرياً يخنق البلاد. وبعد عقد من الحرب ضدهم على أرضهم يعتبر هذا دافعاً كافياً للتحرّك. كما أنّ اعتبار كل ضربة من هذا القبيل موجّهة من إيران يتجاهل حرب الحوثيين وأسبابهم التي تدفعهم للاستمرار في القتال.
كذلك هي جذور الجماعة العميقة تعزز صورة استقلالهم. فهي تشكّل ردّ فعل محلياً على تهميش الدولة اليمنية الذي أدّى إلى سلسلة الحروب بينها وبين الدولة، وليست نتاجاً مستورداً من طهران. يجعل مايكل روبين من "معهد أميركان إنتربرايز" هذا الأمر محور حجته القائلة بأنّ الحوثيين سيصمدون بعد زوال الجمهورية الإسلامية نفسها، ويصف حركتهم بأنها تقوم على بعد قبلي وديني ذات تاريخ عريق يمتد لقرون، وقد تعززت الآن بإنتاج محلي للطائرات المسيّرة والصواريخ، وإلى حد ما بمساعدة صينية. وسواء أكان المرء يصدّق كل عنصر من عناصر هذه الحجة أم لا، فإنها تمثّل خطراً حقيقياً في واشنطن، ألا وهو افتراض أنّ انهيار النظام الإيراني أو استنزافه سيقضي تلقائياً على تهديد الحوثيين.
لو كان الحوثيون مجرد أداة في يد إيران، لكانت السياسة المتبعة واضحة، حيث التعامل مع طهران، يؤدي إلى إذعان صنعاء. لكن هذه هي تحديداً النظرية التي اختبرتها اتفاقية التقارب السعودي الإيراني عام 2023 وفشلت.
إنّ رؤية الحوثيين بوضوح كحركة يمنية لها تاريخها واقتصادها وحساباتها الخاصة، تستفيد فعلياً من الشراكة مع إيران، ليست نظرة أكثر ليونة من التهديد، بل هي النظرة الأدق، والتي يمكن أن تشكّل أساساً لسياسة أميركية مستدامة تجاه اليمن.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.