"بتسيلم": كيف تُحوّل اللغة السياسية الإسرائيلية التهجير والعنف إلى واقعٍ "طبيعي"؟

 إنّ رفض اللغة التي تضفي العقلانية على العنف الواقع على الفلسطينيين يجب أن يعني أيضاً رفض النظام الذي ينتجه والإصرار على وضع حد له.

  • "بتسيلم": كيف تُحوّل اللغة السياسية الإسرائيلية التهجير والعنف إلى واقعٍ "طبيعي"؟

صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تنشر مقالاً كتبته المديرة التنفيذية لمنظمة حقوق الإنسان "بتسيلم" الإسرائيلية، تشرح فيه كيف تُستخدم اللغة السياسية الإسرائيلية لتطبيع الهيمنة والعنف ضد الفلسطينيين، وتحويل مفاهيم مثل نزع الملكية والتهجير والقمع إلى عبارات من قبيل "الأمن" و"الاستيطان" و"الدفاع عن النفس".

وتشرح رئيسة "بتسيلم" أن ما يجري في الضفة الغربية وغزة ليس حوادث منفصلة، بل هو جزء من مشروع أوسع تسمّيه "الإلغاء"، يهدف إلى تفكيك شروط الحياة الجماعية الفلسطينية وترسيخ السيطرة الإسرائيلية الدائمة. كما تنتقد الخطاب الدولي الذي يتعامل مع هذه السياسات كـ"إدارة للصراع"، بدلاً من مواجهة المنظومة التي تنتجها. 

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

منذ نحو عام، في "بتسيلم" منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية التي أرأسها، أدركنا أننا نكافح من أجل تفسير ما كان يحدث في الضفة الغربية، مع أن المشكلة لم تكن نقصاً في المعلومات، بل على العكس تماماً، حيث على مدى ما يقرب من 3 سنوات، كنا نوثق يوماً بعد يوم حرق وهدم المنازل، وتهجير المجتمعات، وإطلاق النار على الأطفال وقتلهم، وإغلاق الطرق، من قبل المستوطنين اليهود والحكومة الإسرائيلية على حد سواء، الذين يبدعون أشكالاً لإهانة الفلسطينيين وتعنيفهم مع أن هذا لم يكن شائعاً نسبياً في الضفة الغربية من قبل، بما في ذلك القصف الجوي، والتدمير واسع النطاق للمناطق السكنية، والنزوح الجماعي، وكلها أصبحت أمراً روتينياً.

والسؤال الذي كنا نعود إليه هو كيف نصف، ونجد كلمات لواقع لا يمكن لحادثة واحدة أن تستوعبه وتفسره. فأدركنا في النهاية أن وصف المشهد الأوسع يتطلب الإصغاء إلى لغتين سياسيتين في آن واحد، وهي ليست مجرد مفردات متوازية، حيث إن إحدى اللغتين يستخدمها النظام الإسرائيلي لشرح ما يفعله وإضفاء الشرعية عليه، والأخرى هي لغة الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت الحكم الإسرائيلي، ويصف ما يفعله هذا الحكم بحياتهم. ففي العادة، اللغة السياسية تفعل أكثر من مجرد وصف الواقع، وهي تشكل ما يمكن للناس تبريره وما يمكنهم تجاهله. بالنسبة للفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي، وللكثير من المراقبين حول العالم، فإن الطرق المغلقة، والمنازل المهدمة، والطرد،  والتهجير والعنف، كلها عناصر هيمنة جائرة بشكل فاضح. لكن بالنسبة للغة السياسية الإسرائيلية فيمكنها أن تجعل هذا الواقع ذاته يبدو ضرورياً، بل طبيعياً حتى.

بوصفي يهودية إسرائيلية نشأت داخل تلك اللغة التي حوّلت الهيمنة العنيفة إلى "أمن، ونزع الملكية إلى استيطان، والعدوان واسع النطاق إلى دفاع عن النفس". تستمد تلك اللغة جانباً كبيراً من قوتها من الخوف الحقيقي الذي أعرفه ونشأت عليه، وهو خوف يُصنع بمبررات عديدة منها الهجمات المسلحة ضد الإسرائيليين مثل الهجوم الذي قادته حماس في الـ 7 من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث تستغل اللغة السياسية الإسرائيلية ذلك الخوف من خلال تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، ودمجهم في فئة واحدة مستخدِمةً "عنف" بعضهم لتبرير السيطرة على كامل السكان وقمعهم. فهذه إحدى الطرق التي يحافظ بها نظام الفصل العنصري على ذاته.

اللغة التي نشأت عليها لم تتطلب مني إنكار معاناة الفلسطينيين. كان بإمكاني الاعتراف بها، بل والروع منها، مع الاستمرار في اعتبار النظام الذي أنتجها نظاماً شرعياً من حيث الأساس. اليوم، بعد سنوات من تعمق نزع الإنسانية، تتجاهل معاناة الفلسطينيين تماماً في معظم الخطاب العام الإسرائيلي. لهذا فإن لغة أولئك الذين يعيشون تحت هذا النظام مهمة للغاية، والفلسطينيون الذين يشهدون عليه، هم من يتحملون ويصمدون تحت تلك السلطة ويحق لهم وصف شكل حياتهم بلا حماية، وفي الخوف والهشاشة وعدم اليقين.

يستنكر العديد من الإسرائيليين مصطلح "الاستعمار الاستيطاني"، وهو رفض ليس صدفة. فلقد علّمنا الخطاب السياسي الإسرائيلي أن نستمع إلى هذا المصطلح بوصفه بمواجهة إنكار للتاريخ والانتماء اليهودي، وإن الروابط التاريخية والدينية والثقافية لليهود بهذه الأرض حقيقية، كما أن التاريخ الطويل للاضطهاد والعنف ضد اليهود في مناطق عديدة من العالم حقيقي أيضاً. مع ذلك، لا شيء من ذلك يبدل حقيقة أن السيادة اليهودية الحصرية بُنيت على تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم وحقوقهم. ومع أنه تغيّرت السياسات مع مرور الزمن، لكن السياق الكامن كما هو دائماً، حيث حافظت "إسرائيل" على نظام سياسي يضع اليهود فوق الفلسطينيين في الحقوق والسلطة والسيطرة على الأرض.

وخلال السنوات الثلاث الماضية، تسارع هذا المشروع الممتد في الضفة الغربية، وازداد عنفاً، وأصبح أكثر انكشافاً. فلا يتورع المسؤولون الإسرائيليون عن الإعلان عن هذه الأهداف بشكل متزايد وصريح في السيادة اليهودية الدائمة، وإنكار حق الفلسطينيين في تقرير المصير، والدفع باتجاه اقتلاعهم. وعلى هذا عرض بتسلئيل سموتريتش وزير المالية الإسرائيلي الذي يتمتع بصلاحيات واسعة في الحكم الإسرائيلي في الضفة الغربية، خطة في عام 2017 تمنح الفلسطينيين 3 خيارات تبدأ بالتخلي عن مطالبهم الوطنية وقبول الحياة تحت الهيمنة اليهودية، أو المغادرة أو مواجهة القوة العسكرية إذا قاوموا.

لم يخترع سموتريتش هذا المشروع، لكن خطته تجعل منطق كلامه واضحاً على نحو غير معتاد، وهو يعلن الآن أنه يستخدم صلاحياته لدفع خطته في الضفة قدماً. يُعرف هذا المشروع بالإنجليزية باسم "الخطة الحاسمة"، أما في العبرية، فإن الكلمة التي يستخدمها "هحراعا" وهي تحمل معنى سياسياً أقوى من كلمة "حاسم"، وتعني إنهاء صراع بشكل لا رجعة فيه من خلال الهزيمة النهائية للطرف الآخر.

"هحراعا" ليست مثالاً منفرداً. فهناك معجم سياسي وعسكري كامل يحول الإكراه إلى شيء يبدو تقنياً وروتينياً، حيث تولد الاحتكاكات وتعمّد المواجهات مع السكان الفلسطينيين ومنازعة حقوقهم في أرضهم، وغالباً من خلال العنف والترهيب، إلى أن تُنهَك المجتمعات ويغادر الناس. وفي الاستخدام العسكري الإسرائيلي الحالي، تصف عمليات إعادة تشكيل المشهد الطبيعي باقتلاع آلاف أشجار الزيتون التي تعيل الفلسطينيين، وتشجيعهم على الهجرة، ثم يصورون الفرار من الترهيب والعنف كخيار طوعي، لتأتي بعدها كلمة "النصر الكامل"، وهي عبارة أصبحت مركزية في الخطاب السياسي الإسرائيلي في أثناء الهجوم على غزة وتم تبنّيها على نطاق واسع كهدف "وطني".

بالنسبة للفلسطينيين، الواقع الكامن وراء هذه العبارات ملموس في القيود والهجمات التي تضيّق عليهم من كل اتجاه، مثل أن يسد شارع أمامهم وهم في طريقهم إلى العمل، ويمكن لمستوطن مسلح أن يدخل أرضهم، ويمكن أن يُعتقل أفراد من العائلات. فاللغة السياسية ليست مكونة من الكلمات فقط، فهي تتضح أيضاً في ملامح الأرض، حيث على مدار العامين الماضيين، وضعت حملات المستوطنين المنظمة آلاف الأعلام الإسرائيلية على طول الطرق، وفوق قمم التلال وعند مداخل القرى الفلسطينية، فبالنسبة لكثير من اليهود الإسرائيليين، تشكل هذه الأعلام مصدر فخر، وتعرض السيادة الإسرائيلية على الأرض بوصفها أمراً قائماً فعلياً. وبالنسبة للفلسطينيين، تؤكد الأعلام نفسها سيادة فُرضت عليهم ومدعومة بقوة لا يملكون أي قدرة حقيقية على تحدّيها، بينما قد تؤدي إزالة علم إلى قدوم مستوطنين مسلحين أو جنود، وينتهي الأمر بالاعتقال أو الاعتداء أو ما هو أسوأ.

في التقرير الذي أعدته منظمة "بتسيلم"، حاولنا قراءة هذه اللغات السياسية معاً. والكلمة التي استقر رأينا على استخدامها لوصف ما تفضي إليه هذه الأفعال التي تبدو متفرقة هي "الإلغاء"، لأن هذا المنطق لا يتطلب اختفاء كل فلسطيني، ويسعى إلى جعل الحياة الجماعية للفلسطينيين مستحيلة على نحو متزايد، مع تأمين السيطرة الدائمة لليهود الإسرائيليين. وفي غزة اتخذ منطق "الإلغاء" الإسرائيلي للفلسطينيين شكله الأشد تطرفاً في الإبادة الجماعية بحقهم. وفي الضفة الغربية، يفكك "الإلغاء" الشروط التي تمكّن الفلسطينيين من البقاء في أرضهم والعيش كمجتمع وشعب.

ومع ذلك، حتى في الوقت الذي تعلن فيه "إسرائيل" أهدافها علناً، ما زالت الحكومات والمؤسسات الدولية تعيد صياغة تلك الأهداف بلغة سياسية تقليدية، مثل أنه يجب إدارة الصراع الدائر، وتوقع أن ينتهي الاحتلال، وأن تكبح الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، في إعادة صياغة تتيح للحكومات إدانة العنف من دون مواجهة المنظومة الكامنة وراءها. وتتيح لها البقاء ضمن سردية سياسية مطمئنة، بدلاً من مواجهة التزاماتها بموجب القانون الدولي وممارسة الضغط المتواصل الذي يتطلبه تغيير هذا الواقع وعكسه، في حين يخفي الواقع الأوسع، طوراً جديداً من المشروع السياسي الرامي إلى جعل السيطرة اليهودية الإسرائيلية دائمة، مع تفكيك الشروط اللازمة للحياة الجماعية الفلسطينية.

بدأنا هذا العمل لأننا لم نجد كلمات كافية لوصف واقع يتكشف أمامنا. ربما تكون هذه الصعوبة جزءاً من كيفية عمل نظام استعماري، حيث إنه مع مرور الوقت، يمكن لواقع مشحون بالعنف والخوف والدمار أن يبدأ في الظهور كأنه غير قابل للتغيير وحتمي. كانت مهمتنا أن نجعله مرئياً مرة أخرى بوصفه شيئاً مصنوعاً وقائما لا تحليلاً لمعطى. فما بدا أحداثاً منفصلة ينبغي الاعتراف به على حقيقته، وأنه خيارات سياسية في مشروع للهيمنة، ونزع الملكية، والإقصاء.

 إنّ رفض اللغة التي تُضفي العقلانية على العنف الواقع على الفلسطينيين يجب أن يعني أيضاً رفض النظام الذي ينتجه والإصرار على وضع حد له.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.