"الغارديان": هل تنهض حلب من بين الأنقاض؟
لقد حوّلت سنوات الحرب الأهلية مناطق بأكملها من المدينة إلى صفوف من المباني الخاوية. لكن بعد سقوط الأسد، عاد السوريون إلى منازلهم القديمة عازمين على إعادة بنائها.
-
"الغارديان": هل تنهض حلب من بين الأنقاض؟
صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر مقالاً يقدّم صورةً شاملة لحياة مدينة حلب بعد الحرب، من خلال سردٍ ميداني إنساني يربط بين الدمار العمراني، والتحولات السياسية، ومحاولات الناس استعادة حياتهم.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
كان كشك الكباب يقع في ظل مبنى تهدمت طبقاته الـ3 العلوية، تاركةً وراءها ألواحاً خرسانية تبدو وكأنها معلقة في الهواء. وتحت غطاء من القماش المشمع، مثبتة أطرافه بكتل خرسانية، وقف رجل نحيل ذو لحية بيضاء كثيفة. ابتسم وهو يشعل النار في شواية ضيقة. كان يتردد جيئة وذهاباً إلى طاولة موضوعة فوق عربة يدوية، ويتفحص بعناية طبقاً مُعداً بالطماطم والخضراوات وبعض أسياخ اللحم. غطت حصيرة ممزقة الأرض، بينما وفّر صندوق ثلج بلاستيكي وبعض الكتل الخرسانية مقاعد للزبائن الذين لم يأتوا بعد.
كانت شوارع العامرية، وهي إحدى ضواحي حلب المتداعية، شبه مهجورة وكانت تُشكّل في السابق خط المواجهة بين المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة وتلك الخاضعة لسيطرة الحكومة. ومع ذلك، كانت تتجلّى فيها بعض مظاهر الحياة: أطفال يقفزون على دراجة نارية صدئة، وامرأة تبيع السجائر والماء من كوخ، وشاب ينقب بين الأنقاض بيديه، ويستخرج قطعاً من الحجر الجيري ويرصها في كومة مرتبة ليستخدمها لاحقاً في إعادة بناء منزله. "إنها أفضل بكثير من الجديدة"، على حد قوله.
تنتشر في أرجاء سوريا آلاف الشوارع المشابهة لهذا الشارع. فبعد مرور عام على خروج بشار الأسد من البلاد وسقوط نظامه، عاد نحو 3 ملايين سوري من الخارج ومن مخيمات اللجوء في الشمال. وعاد الكثيرون إلى أحياء مهجورة، تفتقر إلى الماء والكهرباء، بحيث يغمر الظلام أحياءً بأكملها. ومع ندرة المساكن، وارتفاع التضخم، وزيادة الإيجارات بشكل هائل، لم يجد الكثيرون خياراً سوى اللجوء إلى أنقاض منازلهم السابقة. حجم الدمار هائل لدرجة أن إعادة بناء حيّ واحد ستكون مهمة شاقة حتى في أفضل الظروف. لكن الناس يحاولون.
في العامرية، أشار إليّ رجل يرتدي بنطال جينز أسود متسخاً وقميصاً أحمر كُتب عليه "احرق ماضيك" لأقترب. وقال وهو يومئ برأسه نحو كشك الكباب: "لا تتحدث إليه، لقد سرق مني كيساً من الإسمنت". عرّف الرجل نفسه باسم أبو عرب، وأشار إلى مبنى بلا سقف يقع على الناصية. قال إنه منزل عائلته، وإنه عاد إليه للتو بعد 13 عاماً من الغياب. كان المبنى قائماً بأعمدته وألواح أرضيته المكشوفة، وقد بدت عليه آثار سنوات من القتال. لكن كانت هناك أيضاً دلائل على أعمال ترميم حديثة: جدار جديد من الطوب الخرساني على أحد الجوانب، وستائر معدنية مُركّبة حديثاً. دفع الباب ودخل بي إلى ممر مظلم حيث كانت تصطف بضعة أكياس من الإسمنت. قال، وشعره الأسود الدهني ينسدل على جبهته: "إنهم يسرقونها باستمرار، لذا عليّ الآن أن أنام هنا لحراستها". صعدنا الدرج بحذر. كانت بعض أجزائه منهارة، وأخرى أعاد صبّها مؤخراً. تشبثتُ بالحواف لأحافظ على توازني. فقال: "انتبه، لا تتكئ على الجدار، إنه يتصدع".
صعد برشاقة على الرغم من العرج الواضح في مشيته. تبعته إلى غرفة صغيرة في زاوية الطبقة الـ3. كان السقف قد أُزيل، وانفتحت الغرفة على سماء خريفية باهتة. وقال: "كانت هذه غرفتي. كان مكتبي هنا على اليسار، وسرير مفرد على اليمين، وخزانة ضيقة بينهما". وأشار بيده كما لو كان لا يزال يرى الأثاث، ويتذكر ألوانه وروائحه. وأضاف بابتسامة خفيفة: "كانت أصغر غرفة في المنزل، لكنني لم أكن متزوجاً حينها". وقال إن زوجته وأولاده كانوا يقيمون في شقة مستأجرة في التلال خارج العامرية، ينتظرونه حتى ينتهي من العمل في المنزل قبل أن ينضموا إليه. كانت الجدران سوداء من السخام ومليئة بثقوب أكبر من تلك التي يخلفها الرصاص عادةً. اصطحبني إلى أحدها وطلب مني أن أنظر من خلاله. وقال بفخر: "كان هذا موقع قناص. إنه يُطل على المنطقة بأكملها. كان ابن عمي متمركزاً هنا لفترة من الزمن".
وأخبرني سياسي محلي في حلب، رفض الكشف عن اسمه، أن نحو ثلثي المدينة أصبحا أنقاضاً. الدمار هائل لدرجة أن عملية إزالة الأنقاض وحدها ستستغرق سنوات، ناهيك بالبدء في إعادة الإعمار. وأضاف أن حلب ستحتاج إلى عقود لتعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب. وجميع جهود إعادة الإعمار حتى الآن محلية، بحيث يحاول أفراد - مثل أبو عرب - إعادة بناء منازلهم وأماكن عملهم. ويعتقد أنّ الترميم غير المنظم خطير، لأن معظم هذه المباني غير سليمة من الناحية البنيوية. وتساءل: "ماذا الذي يمكن أن يفعله الناس؟ إنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف الإيجار، ولا يريدون العيش في الخيام بعد اليوم".
ظهرت العامرية، التي تمتد على سلسلة من التلال على الأطراف الجنوبية لحلب، في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما بدأت المدينة - مثل الكثير من المدن في جميع أنحاء المنطقة - في التوسع، حيث استوعبت البلدات والقرى المجاورة والتهمت البساتين والحقول وحولتها إلى أحياء واسعة للطبقة العاملة تتكون من كتل خرسانية متطابقة. وقد أخبرني أبو عرب أن والده، وهو طبيب، بنى هذا المنزل بنفسه في مطلع الثمانينيات. كان مبنى متعدد الطبقات، يضم قبواً ومخازن في الطبقة الأرضية، و3 طبقات علوية لزوجته وأولاده. وقال أبو عرب وهو يربت على الجدار برفق: "لقد استخدم أجود أنواع الخرسانة في صب الأعمدة والأرضيات". وبعد انتقال العائلة إلى منزلها الجديد، تم تحويل المرآب وغرفة التخزين في الطبقة الأرضية إلى عيادة عمل فيها والد أبو عرب وشقيقه الأكبر؛ فكانا يقدمان العلاجات المحلية والحقن ويصرفان الأدوية. أما القبو، كغيره من الأقبية في الحي، فكان مكتظاً بمؤن العائلة الشتوية: البرغل الجاف، وزيت الزيتون، وصفوف من المرطبانات المليئة بالمربى والمخللات.
على السطح، كانت والدته تعتني بحديقتها الصغيرة المكوّنة من علب صفيح مليئة بالريحان والنعناع والطرخون، وحتى بشجرتي ليمون وزيتون صغيرتين. وفي ليالي الصيف الدافئة، كان أبو عرب وشقيقه يجلسان لساعات على الأرجوحة المعدنية، يدخنان ويستنشقان الروائح المختلطة للأعشاب والغبار. من ذلك السطح، كان الأخوان يحدقان في أضواء حلب، والطريق السريع المتعرج جنوباً باتجاه دمشق، والخطوط البعيدة للتلال، ولكن قبل كل شيء، كانا يراقبان المدينة نفسها: بحر من الأضواء الوامضة المتلألئة في الليل.
على مدى 5 آلاف عام، كانت حلب مدينة عظيمة تتوسط منطقة تمتد من شواطئ البحر الأبيض المتوسط، عبر الأراضي الخصبة لما يُعرف الآن بجنوب تركيا، وصولاً إلى الموصل في العراق الحديث. وعلى مر القرون، ازدهرت حلب كمركز تجاري وصناعي على حدّ سواء. وقد عانت من نصيبها من الغزوات والأوبئة والصراعات الأهلية والكوارث الطبيعية؛ ومع ذلك، تمكنت بطريقة ما من الحفاظ على طابع مميز يتجلى في هندستها المعمارية ومطبخها ونسيجها الاجتماعي لمجتمعاتها متعددة اللغات والأعراق، وكل ذلك يمكن ملاحظته في أسواق المدينة القديمة، مركز المدينة التاريخي.
وفي عام 2011، حين امتلأت شوارع سوريا بالمتظاهرين، ثم بمقاتلي المعارضة، تحوّل افتقار حلب للحماس الثوري وغياب الاحتجاجات شبه التام في المدينة إلى مصدر سخرية في البداية، ثم غضب من اللامبالاة التي شعر بها السكان. وأخيراً، في صيف عام 2012، وبعد أكثر من 15 شهراً على اندلاع الانتفاضة السورية، تقدم تحالف من فصائل المعارضة نحو حلب من مواقعها في الريف المحيط. وفي ذلك الوقت، قال لي أحد قادة المعارضة، وهو من أبناء حلب: "كان علينا إجبار الناس على الانضمام إلى الثورة". وعندما وصل القتال إلى حلب، هجرت عائلة أبو عرب منزلها. وعلى غرار الكثيرين من سكان الحي، اعتقدت العائلة في البداية أن عودتها مسألة وقت لا أكثر. لكن سرعان ما انضمت إلى موجة نزوح العائلات السورية من الحرب. ولا يزال أبو عرب يتذكر ويحزن على ممتلكات العائلة التي تركتها وراءها، ولا سيما طن ونصف من معجون الطماطم الذي نشرته والدته على السطح ليجف استعداداً للشتاء. فقال مبتسماً وهو يربت على بطنه الكبير: "أنت تعلم كيف نهتم نحن الحلبيين بهذه الأمور".
لقد تأثرت حرب المدن التي تلت ذلك، والتي تُعدّ من بين الأعنف في الذاكرة الحديثة، بالعمارة التي شيدها رجالٌ أمثال والد أبو عرب. فتصميم هذه الأحياء، بشوارعها الضيقة وشرفاتها المتقاربة ومبانيها المكعبة، التي توفر خط رؤية واضحاً، جعلها أرضاً مثالية للقناصة. فكان بإمكان مسلح واحد، يتمركز على سطح مبنى أو يختبئ في زاوية غرفة، أن يسيطر على مجموعة كاملة من الشوارع. وتحولت الطرق الطويلة الضيقة إلى مصائد موت. ورداً على ذلك، حفر المتمردون أنفاقاً تحت الأرض، كطرق إمداد وممرات هروب في البداية، ثم حشوها بالمتفجرات وأضرموا فيها النيران، ما أدى إلى انهيار مبانٍ بأكملها تحت الأرض.
وخلال فترات الهدوء في القتال، كان أبو عرب - الذي كان يسكن مع عائلته في منزل خرساني غير مكتمل على الجانب الآخر من التلال المطلة على العامرية - يعود إلى منزله. ومثل غيره من المدنيين، كان عليه أن يخوض رحلة شاقة عبر خطوط المواجهة، مروراً بنقاط تفتيش حكومية، ثم نقاط تفتيش للمتمردين. ثم يأتي الاندفاع عبر الأزقة التي يسيطر عليها القناصة. وفي كل مرة كان يصل فيها إلى المنزل، كان يجده أكثر تهالكاً من ذي قبل. وقال: "في البداية اقتحم الجيران المنزل وأخذوا أشياءً مثل قوارير الغاز. لا بأس، فالناس كانوا بحاجة إليها". لكن شيئاً فشيئاً، جُرِّد المنزل من كل مقتنياته. حتى أرجوحته المعدنية المحبوبة من السطح اختفت. و"عندما رأيتهم يفتشون ملابس أمي وأختي، وصور عائلتنا وأوراقنا، حتى شهادات والدي..." توقف، غير قادر على إكمال جملته.
في تلك السنوات، تشابكت حياة الناس ومنازلهم تشابكاً وثيقاً مع حياة المقاتلين. وفي الليل، كان المقاتلون ينامون في شقق مصادرة، حيث كانت ممتلكات أصحابها الأصليين لا تزال مبعثرة في أرجائها. علب طعام فارغة من الستايروفوم، وأرز متناثر، وزجاجات بلاستيكية ملقاة بجانب أكوام من ملابس النساء. وقد أحدث المقاتلون ثقوباً كبيرة في جدران الأبراج السكنية لإنشاء ممرات مؤقتة عبر الشقق المهجورة. وذات مرة، خلال السنوات التي غطيت فيها القتال في حلب، تتبعتُ مجموعة من الثوار وهم يشقّون طريقهم عبر أحد هذه الممرات. فسقطوا من خلال ثقب في مطبخ إحدى الشقق، وداسوا على حوض من الرخام. كان باب الثلاجة مفتوحاً وممتلئاً بالخضراوات المتعفنة. وقد ترك السكان السابقون مرطبانات من الزيتون المخلل والفلفل الحار سليمة على رف الخزانة.
وقد انطلق المقاتلون من المطبخ في ممر الشقة، الذي كان مغطى بطبقات سميكة من الغبار الأبيض وآثار أقدام عشرات الرجال. ثم دخلنا غرفة الأطفال، حيث كانت الألعاب مرتبة بدقة في صندوق بلاستيكي أزرق، وعبرنا من خلال فتحة أخرى في الجدار إلى غرفة نوم الجيران، حيث تخطينا أكواماً من الملابس وأحذية نسائية متناثرة على الأرض. ذكّرتني هذه الرحلة برسومات المقاطع العرضية التي درستها في كلية الهندسة المعمارية.
وبعد انسحاب مقاتلي المعارضة المناهضين للأسد عام 2017، أصبحت العامرية واحدة من الضواحي المهجورة المحيطة بحلب: صفوف من المباني المجوفة، واجهاتها متآكلة، وألواح خرسانية بارزة كأضلاع مكسورة، وشوارع بأكملها تصطف على جانبيها هياكل ترتفع من أكوام من الخرسانة الرمادية البنية كشواهد القبور. وفي الكثير من المناطق، منع نظام الأسد السكان من العودة إلى الأحياء التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة، وخاصة تلك ذات الأهمية العسكرية.
قبل الحرب الأهلية بعقود، ظلت حلب بمنأى عن الكثير من الصراعات الأيديولوجية التي هزّت سوريا. ومن أبرز مظاهر المقاومة، موقف المدينة القديمة الذي هددها مشروع تحديث حضري كان من شأنه تدمير أحياء تاريخية بأكملها. وعلى الرغم من حكم نظام البعث القمعي، نجح الحلبيون في مقاومة المشروع، وحصلت المدينة القديمة على مكانةٍ ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي في الثمانينيات.
وأكثر من أي مدينة أخرى في الشرق الأوسط، نجحت حلب في الحفاظ على هويتها التاريخية حتى العصر الحديث، ليس فحسب من خلال صون المباني والآثار القديمة، بل أيضاً من خلال الحفاظ على المدينة القديمة ككيان اقتصادي واجتماعي نابض بالحياة، حيث لا تزال الحرف التقليدية تُمارس في ورش العمل القديمة. وظلت المدينة القديمة وسوقها الشهير، سوق المدينة المنورة - أكبر سوق مسقوف في العالم - في قلب الحياة التجارية للمدينة، متجمعة حول خاناتها القديمة. كانت الخانات عبارة عن مجمع مكون من طبقتين أو 3 طبقات مبنية حول فناء مركزي حيث يمكن للتجار والحجاج والمسافرين الاستراحة وإيواء حيواناتهم وتخزين بضائعهم وإتمام تجارتهم، وتراوحت بين النزل المتواضعة على جانب الطريق والمجمعات المزخرفة بشكل رائع التي تبرعت بها العائلات الثرية وحكام المدينة.
في أواخر العام الماضي، في متاهة الأزقة المسقوفة بالسوق، وجدتُ رجلاً يُدعى أنس جالساً في فناء خانه القديم، وإلى جانبه أحد أبنائه وتاجران. كان الخان نفسه عبارة عن أنقاض. ففي عام 2023، ضرب زلزال المنطقة، وألحق أضراراً جسيمة بمدينة قديمة كانت قد أضعفتها سنوات من القتال. وبينما كنا نتحدث، تأرجحت مشاعر أنس بين الألم، وهو يستذكر خسائره وخسائر مدينته، وبين البهجة التي غمرته لعودته إلى الأسواق القديمة.
قبل الحرب، كان أنس رجل أعمال ميسور الحال، يمتلك مصانع ملابس في المدينة القديمة وعدداً من العقارات في أنحاء المدينة. في ذلك الوقت، كان يحب أن يكون أول الواصلين إلى الخان، قبل أن يمتلئ السوق المسقوف بالحشود. كان يتأمل فناء الخان، معجباً بنوافذه المقوسة العالية. وإذا مدّ عنقه قليلاً، كان بإمكانه أن يلمح مئذنة مسجد قريب، تعود إلى القرن الـ16. وبمجرد اندلاع القتال في حلب، لم يكن سوى مسألة وقت قبل أن تحترق الأحياء التاريخية. إذ اندلعت الحرائق الأولى في أجزاء من سوق المدينة المنورة عام 2012. والتهمت النيران أجزاءً من الجامع الكبير، كما احترقت المكتبة في جناحه الشرقي، التي كانت تضم مخطوطات لا تقدر بثمن. وبعد ذلك بوقت قصير، انهارت المئذنة. واختفت تباعاً الخانات والحمامات والمباني ذات الأهمية التاريخية والدينية التي لا تُضاهى. وبينما كان المتمردون يحفرون أنفاقاً تحت الحي القديم، انفجرت عبوات ناسفة ضخمة تحت ثكنات تعود إلى العصر العثماني، فابتلعت هياكل بأكملها في التجاويف التي أحدثتها الانفجارات.
وبحسب روايته، عندما بدأت الانتفاضة عام 2011، لم يكن أنس مهتماً بالسياسة. ولم يصبح متطرفاً إلا بعد عام، إثر حادثة مهينة على يد شرطة الأسد، الذين ضربوه واعتقلوه، وأجبروه على الركوع على الأرض في سوقه المحبوب أمام أنظار التجار الآخرين. وبعد دفع رشوة قدرها 800 دولار، أُطلق سراحه. لكنه أخبرني أن لحظة الخزي العلني تلك وضعته على مسار لا مفر منه. وقال: "في ذلك اليوم، قررتُ أن أضحي بحياتي، وثروتي، بل وحتى حياة أطفالي، لإسقاط ذلك النظام". ثم شكّل جماعة متمردة صغيرة مؤلفة في معظمها من سكان المدينة القديمة: بعض عمّال مصنعه، وحتى عدد قليل من أبنائهم. واتخذوا من أزقة الأسواق، حول بوابة أنطاكيا، مقراً لهم. وفي عام 2017، بعد انسحاب الثوار من حلب، تسلل أنس إلى تركيا وقرر البدء من جديد، في مجال تخصصه وهو صناعة الملابس. وبعد بضع سنوات، عندما ازدهر عمله، تمكن من جمع ما يكفي من المال لتوفير شقق مستقلة لأبنائه وتوسيع نطاق عمله.
لكن ألم المنفى لم يفارقه قط. فكان يجلس كل ليلة مع عائلته، يردد القصص نفسها عن رحلة والده وجده إلى حلب وأسواقها القديمة، وكيف أن كل ما بنوه هناك قد زال. وقال لي: "حتى زوجتي وأبنائي ملّوا من تكراري القصص القديمة نفسها عن حلب. لم يبقَ لي أحد أروي له هذه القصص سوى حفيدي الأصغر". في كل يوم أحد، كان يأخذ الصبي إلى حديقة في إسطنبول ويعيد عليه الحكايات نفسها: "كانت لدينا أراضٍ ومصانع في أعظم مدينة في العالم. كان الصبي المسكين يستمع بهدوء. وأحياناً كان يقول: جدي، أنا أعرف كل ذلك، لكنه مع ذلك كان يستمع من دون أن يتذمر".
يتألف سوق المدينة من شبكة من الأسواق الصغيرة، كل منها مخصص لتجارة معينة: التوابل، والحبال، والزيتون، والأقمشة، وما إلى ذلك. وقد تم تجديد 9 أسواق من أصل 54 سوقاً؛ وعندما زرتها، كانت تعج بالناس مرة أخرى: المتسوقون يتدافعون، والتجار يصيحون، والحمالون يفسحون الطريق لعرباتهم اليدوية، والزبائن يختبرون الملابس الداخلية وحمالات الصدر عن طريق قرص القماش بين السبابة والإبهام.
لا يزال عدد كبير من الأسواق مدمراً. القباب انهارت والعشب ينمو على أسطح الأكشاك المدمرة. ولا تزال أبواب المحال ملتوية ومثقوبة بفعل الرصاص. وفي خانٍ قديم استُخدم كثكنة عسكرية خلال الحرب، تدعم قضبان حديدية كانت تُشكّل جزءاً من واجهات أنيقة، جدراناً نصف مدمرة. أما في الداخل، فكانت لا تزال هناك أكوام من أكياس الرمل، وعلب مؤن عسكرية صدئة، وفرشات قذرة. وقد حوّلت النيران سقفاً مقبباً إلى اللون الأسود، وثقبت الرصاصات أجزاءً من الجص، ما أعطى انطباعاً بنجوم تتلألأ في سماء مظلمة. وفي منتصف ما كان يوماً ما شارعاً حيوياً، تجد أريكة أحد الحراس القدامى مهجورة.
وفي لحظة ما، بينما كنت أسير في زقاق مظلم، علا صوت طبل من حمام. وتجمع حشد صغير بينما كان شبان يرقصون مع عريس متجهين إلى موكب زفافه. وأسرع بعض الناس متجاوزين الدمار نحو أجزاء الأسواق التي تم ترميمها، بينما توقف آخرون لالتقاط صور تذكارية.
وفي أحد أقدم الخانات وأروعها، كان نحو 12 شاباً يجلسون القرفصاء على الأرض، في شبه ظلام، يحوّلون قطع الصابون إلى مكعبات مثالية، وكأن الحرب لم تطأ هذه المدينة قط، بينما تمتد الأنقاض والركام لمئات الأمتار في الخارج. ولا تزال بعض الأسقف متفحمة، بينما تم ترميم البعض الآخر. بعض أعمال الترميم دقيقة، تحترم الطابع القديم للمكان؛ بينما تبدو أخرى كأروقة مركز تجاري. حتى في تلك الأسواق التي لا تزال آثار الحريق بادية عليها، حيث تقف أزقة السوق بأكملها مظلمة ومهجورة، عاد الرجال ليجلسوا على كراسي بلاستيكية أمام متاجرهم المدمرة ينتظرون ويراقبون، رافضين مغادرة المكان الذي صنع هويتهم.
أخبرني أنس أن التحدي الأخير الذي يواجهه يأتي من بعيد، من الصين. فمنذ سقوط النظام، تم إلغاء الرسوم الجمركية وخفض الأسعار، الأمر الذي أغرق الأسواق القديمة بالبضائع المستوردة الرخيصة وشلّ الصناعات المتبقية في حلب. وأشار أنس إلى أنه "في حال لم يوقفوا الواردات، فلن أتمكن من إعادة فتح ورش العمل الخاصة بي. هل تعلم كم عدد الأشخاص الذين يعملون لصنع حمالة صدر واحدة؟ هناك من يقوم بالخياطة، ومن يقوم بلصق الإسفنج، ومن يقوم بتثبيت الشريط المطاطي، ثم..." توقف، وهو يعد على أصابعه. "35 شخصاً يعملون على صنع حمالة صدر واحدة". نظر حوله في الفناء المدمر، والأقواس المكسورة والحجارة المتساقطة. وقال: "لست بحاجة إلى الأمم المتحدة أو الأميركيين. أغلقوا الحدود أمام البضائع الصينية فحسب، وسنجد عملاً لآلاف العمّال".
في الأسابيع الأخيرة، تعرضت منطقتان كرديتان في حلب للقصف، وتشير التقارير إلى اعتقال أكثر من 300 كردي. كانت هاتان المنطقتان تُعتبران آمنتين نسبياً خلال الحرب، وهما مكتظتان بالسكان - عرب وكرد ومسيحيون - الذين فروا من منازلهم بعد تدميرها. كان السياسي المحلي الذي تحدثت إليه منخرطاً في مفاوضات تأمين ممر آمن للمدنيين الذين يحاولون الفرار من هذه الموجة الجديدة من القتال. وقال: "أرى أعمدة الدخان تتصاعد من الشيخ مقصود [إحدى المنطقتين]، ومشاهد الناس وهم يفرون تفطر قلبي. إنها أشبه بأيام الحرب الأولى". ويقول إنّ موجة العنف الأخيرة نابعة من عجز الطرفين عن التوصل إلى حل. فـ"الحكومة لا تستطيع قبول وجود تشكيلات مسلحة داخل المدينة [الكرد]، والكرد لا يريدون التخلي عن أسلحتهم لأنهم لا يثقون بالحكومة".
وفي أثناء التجوال بين أنقاض حلب، غالباً ما ينتاب المرء شعور بأن الصراع لم ينتهِ بعد، وكأن القناصة ما زالوا يتربصون من مخابئهم. مدن مثل بيروت وسراييفو والموصل تبدو وكأنها تعيش باستمرار في ظل حروبها السابقة. ولعل السبيل الوحيد للتغلب على هذا الخوف ليس بمحو الأنقاض وإعادة الإعمار من جديد، بل باتباع طريقة أبو عرب في مواجهة الدمار شيئاً فشيئاً، بإصلاح هيكل، وتركيب باب، وترميم جدار، والتغلب على الأنقاض خطوة بخطوة.
سألتُ أبو عرب إن كان قد حاول العودة إلى المنزل والسكن فيه بعد انتهاء القتال في حلب عام 2017، فردّ بالإيجاب. بعد بضعة أشهر من رحيل الثوار، حاول العودة إلى المنزل مرة أخرى، لكنه هذه المرة، وجد المنزل محتلاً من قبل فرقة جنود تابعة للحكومة. كانت الجدران سوداء من السخام، وكل ما لم يُنهب في السابق قد اختفى. لم يصدق الجنود روايته بأنه كان يزور منزل عائلته. فاعتقلوه على الفور، ورفعوه من السقف من ذراعيه، وبدأوا باستجوابه وتعذيبه: ألم يكن هذا المنزل محتلاً من قبل إرهابيين؟ من هم؟ هل سمح لهم بإقامة موقع قناصة في الطابق العلوي؟
لم تطل فترة اعتقاله وتعذيبه. إذ لم يعثر الجنود على أي شيء بحوزته، سوى أنه لم يُكمل خدمته العسكرية الاحتياطية. فتم تجنيده على الفور وإرساله للخدمة في الجيش لمدة عامين. وخلال إحدى المعارك، أُصيب في ساقه، وهي إصابة لم تلتئم قط (وهذا سبب عرجه). بعد ذلك، انتظر سقوط النظام قبل أن يجرؤ على العودة. وقبل مغادرته، اصطحبني إلى ما كان على الأرجح غرفة المعيشة. كانت الغرفة مليئة بفرش الجنود القدامى والقمامة. ومن خلف علبة طلاء، أخرج علم النظام السابق: أحمر وأسود وأبيض بنجوم خضراء.
سألته: "لماذا ما زلت تحتفظ به؟" فأجاب: "لا أدري، لا أحد يعلم ما قد يحدث في هذا البلد".
سألته مندهشاً: "هل تعتقد حقاً أن الأسد قد يعود؟" فقال بهدوء: "لا أدري. لقد رأينا الكثير... وتلقينا نصيباً وافراً من العقاب مرات كثيرة".
نقلته إلى العربية: زينب منعم.