"الغارديان": قصف الطفولة.. كيف طغى اقتصاد الانتباه على برامج الأطفال التلفزيونية؟
هل يتيح البرنامج المفضّل لدى طفلك فرصةً للتأمل، أم أنه يمضي بسرعةٍ تحول من دون استيعاب ما يشاهده؟
-
"الغارديان": كيف طغى اقتصاد الانتباه على برامج الأطفال التلفزيونية؟
صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر تقريراً يتناول تأثير سرعة إيقاع المحتوى الرقمي ووسائل الإعلام الموجّهة للأطفال في قدرتهم على الفهم والتركيز والتعلّم. ويرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بنوع المحتوى أو مدة المشاهدة، بل أيضاً بالسرعة التي تُقدَّم بها الصور والمعلومات والمحفزات، لأن الإيقاع المتسارع قد لا يمنح الطفل وقتاً كافياً لاستيعاب الأفكار أو بناء المعنى.
كما يناقش التقرير منطق "اقتصاد الانتباه" وكيف انتقلت آلياته إلى محتوى الأطفال، بحيث تُستخدم الحركة السريعة والألوان والمكافآت المتلاحقة للحفاظ على انتباه الطفل باستمرار. وفي المقابل، يطرح مفهوم "الإعلام البطيء" الذي يترك مساحة للتأمل، والتكرار، وفهم المشاعر والعلاقات والقصص بوتيرة تناسب تطور الطفل.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
كنت في قاعة المغادرة في المطار أنتظر الإقلاع، بينما كان المسافرون يجرّون حقائبهم مسرعين. رأيت صبياً صغيراً يجلس ساكناً تماماً بجانب أمه، يمسك جهاز "آيباد" ملتصقاً بصدره، ويقبض على الشاشة بتشنّج كما لو أنها قد تهرب منه إن لم يفعل. اقتربت من الشاشة التي يتمسّك بها الصبي، فرأيت شخصية كرتونية باللون الأخضر تنتزع لعبة من شخصية أخرى باللون الوردي، فتجهش الأخيرة بالبكاء، وتتطاير الدموع من عينيها الهائلتين مثل ذرات الزينة. ثم تصرخ الشخصية الخضراء معتذرة، فتتوقف الدموع فوراً وتحلّ محلها ابتسامة عريضة. وقبل أن أرمش، أو أتمكن حتى من معرفة ما إذا كانت الشخصيات تتحدث الإنكليزية أم العربية كما تفعل الأم مع الصبي، كان المشهد قد تغيّر، وصارت الشخصيتان تجدفان بقارب على خلفية أغنية عشوائية. كانت عينا الصبي تتحركان في جميع أنحاء الشاشة، لكن جسده ظل ساكناً، فيما كان انتباهه يُساق مسرعاً لتتبّع الإشارات المتوالية.
تُقيَّم وسائل إعلام الأطفال عادةً من حيث محتواها ومدتها الزمنية، وما إذا كانت تعليمية، ومناسبة للعمر، ومتنوعة، وتشجّع على السلوك الاجتماعي الإيجابي، وتجارية لكنها آمنة. وهذه الأسئلة مهمة، وقد درستها مع زملائي من خلال التجارب، وهي تسهم في وضع إرشادات أو لوائح تنظيمية أو مجموعات أدوات للمصممين. لكننا أغفلنا سمة تصميمية أكبر قد تكون بالقدر نفسه من الأهمية، وهي مقدار الوقت الذي يتيحه الوسيط للطفل لإنتاج المعنى.
فقد يتضمن أي برنامج أو تطبيق دروساً مفيدة وجيدة، لكن ما نراه هو تحريك المحتوى بسرعة كبيرة لا تسمح لهذه الدروس بأن تترسخ. فعلى سبيل المثال، في سلسلة الرسوم المتحركة التعليمية الأميركية "اسأل ستوري بوتس"، بين عامي 2016 و2020، قد يبدو المحتوى المعرفي ثرياً حقاً، إذ يتناول أسئلة مثل: لماذا السماء زرقاء؟ وكيف ترى العين؟ ومن أين تأتي الكواكب؟ وتُقدَّم الإجابات من خلال نكات سريعة، وأغانٍ، وتحولات بصرية، وتغييرات مفاجئة في الأسلوب. وقبل أن يحظى الطفل بالوقت الكافي للتأمل في صورة واحدة أو فكرة ما، ينتقل المشهد إلى التالي مصحوباً بومضة جديدة من المعلومات.
حين تتحول السرعة إلى عائق أمام الفهم والتعلّم
تفرض الوسائط المختلفة متطلبات زمنية مختلفة، من الصور الرقمية والألعاب إلى المسلسلات التلفزيونية، إذ يطلب كل منها من الطفل أن يوجّه انتباهه إلى صور متعاقبة. وعبر مختلف الوسائط، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان الإيقاع يتناسب مع التجربة التي يدّعي السرد أنه يدعمها. فهل يتاح للأطفال الوقت لمتابعة قصة، أو فهم فكرة، أو التماهي مع شخصية، أو تنظيم الانفعال، أو مشاركة الانتباه مع شخص آخر؟ أم أنهم يُدفعون باستمرار إلى متابعة سلسلة متوالية من الإشارات، والمكافأة التالية، والجرعة اللاحقة من التحفيز؟
عندما تتحرك المواد المقدَّمة بسرعة مفرطة، تتداعى طبقات التجربة فوق بعضها بعضاً. فقد يضحك الطفل على شخص ينزلق على قشرة موز، لكنه لا يلتقط سوى ما يراه من حماقة ظاهرية، فيفوته الترقب والانقلاب المفاجئ اللذان يجعلان النكتة ناجحة. وقد تواسي إحدى الشخصيات صديقاً، لكن إن انتقل المشهد بسرعة بالغة، فلن يكون لدى الطفل متسع من الوقت ليدرك فعل الإصلاح، أو ليتخيل أنه يقوم بالمثل في غرفة الروضة. ولتنمية التعاطف في السنوات الأولى، لا بد للطفل من أن يلاحظ أن شخصاً آخر يشعر بشيء مختلف. فهذا الفعل الصغير، والانتقال إلى الضفة الأخرى، يحتاجان إلى وقت.
كذلك، فإن الإيقاع ليس سمة أسلوبية ثانوية في وسائل إعلام الأطفال، بل هو إحدى الطرق التي تكشف كيف يتخيّل الإعلام الطفل: هل هو مستهلك يجب الاحتفاظ به، أم جهاز عصبي يجب تحفيزه، أم وعاء يُملأ بالمحتوى التعليمي، أم شخص ما يزال انتباهه في طور التشكل، وبالتالي يحتاج إلى وقت كي يصل إلى المعنى؟
يميل البعض إلى الشعور بالقلق من المحتوى العنيف، والإعلانات وسواها مما تقدمه الشاشات، أو من التساؤل عما إذا كان التطبيق تعليمياً بالفعل أم يكتفي بوصف نفسه بذلك. وهذه مخاوف منطقية، لكن لو خصصت خمس دقائق لمشاهدة ما يتابعه العديد من الأطفال الصغار، فستلاحظ مدى سرعة وسطوع كل شيء على الشاشة. ولا يهم إن كان الطفل يشاهد على هاتف ذكي في السيارة أو على تلفاز في المنزل؛ فقد ورثت الشاشة منطقاً واحداً صُمّم أساساً للبالغين.
هذا هو منطق "اقتصاد الانتباه"، الذي يرهق المستخدم ويشتت انتباهه، ومن ثم يصبح من الأسهل على الشاشة توجيهه. فقد دُمجت في "اقتصاد الانتباه" مجموعة من ميزات التصميم الصغيرة التي تهدف إلى اختصار الوقت. فمثلاً، زر "الإعجاب" أسرع من كتابة تعليق إيجابي، بينما يخبرنا شريط التقدم بالدقائق المتبقية في المادة المعروضة قبل أن نقرر ما إذا كنا سنتابعها حتى النهاية. وبشكل متزايد، يجيب الذكاء الاصطناعي عن بعض الطلبات بالإشارة إلى أن النص طويل، ويعرض على المستخدم ملخصاً سريعاً.
بالطبع، هناك خصائص تعمل في الاتجاه المعاكس، وتتيح للمستخدم مساحة للتفكير والحكم، مثل الرسائل المؤجلة، والنافذة التي تسأل: "هل أنت متأكد من رغبتك في حذف هذا؟"، وهي ميزات تقطع الإجراء التلقائي. كذلك، تُعدّ السلاسل الوثائقية عن الطبيعة نموذجاً جيداً لوسائل الإعلام الموجهة للأطفال. فعلى سبيل المثال، في المسلسل التلفزيوني "كوكب ما قبل التاريخ"، بين عامي 2022 و2025، يشجّع التعليق الصوتي لديفيد أتينبورو، إلى جانب الصور التوضيحية، الأطفال على التدقيق والتأمل في أشكال الحياة غير المألوفة. لكن هذه تبقى استثناءات ضمن نظام أوسع يتمسك بالسرعة بوصفها حاجة افتراضية.
عندما يكتظ التعلم بمحتوى متسارع ومتلاحق، تُقدَّم للطفل المشكلة وحلها فوراً، لكن سرعة العرض لا تترك وقتاً كافياً لاستيعاب هذه الدروس. فعلى سبيل المثال، في مسلسل الرسوم المتحركة "باو باترول" (2013)، تظهر عمليات الإنقاذ بصورة واضحة ومطمئنة؛ إذ نرى شخصاً ما في ورطة، فتتجمع حوله "الجراء" لمساعدته، ويستخدم كل منها مهارة في سبيل ذلك. لكن الانتقال من المشكلة إلى الحل غالباً ما يكون سريعاً إلى درجة أن الطفل ينجرف وراء الإلحاح بدلاً من أن يُدعى إلى التفكير في المسؤولية أو الاهتمام بالآخر. وبالمثل، في لعبة "هوت ويلز أنليميتد"، قد يوحي بناء المسارات وسباق السيارات بالإبداع وحل المشكلات، لكن الإيقاع السائد هو التسارع.
كشفت الأبحاث أموراً إيجابية عديدة عن وسائل الإعلام المخصصة للأطفال. فبعض البرامج التلفزيونية التعليمية، ومنها "شارع سمسم"، يدعم التعلم، كما أن بعض التطبيقات مصممة بشكل أفضل من غيرها، ويمكن للميزات التفاعلية في الكتب الرقمية أن تساعد عندما تخدم السرد، لكنها تشتت الانتباه عندما لا تفعل. كذلك، تشكّل الشخصيات والقصص أفكار الأطفال حول الهوية والجندرية والحياة الاجتماعية. وتتجاوز أهمية وتيرة السرعة كونها مجرد خاصية، لتصبح شرطاً يتحول في إطاره المحتوى إلى تجربة.
قد يمر وقت الشاشة سريعاً أو بطيئاً، وهذا جزئياً ما يجعل مجرد حساب "وقت الشاشة" مقياساً غير دقيق. فقد يشاهد طفلان 20 دقيقة من الوسائط الإعلامية، لكنهما يخوضان تجربتين مختلفتين تماماً مع الوقت. في إحدى الحالتين، ينساق الطفل عبر قصة متماسكة تتخللها فواصل وتكرارات ولحظات عاطفية مألوفة. وفي حالة أخرى، يتنقل بين 10 مقاطع، و30 شخصية، وألوان متلألئة، وأغانٍ مفاجئة، ومكافآت تأتي قبل أن تتاح له فرصة التفكير أو فهم ما يجري. المؤقت يسجل المدة ذاتها، لكن الطفل لا يعيش الوقت المقاس نفسه، بل أقل.
الآباء محقون في قلقهم. فالطفلة في الرابعة من عمرها لا تتعامل مع وسائل الإعلام بقدرات الكبار على ضبط النفس، لأنها ما تزال تتعلم كيف تتفاعل مع مشاعرها، وكيف تنتظر تطور القصة، وكيف تربط بين الأحداث، وكيف تلاحظ أهمية حزن الشخصية قبل أن تمحوه النكتة اللاحقة. وإذا كان البرنامج سريعاً جداً، فقد يتشجع الطفل على توقع وصول المعلومات في دفعات سريعة ومتغيرة باستمرار، ما يجعل أشكال الانتباه الأبطأ والأكثر استدامة أكثر صعوبة في التحمل. ولكي نبدأ كسر هذه الحلقة المفرغة، لا بد من التساؤل عما يجعل وسائل الإعلام الموجهة للأطفال سريعة أو بطيئة.
لا يمكن الزعم بأن الإعلام البطيء جيد دائماً أو أفضل من الإعلام السريع. فبعض وسائل الإعلام الحيوية الموجهة للأطفال قد تكون ممتازة، في حين قد تكون بعض وسائل الإعلام البطيئة مملة أو خاملة أو رديئة الصنع. الفكرة هي أن وسائل الإعلام الجيدة تمنح الطفل وقتاً كافياً للتركيز، بينما تستمر وسائل الإعلام الرديئة في مقاطعة هذا التركيز قبل أن يتحول إلى ذكرى أو لعبة.
عندما قارن فريق بحثي بين برامج الأطفال والتطبيقات والقصص الرقمية، لوحظ أن وتيرة سرعة العرض يمكن تفكيكها إلى مجموعة من خيارات التصميم. فالقصة قد تسير بطريقة تساعد الطفل على توقع ما سيحدث لاحقاً، أو قد تنتقل بسرعة كبيرة بين المشاهد إلى درجة تصبح معها العلاقة بين السبب والنتيجة غير واضحة. ويمكن للشاشة أن توجه النظر نحو عنصر مهم، أو أن تملأها بحركات متنافسة على الانتباه.
ولهذا السبب، فإن مصطلح "التفاعل" المألوف لدى الكبار غير مناسب للأطفال. فقد يبدو الطفل منغمساً تماماً في المحتوى، بينما لا يُمنح إلا القليل من الوقت للتفكير. لذلك سعينا، في مشروع الإعلام البطيء للأطفال، إلى إبراز هذه الفروقات وتقييم وسائل الإعلام الموجهة للأطفال من خلال دراسة كيفية تنظيمها للوقت.
ولا بد من طرح أسئلة مثل: هل السرد متماسك بما يكفي للمتابعة؟ هل يطغى المجال الحسي على عملية بناء المعنى في مراحل عمرية محددة؟ هل يتضمن التصميم نقاط توقف تسمح باستيعاب القصة قبل استكمالها؟ هل يتيح العمل الإعلامي فرصة للتعلم من خلال التكرار الهادف؟ وهل تتيح القصة أو العمل الفني فرصاً للأطفال والبالغين لملاحظة شيء ما معاً؟
الإعلام البطيء.. مساحة للتركيز والتأمل
عندما نصحت وزارة التعليم البريطانية، في آذار/مارس 2026، أولياء أمور الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات باختيار محتوى "بطيء الوتيرة ومناسب لأعمارهم"، من دون توضيح المقصود بالمحتوى البطيء الوتيرة، سعت مجموعتنا إلى توضيح المصطلح وجعله ملموساً بلا غموض.
ويعتمد الأمر على عدة عوامل تجعل برنامجاً ما بطيئاً أو سريعاً بالنسبة إلى طفل معين، إذ يختلف الأطفال في العمر، والمزاج، واللغة، والحساسية الشعورية، والظروف المحيطة. ولذلك، ومن دون اختبار استجاباتهم، يستحيل تقديم توصية قاطعة، فما يناسب طفلاً في الرابعة من عمره قد يكون صعباً على طفل آخر. لذلك، نقدم التقييمات بوصفها دليلاً إرشادياً للبالغين فحسب، وهي مجرد أمثلة توضيحية تدعو الآباء إلى التحقق مما إذا كان طفلهم يحصل على وقت كافٍ لإتمام مهمة ما.
تُعدّ البرامج التي تحقق أعلى الدرجات وفق معيار التعلم البطيء تلك التي تتيح مساحة كافية حول تصرفات الشخصيات، وتسمح للطفل بالتعرف إليها. وغالباً ما تقدم على شاشتها وجهاً، أو دمية، أو أغنية، أو تحية، أو شخصية مألوفة، ما يجعل الانتباه بمثابة علاقة مع الطفل.
في الواقع، تكمن قوة برامج مثل البرنامج الأميركي "حي السيد روجرز" (1968-2001)، والمسلسل النرويجي "فانتورانغن" (2007-)، والبرنامجين البريطانيين "في حديقة الليل" (2007-2009) و"تيليتابيز" (1997-2001)، في بناء علاقة ودية مع الطفل ثم تكرارها كما لو كانت طقساً. فهذه الأفعال الصغيرة، من تحيات أو أغانٍ، توفر إطاراً مألوفاً أشبه بشبكة أمان يمكن من خلالها تقديم مفاهيم جديدة.
في مسلسل الرسوم المتحركة الأسترالي "بلووي" (2018-2024)، غالباً ما تبدأ القصة بموقف عائلي عادي، ثم تتطور إلى لعبة خيالية تشمل الوالدين والأشقاء والأصدقاء. وقد يكون الإيقاع سريعاً، لكنه يميل إلى إعادة الطفل إلى اللعب التخيلي والتفكير والفهم العاطفي.
وفي مسلسل الرسوم المتحركة "مغامرات بادينغتون" (2019-2025)، وهو من إنتاج بريطاني- فرنسي مشترك، تجري الحوادث الطريفة عادةً ضمن عالم من الفضول والأدب والأسرة والإصلاح، لتصبح الكوميديا سبيلاً إلى المثابرة أو الفهم الاجتماعي. وتتميز هذه البرامج بوتيرة بطيئة لأنها تترك فجوات تسمح للقصة بالعودة إلى المعنى.
تُعدّ الحوارات بين الشخصيات وسيلة أخرى تقدم من خلالها البرامج التلفزيونية ذات التصنيف العالي مفاهيم جديدة بوتيرة مناسبة. فعند تقديم كلمة أو فكرة جديدة ضمن سياقها، قد لا تكون واضحة فوراً، لكن الطفل يستطيع ملاحظتها والاستنتاج منها. ومع مرور الوقت يصل الطفل إلى الفهم، وتساعده هذه العملية البطيئة، بل والشاقة أحياناً، على ترسيخ المفهوم.
فعلى سبيل المثال، في إحدى حلقات مسلسل "حي دانيال النمر" (2012)، المستوحى من برنامج "حي السيد روجرز"، يشعر دانيال بالتوتر حيال تجربة الأرجوحة، فيسمح المشهد بالاعتراف بهذا الشعور، والتعبير عنه بالغناء، وتحويله تدريجياً إلى ثقة، بدعم من جودي، صديقة دانيال، وجدتها.
وبالمثل، في تطبيق لعبة "إلمو يحب الحروف الأبجدية"، المستوحى من برنامج "شارع سمسم"، يُقدَّم الحرف من خلال تتبعه ونطقه وتكراره وربطه بالكلمات والتعرف إليه عبر اللمس واللعب.
في المقابل، تُبقي الوسائط الأقل تقييماً انتباه الطفل مشتتاً بإيقاع متلاعب يعيد جذب انتباهه باستمرار عبر اللحن اللاحق، والصورة الزاهية التالية، أو الإيقاع الكوميدي، وتكرار عنصر الألفة أو التوجيه الشخصي، بدلاً من إتاحة الفرصة للطفل كي يندمج في القصة. وينطبق الأمر ذاته على العديد من تطبيقات الألعاب المبنية على حلقات من المكافأة والتقدم.
وقد علّمني تقييم وسائل الإعلام الشعبية للأطفال أن السرعة مقياس كاشف للجودة، لكنها أيضاً مؤشر إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرة الطفل على الفعل وإحساسه بذاته.
يكمن الفرق الحقيقي في ما إذا كانت الوسيلة الإعلامية تتيح للطفل مساحة للتركيز على ذاته، أم أنها تعيد توجيهه باستمرار. فعندما تملأ كل لحظة صمت، وتحسم كل غموض فوراً، وتسحب كل فكرة شاردة بإشارة أكثر إشراقاً، يصبح الانتظار والتأمل أمراً لا يُطاق. ويتعلم الطفل حينها أن يندفع نحو المحفز التالي قبل أن يستقر المحفز السابق.
لذلك، فإن إتاحة المجال لانتباه الطفل كي يتأمل وينجرف نحو الداخل هي بمنزلة إفساح المجال لحياته الداخلية. كما تغيّر الوسائط الإعلامية البطيئة العلاقة بين الشاشة والطفل، إذ توضح له أنه يستطيع الوصول إلى ما يريد بوتيرته الخاصة.
قد يستخف بعض النقاد بالإعلام البطيء، ويعتبرونه شوقاً وحنيناً إلى الماضي وبرامج الأطفال التلفزيونية لدى الجيل السابق، أو امتيازاً متاحاً فقط للآباء الذين يملكون الوقت الكافي، ومكتبات واسعة، ومنازل فسيحة ذات غرف هادئة. لكن هذا مفهوم يجب رفضه.
لقد درّبنا اقتصاد الانتباه على اعتبار توقف الطفل مشكلة، ونظرته الشاردة ضياعاً للتفاعل، ولحظة الفراغ وقتاً مهدوراً. والحقيقة هي عكس ذلك تماماً؛ فالوقت البطيء يمنح الأطفال مساحة للإدراك والمعالجة والتفاعل واستخلاص المعنى، ويمكن تصميم وسائل الإعلام الموجهة للأطفال بما يتناسب مع ذلك.
تماماً مثل مشروبات الطاقة، تُقدَّم وسائل الإعلام السريعة كما لو أنها تمنح الطفل قدرات تفوق ما يمتلكه فعلياً، إذ يُفترض أن تؤدي زيادة الانتباه إلى أداء أفضل. وتبدو هذه الوسائل وكأنها امتداد لطاقة الطفل، لكن هذه الصفقة غير مستدامة وغير صحية. وما يبدو دعماً قد يتحول إلى إدمان، والزعم بالانخراط والتعلم قد يصبح في الواقع شكلاً من أشكال الإكراه.
فالأطفال يحتاجون إلى وسائل إعلام لا تقتصر على إشغالهم أو تعليمهم أو إسكاتهم فحسب، بل تمكّنهم أيضاً من الاستفادة والنمو، وتساعد القصص والبرامج على تنمية قدرتهم على التأمل والتواصل مع الآخرين.
وعلى عكس وسائل الإعلام السريعة، التي تشغل انتباه الطفل باستمرار عبر سلسلة متوالية من المحفزات، تصر وسائل الإعلام البطيئة على عكس ذلك. وفي النهاية، لا يهدف الأمر إلى عزل الأطفال عن العالم الرقمي، بل إلى جعل هذا العالم أكثر ملاءمة لهم.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.