"الغارديان": فنزويلا تدفع ثمن غرور ترامب
استولى الرئيس الأميركي على الثروة الطبيعية لفنزويلا إرضاءً لغروره، لا بهدف خفض فواتير الوقود التي يدفعها الأميركيون.
-
ديلسي رودريغيز، الرئيسة المؤقتة لفنزويلا، أثناء توقيع اتفاقية نفطية مع الولايات المتحدة في كراكاس، 2 أيلول/سبتمبر 2026.
هيئة تحرير صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر مقالاً قدّمت فيه رأيها في صفقة النفط التي أبرمها دونالد ترامب مع فنزويلا، معتبرةً أنّها تمثل شكلاً حديثاً من الإمبريالية الأميركية، يقوم على الإكراه والسيطرة غير المباشرة على الحكم والموارد.
كما شككت في المكاسب الاقتصادية التي يروّج لها ترامب، معتبرة أنّ النفط الفنزويلي لن يخفض سريعاً أسعار الطاقة، وأنّ ما تحقق فعلياً هو استعراض للقوة الأميركية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
لا تتطلب الإمبريالية رفع علم أو إرسال حاكم. بل قد تكون دولة قوية تقرر من يحكم دولة أصغر وأضعف، وبأي شروط ولمن تُستغل مواردها. إن اختطاف دونالد ترامب لنيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، وتعيين نائبته ديلسي رودريغيز رئيسةً بدلاً منه، ثم توقيعها اتفاقيةً تُمنح بموجبها الولايات المتحدة خُمس احتياطيات النفط المؤكدة في البلاد، يُعدّ نسخةً حديثةً من دبلوماسية السفن الحربية في القرن التاسع عشر. وقد وفّر تغيير النظام التنازل التجاري لأميركا.
لن يُزعج هذا ترامب، لكن ينبغي أن يُزعجه. لقد بالغ الرئيس الأميركي في تقدير مكاسبه الاستعمارية الجديدة. قد يُسهم الإنتاج الإضافي الذي من المفترض أن تُوفره فنزويلا في خفض أسعار النفط في نهاية المطاف، ولكن ليس في وقت قريب. والأهم من ذلك، أن ما يُسميه ترامب "أكبر صفقة نفطية في التاريخ" لن يُؤدي إلى انخفاض أسعار البنزين قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر. في ظل معاناة الكثير من الناخبين الأميركيين في تسديد فواتير الطاقة، يصعب تصور كيف ستُفيد ثروات حزام أورينوكو غير المُستغَلة المرشحين الجمهوريين.
يروّج الرئيس الأميركي أيضاً فكرة أنه يُحدث تحولاً جذرياً في المشهد الصناعي الأميركي من خلال الوقود الأحفوري. ورغم أن الاستيلاء على النفط الفنزويلي قد يكون مربحاً للغاية لبعض الشركات المختارة، إلا أن هذه المكاسب تبدو ضئيلة مقارنة بحجم الاقتصاد الأميركي. فالسيد ترامب لا يحصل على طاقة رخيصة، بل على استعراض للقوة الأميركية. وقد يكون هذا كافياً بالنسبة له.
قبل القبض على السيد مادورو، كان ترامب قد قرر أنّ نفط فنزويلا ملكٌ للولايات المتحدة. وعُرض على الزعيم الفنزويلي النفي مقابل تلبية مطالب واشنطن. وعندما تردد، تجمّع أسطول أميركي قبالة سواحل فنزويلا. ومع ذلك، لم يستبدل ترامب مادورو بماريا كورينا ماتشادو من المعارضة الديمقراطية، بل دعم النظام الاستبدادي القادر على تأمين حقول النفط من جنرالات الجيش الطموحين وتجنيب الولايات المتحدة تكاليف الاحتلال.
لا تحكم الولايات المتحدة فنزويلا بشكل مباشر، لكنها تمارس نفوذها من خلال الاشتراكية المخضرمة، رودريغيز. وهي تعيد تشكيل حركة تشافيز الثورية، التي أطلقها هوغو تشافيز، على صورتها، الأمر الذي أثار غضب بعض اليساريين. منحت رودريغيز شركة "نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز " (نابِب) امتيازات لـ 17 حقلاً نفطياً في فنزويلا لعقود مقبلة. وقد ظهر رئيس شركة نابِب، أليخاندرو بيتانكورت، الملياردير الفنزويلي المثير للجدل في مجال النفط، في كراكاس خلال زيارة وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، هذا الأسبوع. في المقابل، منحت نابِب وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) حصة 35% من أسهمها من دون أي تكلفة على دافعي الضرائب الأميركيين.
لطالما رُفضت تهمة "الإمبريالية الأميركية" باعتبارها رد فعل تلقائياً معادياً لأميركا. لكن ترامب حوّلها إلى فخر أميركي. وتؤكد رودريغيز أنها ليست دمية في يد ترامب، وأنّ التعاون معه سيجلب استثمارات لفنزويلا، وقد يدرّ 200 مليار دولار من عائدات النفط. لطالما استفاد الحكام المحليون والوسطاء من الصفقات غير المتكافئة. والسؤال المطروح: ما نوع الاقتصاد والنظام الاجتماعي الذي ستُنتجه هذه العائدات؟ فعائدات النفط لا تعني بالضرورة تنمية سيادية.
ترامب مُتنمرٌ مُتغطرسٌ مُنح أقوى جيشٍ في العالم. يظنّ أنّ الإكراه هو العظمة، وأنّ الدول ذات السيادة مجرد ألعاب. يستخدم قوة الولايات المتحدة لإشباع غروره المفرط، مُدّعياً مؤخراً أنه شخصية تاريخية أعظم من يوليوس قيصر، وجنكيز خان، ونابليون، وستالين، وماو. عندما يرحل عن الساحة، سيتعين على الآخرين إعادة بناء ما أهدره: سلطة الولايات المتحدة، وتحالفاتها، وسمعتها.
نقله إلى العربية: الميادين نت.