"الخنق حتى انقطاع النفس": تحقيق يكشف عن عنف الضباط الأميركيين ضد المهاجرين

أكثر من 40 حالة استخدم فيها ضباط الهجرة أساليب الخنق المحظورة وغيرها من الحركات التي يمكن أن تقطع التنفس.

  • ضباط الهجرة يستخدمون أساليب الخنق المحظورة وغيرها من الحركات التي يمكن أن تقطع التنفس.
    ضباط الهجرة يستخدمون أساليب الخنق المحظورة وغيرها من الحركات التي يمكن أن تقطع التنفس.

موقع "Propublica" ينشر تحقيقاً استقصائياً يوثّق استخدام ضبّاط الهجرة والجمارك الأميركية أساليب عنف خطِرة، بينها الخنق والضغط على الرقبة والشرايين، خلال عمليات الاعتقال والترحيل، رغم حظر هذه الأساليب رسمياً بعد مقتل جورج فلويد.

يكشف التحقيق، المدعوم بمقاطع فيديو وشهادات خبراء وضباط سابقين، عودة ممارسات تُهدِّد الحياة بحق مهاجرين ومواطنين وقاصرين ومتظاهرين، غالباً على أيدي عناصر ملثمين بلا مساءلة واضحة. كما يناقش تواطؤ الخطاب الرسمي في تبرير القوة المفرطة، وغياب الشفافية والإحصاءات، وتأثير الدوريات العشوائية والاعتقالات غير المخططة في المدن على تصاعد الانتهاكات، مقابل محاولات محدودة للمحاسبة على مستوى الولايات، وصدامها مع الإدارة الفيدرالية.

أدناه نص التحقيق منقولاً إلى العربية:

لقد عرّض ضبّاط الهجرة حياة المدنيين للخطر باستخدام أسلحتهم وأكثر. ففي هيوستن، قام أحد الضبّاط بخنق مراهق، بحيث لف ذراعه حول عنقه بقوة شديدة حتى ظهرت كدمات حمراء على رقبته بعد ساعات. وفي لوس أنجلوس، ضغط ضابط آخر ملثم بركبته على رقبة امرأة مكبلة اليدين، فبدا أنها فقدت وعيها. وفي ماساتشوستس، غرز ضابط إصبعيه في رقبة وشرايين أب شاب رفض الانفصال عن زوجته وابنته البالغة من العمر عاماً واحداً، فانقلبت عينا الرجل وبدأ يرتعش.

بعد مقتل جورج فلويد على يد ضابط شرطة قبل 6 سنوات في مدينة مينيابوليس - على بعد أقل من ميل من المكان الذي أطلق فيه أحد ضباط إدارة الهجرة والجمارك النار على رينيه غود وقتلها الأسبوع الفائت - حظرت أقسام الشرطة والوكالات الفيدرالية أساليب الخنق وغيرها من الحركات التي يمكن أن تضيّق التنفس أو تمنع تدفق الدم. لكن تلك أساليب عادت، وهذه المرة على أيدي ضبّاط يقومون بحملة الترحيل الجماعي التي يشنها الرئيس دونالد ترامب.

وتنتشر الأمثلة على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد رصد موقع "برو بابليكا" ما يزيد عن 40 حالة خلال العام الماضي استخدم فيها ضبّاط الهجرة هذه الأساليب التي تهدد حياة المهاجرين والمواطنين والمتظاهرين. وعادةً ما يكون هؤلاء العناصر ملثمين، ويتم إخفاء هوياتهم. وترفض الحكومة الإفصاح عمّا إذا كان قد تم معاقبة أي منهم. وفي 20 حالة تقريباً، بدا أن الضبّاط يستخدمون أساليب الخنق وغيرها من أساليب تقييد الرقبة التي تحظرها وزارة الأمن الداخلي "إلا في حال أُذن لهم استخدام القوة المميتة".

ويُظهر نحو 20 مقطع فيديو ضباطاً يركعون على أعناق الناس أو ظهورهم، أو يُبقونهم على الأرض ووجوههم للأسفل وهم مكبلون بالأصفاد. هذه الأساليب ليست محظورة صراحةً، ولكن غالباً ما يتم تثبيطها، حتى من قِبل المدربين الفيدراليين، ويعود ذلك جزئياً إلى أن استخدامها لفترة طويلة يُعرّض الشخص لخطر الاختناق.

 وقد راجعنا اللقطات مع لجنة مؤلفة من 8 ضباط شرطة سابقين وخبراء في إنفاذ القانون؛ فشعروا بالصدمة. وأشاروا إلى أن هذا هو شكل الممارسات السيئة للشرطة وأنه يعرض الجميع للخطر. وقال إريك بالييت، الذي أمضى أكثر من عقدين من الزمن في العمل لدى تحقيقات الأمن الداخلي ودوريات الحدود، بما في ذلك في عهد إدارة ترامب الأولى: "لقد ألقيت القبض على العشرات من تجار المخدرات ومهربي البشر ومتحرشي الأطفال - بعضهم يقاوم. ولا أتذكر أنني خنقت أحداً قط. هذا أمرٌ لا جدال فيه". وأوضح جيل كيرليكوسكي، قائد شرطة سياتل المخضرم الذي شغل أيضاً منصب مفوض الجمارك وحماية الحدود في عهد الرئيس باراك أوباما، قائلاً: "لو كان هذا أحد ضباطي، لكان سيخضع لإجراءات تأديبية. هؤلاء الرجال يتجولون مرتدين الزي العسكري والأقنعة، وعليهم شعار "شرطة"، لكنهم لا يتصرفون كرجال شرطة محترفين". 

  • ضباط الهجرة يستخدمون أساليب الخنق المحظورة وغيرها من الحركات التي يمكن أن تقطع التنفس.
    ضباط الهجرة يستخدمون أساليب الخنق المحظورة وغيرها من الحركات التي يمكن أن تقطع التنفس.

خلال الأسبوع الماضي، خضع سلوك الضبّاط لتدقيق مكثف بعد أن قتل ضابط من إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس غود، وهي أم لـ3 أطفال. وفي اليوم التالي، أطلق أحد عناصر دوريات الحدود في بورتلاند بولاية أوريغون النار على رجل وامرأة في موقف سيارات أحد المستشفيات. فسارع كبار مسؤولي الإدارة للدفاع عن الضباط. وفي حديثها عن الضابط الذي أطلق النار على غود، قالت وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم: "إنه ضابط متمرس اتبع التعليمات الموكلة إليه". وأكد المسؤولون لنا الأمر نفسه بعد أن عرضنا عليهم مقاطع فيديو تُظهر ضباطاً يستخدمون أساليب خنق محظورة. وقالت المتحدثة باسم الوزارة، تريشيا ماكلولين، إن العملاء الفيدراليين "اتبعوا التعليمات باستخدام أقل قدر ممكن من القوة". وأضافت المتحدثة باسم البيت الأبيض أبيجيل جاكسون قائلةً: "يتصرف الضباط ببسالة لإنفاذ القانون وحماية المجتمعات الأميركية". في حين أشادت كل من وزارة الأمن الداخلي والبيت الأبيض بـ"الاحترافية القصوى" لضبّاطها.

إنّ قائمة الحوادث التي جمعناها غير مكتملة. فكما لا تُحصي الحكومة عدد مرات احتجازها للمواطنين أو تحطيمها لنوافذ السيارات أثناء عمليات التوقيف في قضايا الهجرة، فإنها لا تُسجّل علناً عدد المرات التي قام فيها ضباطها بخنق المدنيين أو إعاقة تنفسهم أو منع تدفق دمائهم. وقد جمعنا هذه الحالات من خلال البحث في الملفات القانونية، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وتقارير الصحافة المحلية باللغتين الإنكليزية والإسبانية. ونظراً لعدم وجود أي إحصاء بمرور الوقت، فمن المستحيل معرفة كيف يقارن استخدام الضبّاط الحالي للأساليب المحظورة والخطيرة بالفترات السابقة. إلا أنّ مسؤولين سابقين في إدارة الهجرة أخبرونا أنهم نادراً ما سمعوا بمثل هذه الحوادث خلال فترة عملهم الطويلة. كما أشاروا إلى قلة الاعتراضات عندما حظرت وزارة الأمن الداخلي رسمياً أساليب الخنق وغيرها من الأساليب في عام 2023. وقد تم انتهاك هذا الحظر اليوم.  

أحد المواطنين الذين قام الضباط بخنقهم كان يبلغ من العمر 16 عاماً

كان أرنولدو بازان، طالب الصف العاشر، ووالده يتناولان وجبة من ماكدونالدز قبل المدرسة عندما اعترضت سيارتهما سيارات بدون لوحات. وبدأ ضبّاط الهجرة الملثمون بالضرب على نوافذها. وبينما كان والد أرنولدو، أرنولفو بازان كاريلو، وهو مهاجر غير شرعي، ينطلق بسيارته، بدأ المراهق المذعور بتصوير المشهد بهاتفه. ويُظهر مقطع الفيديو ضباط الهجرة وهم يصدمون سيارة عائلة بازان مراراً خلال مطاردة بطيئة في أرجاء المدينة. وفي النهاية، أوقف بازان كاريلو سيارته ودخل مسرعاً إلى محل مستلزمات المطاعم. وعندما رأى أرنولدو عناصر الأمن يُلقون بوالده أرضاً بعنف، دخل هو الآخر إلى المحل وهو يصرخ فيهم طالباً منهم التوقف. فقام أحد الضباط بخنق أرنولدو بينما ضغط آخر بركبته على رقبة والده. فتوسل الصبي قائلاً: "كنت ذاهباً إلى المدرسة!". وقال لاحقاً إنه عندما أخبر الضابط بأنه مواطن وقاصر، لم يتوقف. وخلال حديثه إلى موقع "برو بابليكا"، وهو يُظهر موضع قبضتي الضابط على رقبته، قال أرنولدو: "بدأت أصرخ بكل قوتي، لأنني لم أستطع حتى التنفس. شعرت وكأنني سأفقد الوعي وأموت".

واتهمت ماكلولين من وزارة الأمن الداخلي والد أرنولدو بصدم سيارته "بمركبة تابعة لجهات إنفاذ القانون الفيدرالية"، لكن لم تُوجه إليه أي تهمة بهذا الشأن، كما أن مقاطع الفيديو التي راجعناها لا تدعم هذا الادعاء. وقد كشف فحصنا لسجله الجنائي - بمعزل عن أي مخالفات تتعلق بالهجرة - أن بازان كاريلو أقرّ فحسب بذنبه قبل عقد من الزمن بتهمة القيادة تحت تأثير الكحول. بالإضافة إلى ذلك، ادعت ماكلولين أنّ الابن ضرب ضابطاً بمرفقه على وجهه أثناء احتجازه، وهو ما ينفيه المراهق، وأنّ أرنولدو احتُجز للتأكد من هويته وعدم حيازته أي أسلحة. ولم تُجب ماكلولين عمّا إذا كان تصرف الضابط مُبرراً. كما عجز الخبراء الذين راجعوا فيديو اعتقال الأب وابنه عن فهم تصرفات الضباط.

وقال مارك براون، وهو ضابط شرطة سابق تحوّل إلى مدرب، وكان يُدرّب ضباط إدارة الهجرة والجمارك وحرس الحدود في مراكز التدريب الفيدرالية لإنفاذ القانون: "لماذا تحاول الإمساك بشخص ما في وسط متجر؟ هل تضع ذراعك تحت رقبته، كما لو كنت تخنقه؟ لا! هل تضع ركبتك على رقبته؟ قطعاً لا". وأشار براون إلى أنّ وزارة الأمن الداخلي عدّلت مناهجها التدريبية بعد مقتل جورج فلويد للتأكيد على أن هذه الأساليب غير مقبولة بتاتاً. وقال: "كانت وزارة الأمن الداخلي حريصة جداً على عدم استخدام الخنق. فنحن لا نُدرّس ذلك. كانت ترفضه بشدة ولم ترغب في رؤية أي شيء يتضمن كلمة ’خنق‘".

بعد أن استخدم الضباط أسلوباً آخر محظوراً لتقييد الرقبة - وهو الضغط على الشريان السباتي - بدأ رجل بالتشنج وفقد وعيه.

في أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر، أوقف ضبّاط إدارة الهجرة والجمارك في مدينة فيتشبورغ، ماساتشوستس، أباً شاباً يُدعى كارلوس سيباستيان زاباتا ريفيرا، أثناء قيادته سيارته برفقة عائلته. وكانوا قد جاؤوا لاعتقال زوجته التي لا تملك أوراقاً قانونية بعد اتهامها بالاعتداء على زميل لها في العمل من خلال طعنه في يده بمقص. وقد كشفت الصور الملتقطة عبر كاميرا تابعة للشرطة المحلية، والتي حصل عليها موقع "برو بابليكا"، معظم ما حدث. بدأت ابنة الزوجين البالغة من العمر عاماً واحداً بالبكاء. وطوّق عناصر الشرطة السيارة، ونظروا إلى الداخل من خلال الأبواب المفتوحة. وبحسب التسجيل المصوّر، أخبر أحد الضبّاط زاباتا ريفيرا أنه إذا لم تخرج زوجته، فسيتعين عليهم اعتقاله هو الآخر، وسيتم إرسال ابنتهما إلى نظام الرعاية البديلة. وقد روى الضابط تفاصيل المحادثة لشرطي محلي قائلاً: "من الناحية القانونية، يمكنني اعتقالكما كليكما. وإذا لم تعد لديكما طفلة، لأنها ستكون تحت رعاية الدولة، فسيتم اعتقالكما معاً. فهل تريدان تسليم طفلتكما للدولة؟" 

فتشبث زاباتا ريفيرا، الذي لا يزال طلب لجوئه قيد النظر، بعائلته. وظلت زوجته تردد أنها لن تذهب إلى أي مكان من دون ابنتها، التي قالت إنها لا تزال ترضع. ولم يفارق زاباتا ريفيرا أياً منهما. فبدا أن العملاء الفيدراليين مترددون بشأن كيفية التصرف. وقال أحد ضباط إدارة الهجرة والجمارك لضابط شرطة في مكان الحادث: "أرفض تصويرنا بالفيديو ونحن نطرح شخصاً أرضاً بينما يحمل طفلاً بين يديه". لكن بعد مرور أكثر من ساعة، قام الضبّاط بتقييد ذراعي زاباتا ريفيرا. وضغط أحدهم، الذي قال محامي زاباتا ريفيرا إنه كان يرتدي قبعة بيسبول كُتب عليها "Ne Quis Effugiat" - وهي عبارة لاتينية تعني "لا تدع أحداً يهرب" - بإبهاميه على شرايين رقبة زاباتا ريفيرا. ثم بدا أن الشاب قد فقد وعيه وسط صراخ المارة. 

تُعرف هذه التقنية بالضغط على الشريان السباتي. يحمل الشريانان السباتيان 70% من تدفق الدم إلى الدماغ؛ وإذا تم سدهما، فقد يفقد الشخص وعيه بسرعة. كما يمكن أن تتسبب هذه التقنية في حدوث سكتات دماغية، ونوبات صرع، وتلف في الدماغ، وحتى الموت. وقد أوضحت لنا الدكتورة ألطاف سعدي، طبيبة الأعصاب والأستاذة المشاركة في كلية الطب بجامعة هارفارد، قائلةً إنه "حتى انقطاع تدفق الدم إلى الدماغ لثوانٍ معدودة أو أجزاء من الثانية قد يُسبب عواقب وخيمة". وأضافت أنها لا تستطيع التعليق على حالات معينة، "لكن لا يوجد قدر من التدريب أو طريقة للضغط على الرقبة تضمن تماماً تجنب الضرر العصبي".

وفي مقطع فيديو التقطه أحد المارة أثناء اعتقال زاباتا ريفيرا، تظهر عيناه وحركاتهما في حالة اضطراب ويعاني من نوبة تشنج واضحة لدرجة أن ابنته التي كانت تجلس في حضنه اهتزت معه. وتنص سياسة استخدام القوة التابعة لوزارة الأمن الداخلي على أنه "يحظر استخدام أسلوب الضغط على الشريان السباتي إلا في حالة استخدام القوة المميتة". ولا يُسمح باستخدام القوة المميتة إلا عندما يعتقد الضابط بوجود "خطر وشيك بالموت أو الإصابة الجسدية الخطيرة" وأنه "لا يوجد بديل".

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي عقب الحادثة، وفي بيانها لموقع "برو بابليكا"، لم تذكر وزارة الأمن الداخلي تهديداً مميتاً. بل أشارت إلى التهم الموجهة لزوجة زاباتا ريفيرا، وألمحت إلى أنه تظاهر فحسب بأزمة صحية ورفض مساعدة المسعفين. وجاء في المنشور: "تصوروا أنه ادعى نوبة صرع لمساعدة مجرم على الإفلات من العقاب". ويقول زاباتا ريفيرا في دعوى قضائية مستمرة تتعلق بالحقوق المدنية رفعها ضد الضابط في إدارة الهجرة والجمارك الذي استخدم أسلوب الضغط على الشريان السباتي، إن "هذه التصريحات كانت كاذبة". وصرح محاميه لموقع "برو بابليكا" أن زاباتا ريفيرا كان في حالة تشوش ذهني بعد استعادة وعيه، وتشير الدعوى إلى أنه مُنع من تلقي الرعاية الطبية. ورفض ممثلو زاباتا ريفيرا طلباتنا لإجراء مقابلة معه. وأُفرج عن زوجته بكفالة، وقضيتها المتعلقة بالاعتداء قيد المحاكمة.

ويؤكد تقرير للشرطة ولقطات الكاميرات الخاصة بضباط شرطة فيتشبورغ في موقع الحادث، والتي تم الحصول عليها عبر طلب سجلات عامة، رواية زاباتا ريفيرا برفض تقديم المساعدة له. ووفقاً للقطات، قال أحد عناصر الشرطة للمسعفين: "إنه بخير". ويشير تقرير الشرطة إلى أن زاباتا ريفيرا طلب رعاية طبية، لكن "العناصر استمروا في التعامل معه من دون توقف". وفي هذا الصدد، قالت سعدي، طبيبة الأعصاب بجامعة هارفرد، إن معرفة ما إذا كان شخص ما قد أصيب بنوبة صرع بمجرد النظر إليه "ليس أمراً سهلاً حتى لأطباء الأعصاب". 

تمنع سياسة وزارة الأمن الداخلي استخدام أساليب الخنق والضغط على الشريان السباتي لمجرد مقاومة شخص ما للاعتقال. ومع ذلك، يستخدمها الضباط.

عندما أصدرت وزارة الأمن الداخلي قيوداً على استخدام أساليب الخنق والضغط على الشريان السباتي، نصت على أنه "لا يجوز استخدام هذه الأساليب كوسيلة للسيطرة على الأشخاص غير الممتثلين أو المقاومين للاعتقال". كما نصت على أنه "لا يجوز استخدام القوة المميتة لمجرد منع هروب شخص مطلوب". لكن مقاطع الفيديو التي راجعها موقع "برو بابليكا" تُظهر أن الضباط يستخدمون هذه الأساليب لهذا الغرض تحديداً. ففي لوس أنجلوس في حزيران/ يونيو، قام ضباط ملثمون من إدارة الهجرة والجمارك ودوريات الحدود ووكالات فيدرالية أخرى برشّ المواطن لويس هيبوليتو برذاذ الفلفل ثمّ انقضّوا عليه. وبينما كان هيبوليتو يكافح للفرار، قام أحد الضباط بخنقه. ووجّه ضابط آخر مسدس صعق كهربائياً نحو المارة الذين كانوا يصورون المشهد. ثمّ بدأ جسد هيبوليتو بالتشنج – ربما أُصيب بنوبة صرع. وحذّر أحد المارة الضباط قائلاً: "ستتركونه يموت".

وقال داني مورفي، نائب مفوض شرطة بالتيمور السابق، إنه عندما يرتكب الضباط خطأً في لحظة غضب، فعليهم "تصحيحه بأسرع وقت ممكن". ولكن هذا لم يحدث في حالة هيبوليتو. إذ تُظهر اللقطات المصورة ضابط الهجرة وهو لا يكتفي بلف ذراعه حول رقبة هيبوليتو أثناء طرحه أرضاً، بل يستمر في خنقه حتى بعد تثبيته على الأرض. وقد وصف مورفي تصرفات الضابط بأنها "خطيرة وغير معقولة". وعند سؤالها عن القضية، قالت ماكلولين، المتحدثة باسم وزارة الأمن الداخلي، إن هيبوليتو اعتُقل بتهمة الاعتداء على ضابط من إدارة الهجرة والجمارك. ولم يستجب محامو هيبوليتو لطلب موقع "برو بابليكا" للتعليق على الحادثة. 

وبحسب صحيفة "لوس أنجلوس تايمز"، دخل هيبوليتو إلى المحكمة وهو يعرج بعد أيام من الحادث. كما وُجهت تهمة مماثلة إلى مواطنة أخرى كانت برفقته يوم الحادث، لكنها أُسقطت. وقد أنكر هيبوليتو التهم الموجهة إليه، ومن المقرر أن تبدأ محاكمته في شباط/ فبراير.

بعض السلوكيات الواردة في اللقطات المصورة ليست محظورة، ولكنها غير مستحبة وخطيرة.

يُظهر مقطع فيديو من لوس أنجلوس لتيكتوكر من أصل كولومبي، اشتهرت بتصويرها المتكرر لعناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية، وهي فاقدة لوعيها على ما يبدو بعد أن سحبها ضباط من سيارتها من نوع "تسلا" وجثوا على ظهرها أو رقبتها. وفي مقطع فيديو آخر، يظهر سائق توصيل طلبات يعمل لصالح شركة "دورداش" (DoorDash) في بورتلاند، بولاية أوريغون، وهو يصرخ طلباً للهواء بينما يُثبّته 4 ضباط على وجهه في الشارع. ويقول: "هواء، هواء، هواء. لا أستطيع التنفس. أنا أموت". وفي مقطع فيديو ثالث من شيكاغو، يظهر أحد الضبّاط وهو يجلس فوق مواطن ويضغط وجهه مراراً على الأسفلت. ويصرخ المارة قائلين إن الرجل لا يستطيع التنفس. 

إن وضع الركبة على رقبة شخص مستلقٍ أو وضع وزن على ظهره ليس محظوراً بموجب سياسة استخدام القوة التابعة لوزارة الأمن الداخلي، ولكنه قد يكون خطيراً - وكلما طالت مدة ذلك، زاد خطر عدم قدرة الشخص على التنفس. وقال كيرليكوسكي، المفوض السابق لفرقة منع الجرائم، تعليقاً على فيديو الاعتقال في بورتلاند: "أنت حقاً لا تريد أن تقضي هذا القدر من الوقت لمجرد محاولة تقييد شخص ما بالأصفاد". وأكد براون، المدرب الفيدرالي السابق والمدرب الرئيس الحالي للشرطة في جامعة ساوث كارولينا، على ذلك قائلاً: "بمجرد تقييد أيديهم، دعوهم يقفون وأخرجوهم من هناك. وفي حال قالوا إنهم لا يستطيعون التنفس، فأسرعوا".

من جهته، قال سيث ستوتون، ضابط الشرطة السابق الذي تحوّل إلى أستاذ قانون ويعمل أيضاً في جامعة ساوث كارولينا، إنّ طرح الشخص أرضاً وتقييده هناك قد يكون وسيلة مناسبة لتقييده بالأصفاد. لكنّ الضباط لطالما عرفوا ضرورة الإسراع في ذلك. وبحلول منتصف التسعينيات، كانت الحكومة الفيدرالية تنصح الضباط بعدم إبقاء الأشخاص في وضعية الانبطاح لفترات طويلة. فعندما جثا عميل فيدرالي على رقبة ممرضة العناية المركزة في آب/ أغسطس، أشارت إلى أنها أدركت الخطر الذي كان يُحدق بها وحاولت الصراخ. وقالت أماندا تريباخ، وهي مواطنة وناشطة اعتُقلت في لوس أنجلوس أثناء مراقبتها لضبّاط الهجرة: "كنت أعلم أن مقدار الضغط الواقع على مؤخرة رقبتي قد يؤلمني بالتأكيد. وكنت أعاني من صعوبة في التنفس لأن صدري كان ملامساً للأرض". في المقابل، قالت ماكلولين، المتحدثة باسم وزارة الأمن الداخلي، إن تريباخ أعاقت سيارات الضبّاط وضربتهم بلافتاتها وقبضتيها، في حين تنفي تريباخ هذا الادعاء. وقد أُطلق سراحها من دون توجيه أي تهمة إليها.

تعرّض المتظاهرون أيضاً للخنق والاختناق.

في الخريف، رفض متظاهر في شيكاغو التراجع بعد أن أمره بذلك عميل فيدرالي. فجأة، أمسك العميل الرجل من رقبته وطرحه أرضاً. فصرخ أحد المارة: "لا، لا! إنه لا يفعل شيئاً!" ولم تُجب ماكلولين، من وزارة الأمن الداخلي، على الأسئلة المتعلقة بهذا الحادث. 

إلى جانب حادثتي اختناق مماثلتين خلال احتجاجات خارج مرافق إدارة الهجرة والجمارك الأميركية، يُعد هذا المقطع من الفيديوهات القليلة التي تظهر بوضوح الأحداث التي سبقت العنف. وقد أثار هذا الأمر استياء الخبراء. وقال بالييت، المسؤول السابق في إدارة الهجرة، إن الضابط حوّل الموقف إلى "مبارزة" خرجت عن السيطرة تماماً. وأضاف مورفي: "من الواضح جداً أن هذا التصرف مفرط وسخيف. وهذا النوع من التصرفات يستوجب الفصل من العمل". من جانبه، قال براون: "ما مدى خطورة التهديد الذي كنت تعتقد أنه يمثله؟"، مشيراً إلى أن الضابط الذي وضع بندقيته على ظهره قبل أن يمسك بالمتظاهر ويطرحه أرضاً. "لا يمكنك أن تمسك بشخص لمجرد أنه يقول: 'تباً للشرطة'". 

الدوريات المتنقلة + الاعتقالات غير المخطط لها = أساليب غير آمنة.

في تشرين الثاني/ نوفمبر، اقتحم حرس الحدود موقع بناء مطعم "باندا إكسبرس" المستقبلي في شارلوت بولاية كارولاينا الشمالية، للتحقق من أوراق العمال. وعندما حاول أحد الرجال الفرار، قام أحد الضباط بخنقه، ثم اقتاده لاحقاً، وهو ينزف، إلى سيارة دفع رباعي كانت تنتظره. كانت عملية شارلوت واحدة من الكثير من عمليات التوغل التي قامت بها دوريات الحدود في المدن الأميركية، حيث ادعى الضباط بقيادة القائد العام غريغوري بوفينو أنهم يستهدفون "المهاجرين غير الشرعيين المجرمين" لكنهم كانوا يطاردون في كثير من الأحيان عمال تنسيق الحدائق وعمال البناء والمواطنين الأميركيين في دوريات متنقلة عبر المجتمعات التي يغلب عليها المهاجرون أو اللاتينيون.

وقد وثّق المصور المستقل راين مورفي، الذي كان يتابع دوريات حرس الحدود في أنحاء شارلوت، عملية اعتقال موظف مطعم "باندا إكسبرس". وقال لموقع "برو بابليكا": "أساليبهم أقل تعقيداً مما قد تتصور. فهم يسيرون في الشوارع، وإذا رأوا شخصاً يبدو لهم أنه لا يمتلك أوراقاً شرعية يوقفونه". وقد أوضح خبراء لموقع "برو بابليكا" أنه إذا كان الضباط يستهدفون شخصاً محدداً، فيمكنهم تقليل المخاطر بتحديد الزمان والمكان المناسبين وكيفية اعتقاله. ولكن عندما لا يعرفون هدفهم مسبقاً، قد تنشأ فوضى وانتهاكات. وقال سكوت شوكارت، مساعد المدير السابق في إدارة الهجرة والجمارك الأميركية: "إنهم يواجهون أشخاصاً لا يعرفون عنهم شيئاً".

وقال كيرليكوسكي: "ما رأيته في مقاطع الفيديو كان عشوائياً وغير منظم". وأشار خبراؤنا إلى وجود عوامل أخرى محتملة، منها نظام الحصص وانعدام المساءلة في ظل ضعف الرقابة. واشار شوخارت إلى أنه "حتى لو اعتدى الضباط على امرأة كبيرة في السن، فلن يتم التعرف عليهم لارتدائهم أقنعة".

ومع اجتياحهم المدن الأميركية، يجد ضباط الهجرة أنفسهم بلا قيود، بل وغير مستعدين، كما يقول الخبراء. فحتى الضباط المدربون تدريباً جيداً قد لا يكونون مؤهلين للعمل في البيئات التي يعملون فيها حالياً. فالدوريات في منطقة حدودية قليلة السكان تتطلب نوعاً معيناً من المهارات، بينما يتطلب العمل في المناطق الحضرية، حيث يكثر المواطنون والمتظاهرون، نوعاً آخر. ولم ترد وزارة الأمن الداخلي وبوفينو على الأسئلة المتعلقة بجهوزية ضباطهم أو بحادثة الخنق في شارلوت.

قد يعتقد الخبراء بوجود تجاوزات.. لكن محاسبة الضباط أمر آخر.

بالعودة إلى هيوستن، أنزل ضباط الهجرة أرنولدو، البالغ من العمر 16 عاماً، عند عتبة منزل عائلته بعد ساعات قليلة من اعتقاله. كانت رقبته مصابة بكدمات، وقميصه الجديد ممزقاً. وتُظهر مقاطع فيديو التقطتها شقيقاته الأكبر سناً نجم كرة القدم وهو يحاول التحدث باكياً. ولمّا لم تكن شقيقته ماريا بازان متأكدة مما حدث له بالضبط، اصطحبته إلى مستشفى تكساس للأطفال، حيث لاحظ الطاقم الطبي علامات الخنق ونقلوه إلى وحدة الإصابات. وتشير سجلات المستشفى إلى أنه تلقى المورفين لتسكين الألم، وأن الأطباء طلبوا إجراء 12 صورة مقطعية وأشعة سينية، بما في ذلك صور للرقبة والعمود الفقري والرأس.

وأفادت عائلة أرنولدو أن ماريا اتصلت من المستشفى بقسم شرطة هيوستن وحاولت تقديم بلاغ. وبعد عدة محاولات فاشلة، اصطحبت أرنولدو إلى القسم شخصياً، حيث شكك الضباط في روايتها وفي قدرتهم على التحقيق مع عملاء فيدراليين. كان أرنولدو قد صوّر جزءاً كبيراً من الحادث، لكن العملاء صادروا هاتفه. فاستخدم تطبيق "Find My" لتحديد موقع الهاتف، فوجده في آلة بيع للأجهزة الإلكترونية المستعملة على بُعد أميال، بالقرب من مركز احتجاز تابع لإدارة الهجرة والجمارك الأميركية. وقد أكدت اللقطات المصورة، التي اطلع عليها موقع "برو بابليكا"، رواية العائلة عن المطاردة.

وتقول العائلة إن شرطة هيوستن لم تستجوبهم حتى هذه اللحظة. وصرح متحدث باسم الشرطة لموقع "برو بابليك"  بأنها لا تُجري تحقيقاً في القضية، محيلاً الاستفسارات إلى وزارة الأمن الداخلي. لكن الشرطة لم تنشر أيضاً تسجيلات الكاميرات وملفات القضية باستثناء ملخص موجز، بحجة أن التحقيق لا يزال جارياً. وقالت ماريا إن أحد الضباط قال لها: "لا نستطيع فعل أي شيء. ماذا يمكن لشرطة هيوستن أن تفعل بالعملاء الفيدراليين؟"

وفي مناطق أخرى من البلاد، يسعى بعض المسؤولين إلى محاسبة مسؤولي الهجرة الفيدراليين. ففي ولاية كاليفورنيا، أقرّ المجلس التشريعي للولاية قوانين تحظر على مسؤولي الهجرة ارتداء الكمامات وتلزمهم بإبراز هوياتهم أثناء العمليات. وفي ولاية  إلينوي، وقّع الحاكم جيه بي بريتزكر قانوناً يسمح للمقيمين بمقاضاة أي ضابط شرطة ينتهك الحقوق الدستورية للولاية أو الحقوق الدستورية الفيدرالية. وقد سارعت إدارة ترامب إلى رفع دعاوى قضائية ضد كاليفورنيا وإلينوي، مدعيةً أن قوانينهما الجديدة غير دستورية. وفي ولاية  كولورادو، شاهد قائد شرطة دورانغو مقطع فيديو حديثاً لضابط هجرة يستخدم أسلوب الخنق على أحد المتظاهرين، وأبلغ مكتب التحقيقات في كولورادو، الذي أعلن بدوره أنه يحقق في الحادثة. أما في ولاية مينيسوتا، فيقوم حاكم الولاية وقادتها المحليون بجمع الأدلة في قضية مقتل رينيه غود، حتى مع قيام الحكومة الفيدرالية باستبعاد الولاية من تحقيقاتها.

ولا يزال أرنولدو ينتظر مساعدة سلطات هيوستن، ويخشى أن يتعرض له ضابط ملثم. وبينما يتدرب على كرة القدم ويحاول تعويض دروسه التي فاتته أثناء فترة نقاهته، يشاهد دائماً مقاطع الفيديو من ذلك اليوم. مطاردة السيارات، والخنق، وصراخه على الضباط ليتركوا والده وشأنه. والده في مقعد السائق، يُسلّم أرنولدو محفظته وهاتفه بهدوء بينما يتوقف في منتصف المطاردة عند إشارة المرور الحمراء.

وقالت عائلة بازان إن عناصر الأمن هددوا بتوجيه تهمة إلى أرنولدو إذا لم يوافق والده على الترحيل. ولم ترد المتحدثة باسم وزارة الأمن الداخلي على سؤال حول التهديد المزعوم. ويتواجد والد أرنولدو حالياً في المكسيك. ورداً على سؤال حول سبب قيام أحد الضباط بخنق أرنولدو، أشارت ماكلولين إلى الاعتداء المزعوم للصبي بمرفقه على الضابط، وقالت: "لقد اختار ضابط إنفاذ القانون الفيدرالي بكل لطف عدم توجيه أي اتهامات".

نقلته إلى العربية: زينب منعم.