"نيويورك تايمز": لماذا تواجه السعودية صعوبة في وقف هجمات الحوثيين؟
يمتلك الجيش السعودي معدات باهظة الثمن، لكن الصواريخ والطائرات المسيرة التي تستخدمها القوات المسلحة اليمنية يصعب رصدها وإيقافها.
-
"نيويورك تايمز": لماذا تواجه السعودية صعوبة في وقف هجمات الحوثيين؟
صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تنشر مقالاً يتناول أسباب عجز السعودية عن وقف هجمات الحوثيين، رغم إنفاقها مئات المليارات من الدولارات على بناء جيش متطور وامتلاكها منظومات دفاع جوي أميركية متقدمة.
ويسلّط الضوء على الاختلال في موازين القوة العسكرية، إذ يعتمد الحوثيون على طائرات مسيّرة وصواريخ منخفضة التكلفة يصعب رصدها واعتراضها، في مقابل اعتماد السعودية على منظومات دفاعية باهظة الثمن، مثل "باتريوت" و"ثاد"، لم تُصمَّم أساساً لمواجهة هذا النوع من التهديدات.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
على مدى عقود، استثمرت المملكة العربية السعودية مئات المليارات من الدولارات في بناء جيش متطور، ما جعلها ضمن الدول العشر الأعلى إنفاقاً على الأسلحة. ومع ذلك، فقد تعثّرت المملكة في ردّها على الهجمات الدامية التي شنّها الحوثيون.
تكمن المشكلة جزئياً في أن السعودية استثمرت بكثافة في أسلحة تتمتع بما يسمّيه بعض المحللين العسكريين "عامل البريق"، مثل الطائرات المقاتلة عالية التقنية وأحدث أنظمة اعتراض الصواريخ. لكن مقاتلي الحوثي غالباً ما يستخدمون طائرات مسيّرة رخيصة أو صواريخ كروز منخفضة التحليق، يصعب على القوات السعودية رصدها.
بالإضافة إلى ذلك، بُنيت الدفاعات السعودية على افتراض أن التهديد الأكبر سيأتي من الشرق أو الشمال الشرقي، من إيران أو العراق، وليس من اليمن في الجنوب الغربي. ولذلك، فقد تُركت البلاد مكشوفة إلى حدّ ما، بحسب المحللين.
أخيراً، لم تبدأ المملكة بمعالجة المشكلات النظامية المزمنة إلا مؤخراً. ولتحصين آل سعود ضد الانقلابات العسكرية التي عانت منها معظم الدول العربية، بُني الجيش على شكل فرعين متنافسين. ويعاني كلّ منهما من مركزية شديدة في اتخاذ القرارات، ما يحدّ من مرونته، بحسب المحللين.
"إنها لحظة صادمة للغاية بالنسبة إلى الرياض، ومهينة على عدد من الجبهات"، هذا ما قالته بورجو أوزجيليك، الخبيرة في قضايا الأمن في الشرق الأوسط في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو منظمة بحثية دفاعية في لندن.
وأضافت: "لقد كان هناك استثمار كبير وطويل الأمد في بناء قدرات عسكرية قوية. لكن المسألة تكمن في الجاهزية. ما مدى استعداد السعوديين لمثل هذا الهجوم الخاطف، كما يسمّيه الحوثيون؟"
شنّ الحوثيون، على مدى أيام، هجمات متكررة على البنية التحتية ومصادر الطاقة والأهداف العسكرية في عمق الأراضي السعودية.
وتوعّدت السعودية بالردّ. وقال الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة، في مؤتمر دولي بالرياض بعد وقت قصير من الهجوم على المطار: "إن أحداث الأسابيع الأخيرة خطيرة، ويجب أن يكون ردّنا بالقدر نفسه من الجدية".
وقال ديفيد دي روش، الأستاذ والمدير السابق لسياسات البنتاغون لشؤون الخليج، إنه بالنظر إلى أن الحوثيين أطلقوا مئات الصواريخ على المملكة العربية السعودية خلال الحرب الأولى التي بدأت عام 2015، فإن قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي، وهي الجناح العسكري المنفصل الذي يحمي المجال الجوي السعودي، اكتسبت خبرة فريدة في إطلاق صواريخ باتريوت.
أنظمة باتريوت هي أنظمة دفاع جوي متنقلة باهظة الثمن، تبيعها الولايات المتحدة، وتتكوّن من رادار متطور وصواريخ اعتراضية. وبحسب أرقام وزارة الخارجية الأميركية، باعت واشنطن، منذ عام 2020، ما لا يقلّ عن 730 صاروخاً اعتراضياً من طراز باتريوت.
لكن صواريخ باتريوت مصمّمة لإسقاط الصواريخ الباليستية التي تسلك مساراً عالياً وثابتاً يمكن تتبّعه. أما صواريخ ثاد الاعتراضية، التي اشترتها السعودية أيضاً من الولايات المتحدة، فهي مصمّمة لضرب الصواريخ التي تحلّق على ارتفاعات أعلى.
لذا، فإن الصراع ضد الحوثيين غير متكافئ. ويقول المحللون إن استخدام صاروخ باتريوت تمّ شراؤه بأكثر من 3 ملايين دولار لإسقاط طائرة مسيّرة تتراوح تكلفتها بين 15 ألفاً و25 ألف دولار، يُشبه محاولة ضرب بعوضة بمطرقة.
كما أن هناك نقصاً في إمدادات الصواريخ الاعتراضية على مستوى العالم بسبب الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط.
اقرأ أيضاً: "فايننشال تايمز": الحوثيون يكشفون حدود الترسانة العسكرية السعودية الضخمة
منذ أن بدأ الحوثيون القتال، أصبحت ترسانتهم أكثر قوة، إذ تصنّع الميليشيا الآن بعض الأسلحة وتنوّع مصادر إمدادها بعيداً عن الحرس الثوري الإيراني، وفقاً لتقرير صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
تُعدّ مسألة الرادار أيضاً بالغة الأهمية بالنسبة إلى السعودية. فالطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة التي يستخدمها الحوثيون، رغم حمولتها الأخفّ التي لا تزال قادرة على تدمير أهداف مدنية، تحلّق على ارتفاعات منخفضة ويمكنها تغيير اتجاهها.
ويقول كينيث إم. بولاك، مؤلف كتاب "جيوش الرمال"، الذي يتناول الفعالية العسكرية العربية: "قد يكون من الصعب رصدها من مسافة بعيدة في حال عدم وجود تغطية رادارية".
المملكة العربية السعودية شاسعة المساحة ويصعب حمايتها. ونظراً إلى أن المملكة لطالما خشيت من هجمات على المنطقة الشرقية، التي تُعدّ قلب مواردها النفطية على طول الخليج، فقد ركّزت هناك أحدث أنظمة الدفاع الجوي، بما في ذلك طبقات من منشآت الرادار وأنظمة اعتراض الصواريخ، وفقاً لما ذكره المحللون.
لا يمكن نقل منشآت الرادار المعقّدة، ورغم أن بعضها موجّه نحو اليمن، فإنها منشآت أرضية. ونظراً إلى قصر مداها، فإنها غالباً لا ترصد المقذوفات التي تحلّق على ارتفاع منخفض فوق التضاريس الجبلية اليمنية إلا بعد أن تكون فوق السعودية، مما يؤدي إلى صدور تحذيرات غير منتظمة للمدنيين. وتحتاج المملكة إلى المزيد من الرادارات المحمولة جواً لرصدها في وقت مبكر.
رغم أن الطائرات المقاتلة مصمّمة لمواجهة طائرات مقاتلة أخرى، فإنه يمكن استخدامها ضد الطائرات المسيّرة والصواريخ. لكن المحللين أشاروا إلى ضرورة تزويدها بمعلومات عن مسارات تلك الأهداف. (تستخدم أوكرانيا أجهزة استشعار صوتية للمساعدة في كشف الطائرات المسيّرة). وتمتلك المملكة العربية السعودية مئات الطائرات المقاتلة، معظمها من طراز إف-15 الأميركية، بالإضافة إلى طائرات يوروفايتر تايفون.
وبغضّ النظر عن حرب الطائرات من دون طيار، فإن الجيش السعودي يعاني من مشكلات هيكلية.
تبلغ الميزانية العسكرية السنوية الحالية للمملكة أكثر من 82 مليار دولار، وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي المستقل لأبحاث السلام، إلا أن القوات المسلحة لا تزال منقسمة إلى قسمين. ويضمّ الجيش النظامي نحو 250 ألف جندي، بينما يضمّ الحرس الوطني السعودي نحو 125 ألف جندي.
لطالما اعتمد الحرس الوطني على التجنيد من القبائل الموالية لآل سعود، ويتدرّب على مواجهة أي تمرّد داخلي محتمل. وقال المحللون إن الأمراء يهيمنون على كلتا القوتين، وإن هيكل القيادة الجامد من أعلى إلى أسفل يعوق المبادرة في الميدان.
جعل الأمير محمد بن سلمان تبسيط العمليات العسكرية جزءاً من رؤيته 2030 لتطوير المملكة، التي تضمّنت إقالة عدد من كبار القادة العسكريين عام 2018. كما أنشأ قيادة عملياتية مشتركة في الرياض لتنسيق القرارات العسكرية، إلا أن المحللين وصفوا وتيرة التغييرات الشاملة بالبطيئة. فعلى سبيل المثال، أشاروا إلى أن الجيش لا يزال يواجه صعوبة في صيانة الأسلحة عالية التقنية، وهي مهمة غالباً ما تتولّاها شركات غربية.
في مواجهة الحوثيين، لا يُتوقّع أن تشنّ السعودية غزواً برياً يتطلّب معركة دموية طويلة لإخراج المقاتلين من معاقلهم الجبلية. أما داخل اليمن، فيعاني التحالف المناهض للحوثيين والمدعوم من السعودية من الانقسام والفوضى.
اقرأ أيضاً: "ذا إيكونوميست": السعودية تواجه حصاراً متزايداً
بعد رفض الرئيس ترامب طلبات الرياض الأخيرة للمساعدة، لجأت السعودية إلى اتفاقية دفاع مشترك وقّعتها مع باكستان وتركيا في آب/أغسطس الماضي. ويتوقّع المحللون أن تقدّم هذه الدول مساعدات في مجالات مثل الاستخبارات والاتصالات.
ومن المرجّح أن حملة جوية متجددة وحدها لن تكون كافية لهزيمة الحوثيين. ويقول جان لوب سمعان، خبير شؤون الشرق الأوسط في جامعة سنغافورة الوطنية: "ليس هناك ما لم يجرّبه السعوديون بالفعل". وأضاف أنه لا يوجد بديل عملي للحوثيين داخل اليمن.
يبدو التوصّل إلى حلّ سياسي تفاوضي في المستقبل القريب أمراً مستبعداً. ففي خضمّ الحرب التي شنّها الرئيس ترامب ضد إيران، يسعى الإيرانيون إلى دفع الحوثيين إلى تصعيد يرفع تكلفة الصراع على كلّ من واشنطن والرياض، الحليفة الاستراتيجية للولايات المتحدة.
وكتب داني سيترينوفيتش، المحلل العسكري الإسرائيلي، في وسائل التواصل الاجتماعي: "لا يمكن تجاهل الموقف السعودي المتزايد الصعوبة. فالرياض شريك أميركي بالغ الأهمية، وانتصار الحوثيين، أو فرض تسوية سياسية على السعودية تحت ضغط عسكري وبشروط حوثية في الغالب، سيمثّل إنجازاً استراتيجياً هائلاً لإيران ومحور المقاومة الأوسع".
نقله إلى العربية: الميادين نت.