"ميدل إيست آي": فرنسا على أعتاب فوز ساحق لليمين المتطرّف

هَوس مارين لوبان، المرشحة الأوفر حظًا في الانتخابات الرئاسية، بالحجاب ليس سوى عرضٍ لظاهرة "الإسلاموفوبيا" المترسخة في البلاد.

0:00
  • مارين لوبان
    "ميدل إيست آي": فرنسا على أعتاب فوز ساحق لليمين المتطرّف بقيادة مارين لوبان

موقع "ميدل إيست آي" ينشر مقالاً يتناول المشهد السياسي الفرنسي قبيل الانتخابات الرئاسية لعام 2027، وصعود اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان، وانعكاسات ذلك على المسلمين في فرنسا، ولا سيما في ما يتعلق بالحجاب والحريات الدينية.

ويسلّط المقال الضوء على مساعي لوبان لتوظيف قضايا الهجرة والإسلام في حملتها الانتخابية، من خلال اقتراح استفتاءين لتقييد الهجرة وحظر الحجاب في الأماكن العامة، معتبراً أنّ هذه السياسات تعكس تصاعد الإسلاموفوبيا والعنصرية المؤسسية في فرنسا.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

انطلق السباق الرئاسي في فرنسا. وللمرة الأولى منذ عام 2017، لن يكون إيمانويل ماكرون طرفاً فيه. في المقابل، وللمرة الأولى في مسيرتها السياسية، تبرز مارين لوبان كمرشحة تتصدر المشهد بوضوح، حتى بعد إدانتها في قضية فساد كادت تحرمها من الترشح للمناصب العامة. وقُبيل صدور الحكم النهائي، كان مساعدها الأول، جوردان بارديلا، قد سعى لفرض نفسه كأقوى مرشح رئاسي عن حزب "التجمع الوطني"، معتقداً بأن الموقف القضائي الهش للوبان قد يتحول إلى ضعف انتخابي؛ وهي طموحات باهظة الثمن يدفع بارديلا ثمنها اليوم، بعد أن أقدمت لوبان على إقالة أقرب حلفائه داخل الحزب. واليوم، بات مصيره بالكامل رهناً بإرادتها، فقد يفقد منصبه كرئيس للحركة لمصلحة ماريون ماريشال - ابنة شقيقة لوبان - التي تتبنى مواقف سياسية تتسم بعنصرية تفوق حتى تلك التي يتبناها.

لا تقتصر نتائج هذا المسار السياسي والقضائي المضطرب على استعادة لوبان سيطرتها على أنصارها وتوقعات فوزها في الجولة الأولى من الانتخابات؛ إذ تشير استطلاعات الرأي أيضاً إلى أنها المرشحة الأوفر حظاً للفوز في الجولة الثانية، بغض النظر عن هوية منافسها.

باختصار، يسود اعتقاد واسع بأن سباق عام 2027 هو سباق "في متناول يد" لوبان، وذلك بعد أن أطلقت حملتها الانتخابية متمحورةً حول قضايا الهجرة والإسلام. وتعتزم لوبان إجراء استفتاءين: أحدهما لاستطلاع رأي الشعب الفرنسي بشأن خطتها لتقييد الهجرة، والآخر حول حظر ارتداء الحجاب في الأماكن العامة؛ ويهدف كلا الاستفتاءين إلى ترسيخ شرعية العنصرية الهيكلية ورهاب الإسلام "الإسلاموفوبيا" من خلال الحصول على موافقة الأغلبية.

مشهد سياسي قاتم

على غرار الأساليب التي انتهجها نايجل فاراج، زعيم حزب "إصلاح المملكة المتحدة" (Reform UK)، في ما يتعلق بملف خروج المملكة المتحدة  من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، تدرك مارين لوبان مدى فعالية الحملات المنظمة والدؤوبة. فعندما تغمر وسائل الإعلام السائدة الجمهور برواية محددة - حتى وإن كانت زائفة - يمكن توسيع نطاق "نافذة أوفيرتون" (أي مجموعة الأفكار المقبولة في الخطاب العام) بشكل جذري وسط مشهد سياسي قاتم. وبدافع من الانتصارات التي حققوها في الحروب الثقافية المعادية للإسلام، والتي طبعت الغرب بطابعها منذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، وكذلك بفضل الصعود الانتخابي اللافت لكل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني وحزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD)، يعتقد الفاشيون في فرنسا بأنهم باتوا على وشك بلوغ القمة.

إنّ فرنسا - شأنها شأن الولايات المتحدة وإيطاليا وألمانيا قبلها - مهيأة اليوم لخطوة أخيرة وحاسمة. وعلى حد تعبير الفيلسوف أنطونيو غرامشي، نحن لا نشهد مجرد حدث عابر، بل حقبة تاريخية بأكملها؛ وسيكون صعود حزب "التجمع الوطني" إلى السلطة في نهاية المطاف أحد فصول هذه الحقبة.

لقد بدأت هذه الحقبة مع الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001، وتُعد القوى الفاعلة اليوم بمثابة الثمرة الناضجة لتلك "الحرب على الإرهاب". وعلى الرغم من أن هذه الحركات لا تتورع عن إظهار نزعتها الاستعلائية وميولها السلطوية من دون محاولة إخفائها خلف قناع من اللياقة السياسية، إلا أنها لا تختلف في جوهرها عن الحكومات التي سبقتها؛ فهي تكتفي بالمطالبة بتسريع وتيرة تبني تدابير صارمة وقاسية تنم عن "الإسلاموفوبيا"، وذلك بدعم وتأييد من قطاعات واسعة من المجتمع.

ولا ينبغي النظر إلى الاستفتاء المقترح بشأن الحجاب في فرنسا باعتباره مجرد خطوة يقدم عليها حزب مهووس بمعاداة الإسلام ويحن إلى ماضيه الاستعماري؛ بل إنه يمثل في سياق أوسع فرصة سانحة لأمة بأكملها تعاني من هوس "الإسلاموفوبيا" وتحن إلى ماضيها الاستعماري، لكي تقر تشريعاً قد يدق المسمار الأخير في نعش الحرية الدينية للمسلمين.

تكتيكات انتهازية

يبدو أن رقعة الشطرنج الانتخابية لا تقدم للمسلمين سوى خيار واحد مفاجئ: جان لوك ميلونشون، زعيم حزب "فرنسا الأبية" (La France Insoumise) المنتمي لأقصى اليسار. ويُعد هذا الخيار مفاجئاً لأن ميلونشون كان، على مدى العقدين الماضيين، في طليعة المروجين لظاهرة "الإسلاموفوبيا" في فرنسا. فقد أيد قرار حظر الحجاب في المدارس الحكومية عام 2004، ودعم بعد سنوات قرار حظر النقاب، واصفاً النساء المسلمات المنقبات بـ"الأشباح". كما كان من أشد المؤيدين لبشار الأسد في ذروة الحرب الأهلية السورية، على الرغم من الجرائم التي ارتكبها الرئيس السوري بحق شعبه، غير أنه في ظل حرب الإبادة الجماعية التي تشنها "إسرائيل" في غزة، بدا أن ميلونشون قد خطا خطوة نحو المجتمع المسلم؛ إذ كان حزبه الوحيد الذي عارض بشدة الممارسات الإسرائيلية، بل ودعم ترشيح ريما حسن، وهي مرشحة من أصول فلسطينية، لعضوية البرلمان الأوروبي.

ومنذ عام 2023 - أي بعد عام واحد فقط من هزيمته المخيبة للآمال في الانتخابات الرئاسية السابقة - منح موقف ميلونشون المؤيد للقضية الفلسطينية حزبه زخماً كان في أمسّ الحاجة إليه في وقتٍ كان مستقبله السياسي على المحك، ما بثّ روحاً جديدة في طموحاته الرئاسية. وقد أشار اعتذاره الأخير عن معارضته السابقة للحجاب - التي وصفها بأنها "خطأ فادح" - إلى أنه ربما قد أدرك أخيراً الصواب بشأن مسألة حرية المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية؛ غير أنه - وفقاً للتقارير- تعهد أيضاً بعدم إلغاء قانون حظر الحجاب الصادر عام 2004، لتجنب إعادة فتح "الجدال حول الملبس"، ولأن المدارس وُجدت بهدف "حماية الأطفال".

يمكن تفسير هذا التناقض بسهولة من خلال الحسابات النفعية للسياسة الانتخابية؛ فميلونشون، الواثق من أن موقفه سيضمن له ما يكفي من أصوات المسلمين لبلوغ الجولة الثانية، يستعد لمنافسة لوبان في عقر دارها، وربما استمالة بعض ناخبيها. ومع ذلك، فإن "الإسلاموفوبيا الهيكلية" ستظل قائمة ومزدهرة في ظل قيادته، إذ يبدو بوضوح متردداً في التصدي للإجماع الوطني القائم على معاداة الإسلام، وذلك سعياً وراء تعزيز فرصه الانتخابية. وعلى ما يبدو، تتمثل استراتيجيته في استغلال مظالم المسلمين لتحسين حظوظه في الجولة الأولى، ثم التخلي عنهم في الجولة الثانية وعند توليه السلطة في حال فوزه. 

وبناءً على ما تقدّم، بات لزاماً على المسلمين في فرنسا اليوم قيادة جيل جديد من المواطنين الساخطين على التردي التعليمي وعنف الشرطة، فضلاً عن الفظائع المرتكبة في إطار "الحرب على الإرهاب" وحملة الإبادة الجماعية في غزة.

نقلته إلى العربية: زينب منعم.