"فورين أفيرز": هل أدرك العالم نفاق الغرب؟
إن عالماً لا تشعر فيه الدول القوية بأنها مُلزمة بتبرير نفسها أخلاقياً ليس أكثر صدقاً، بل هو أكثر خطورة.
-
المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2026
مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تنشر مقالاً يتناول التحولات التي يشهدها العالم وانتهاك الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، المبادئ التي لطالما حملتها، والتناقضات التي نشهدها بين الخطابات والواقع.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
في هذا الشهر، اعتلى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وأدلى برأيه الصريح حول النظام الدولي.
جادل كارني بأن الدول الغربية ازدهرت لعقود من الزمن بالاستناد إلى نظام قائم على القواعد، مع علمها التام بنفاقه.
واعترف قائلاً: "لقد شاركنا في هذه الطقوس، وتجنّبنا إلى حد كبير تسليط الضوء على التناقضات بين الخطاب والواقع".
كان هذا النظام مقبولاً لأنه وفر الاستقرار، ولأن القوة الأميركية، على الرغم من ازدواجية معاييرها، وفرت المنافع العامة التي اعتمدت عليها الدول الغربية الأخرى.
هذا "التمزق" في النظام الدولي، كما وصفه كارني، ينبع من انهيار تلك الاتفاقية؛ فالدول القوية، وتحديداً الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب، لا تتخلى فقط عن القواعد التي دعمت النظام الدولي، بل تتخلى أيضاً عن التظاهر بأن أفعالها تستند، وينبغي أن تستند، إلى مبادئ.
كارني محق في أن شيئاً جوهرياً قد تغير، لكن بدعوته القوى المتوسطة والناشئة إلى الكف عن التظاهر بدعم نظام معيب، فإنه يقلل من شأن ما يختفي أيضاً عندما يزول هذا التظاهر.
يبقى من غير الواضح تماماً كيف يمكن للدول المتوسطة أن تنجح في مثل هذه المهمة الإنقاذية، وما إذا كان من الممكن أن ينشأ أي نظام دولي قائم على القيم من بين الأنقاض التي خلّفتها الولايات المتحدة.
تحول الخطاب الأميركي إلى لغة نفعية بحتة
هذا أمرٌ مُقلق. إن عالمًا لا تشعر فيه الدول القوية بأنها مُلزمة بتبرير نفسها أخلاقياً ليس أكثر صدقاً، بل هو أكثر خطورة. عندما تشعر القوى العظمى بأنها مُلزمة بتبرير سلوكها من الناحية الأخلاقية، تكتسب الدول الأضعف نفوذاً. يمكنها الاستناد إلى معايير مشتركة، والاحتجاج بالقانون الدولي، والمطالبة بالاتساق بين الخطاب والفعل.
ولكن بدون الحاجة إلى الحفاظ حتى على وهم المبدأ، يمكن لدولة قوية أن تفعل ما تشاء وهي تعلم أنها لن تُقيد إلا بقوة الآخرين. إن عدم الاستقرار الذي يُولّده هذا الوضع لن ينجو منه حتى الأقوياء.
السمة المميزة للوضع الراهن ليست انتهاك الولايات المتحدة للمبادئ التي دافعت عنها سابقاً، بل هو استغناؤها المتزايد عن تبرير أفعالها بتلك المبادئ؛ فبينما كانت الإدارات السابقة تُغلّف قوة الولايات المتحدة بلغة القانون والشرعية والقيم الليبرالية العالمية، تُدافع واشنطن الآن عن سياستها الخارجية بلغة نفعية بحتة.
كان هذا التحوّل واضحاً بالفعل خلال ولاية ترامب الأولى؛ فعندما انسحب من الاتفاق النووي الإيراني لم يزعم ترامب أن طهران انتهكت الأعراف الدولية أو أن الاتفاق يهدد الاستقرار الإقليمي، بل وصفه ببساطة بأنه اتفاق سيئ للولايات المتحدة.
في ولايته الثانية، تخلى ترامب تماماً عن لغة التبرير، فعندما هدّد الدنمارك وسبع دول أوروبية حليفة أخرى بفرض رسوم جمركية بسبب معارضتها لمحاولته ضم غرينلاند، لم يصوّر النزاع من منظور المصالح المشتركة أو التزامات التحالف، بل صوّره صراحةً كورقة ضغط؛ كمطلب نفعي لانتزاع تنازلات إقليمية.
إن رفض واشنطن الاستناد إلى المبادئ عند صياغة سياستها الخارجية يُغيّر جذرياً قواعد التنافس بالنسبة إلى الدول الأضعف. قد ينتقد البعض سياسات ترامب باعتبارها فجة أو أنانية، لكنهم يجدون صعوبة في اتهام الرئيس الأميركي بالنفاق.
لا يوجد تناقض بين الفضيلة المعلنة والممارسة الفعلية عندما يُتخلى عن ادعاء الفضيلة. لم تعد القوة تستند إلى مبادئ عالمية، بل تؤكد استحقاقاً خاصاً. والنتيجة ليست مجرد أسلوب دبلوماسي أكثر قسوة، بل إنه تحول في الأسس الجوهرية التي تعمل بها القوة الأميركية، والأهم من ذلك، في كيفية مقاومتها.
نقله إلى العربية: الميادين نت.