"فايننشال تايمز": كيف قلب لولا موازين الانتخابات لصالحه خلال ثلاثة أسابيع؟
من خلال حملة نشطة على الإنترنت وتقديم مزايا اجتماعية، أعاد الرئيس البرازيلي الزخم إلى حملته الانتخابية بين الجولتين الأولى والثانية.
-
"فايننشال تايمز": كيف قلب لولا موازين الانتخابات لصالحه خلال ثلاثة أسابيع؟
صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تنشر تقريراً يتناول كيف نجح الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في قلب موازين الانتخابات لصالحه خلال ثلاثة أسابيع فقط، بين الجولتين الأولى والثانية، بعدما كان متأخّراً عن منافسه اليميني فلافيو بولسونارو.
يرى التقرير أنّ فوز لولا لم يكن نتيجة إعادة تنشيط حملته الانتخابية وحشد الناخبين فحسب، بل جاء أيضاً نتيجة تصاعد الرفض الشعبي للتيار البولسوناري، مشيراً إلى أنّ النتيجة مثّلت هزيمة للبولسونارية.
أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:
في منتصف مناظرة تلفزيونية مساء الجمعة، كانت فرصته الأخيرة لقلب مسار انتخاباته الأخيرة، بدأ لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يبدو متقدّماً في السن. فقد بدا الرئيس البرازيلي، البالغ من العمر 80 عاماً، مرتبكاً أحياناً بسبب صيغة المناظرة، ومنزعجاً من الثقة بالنفس التي أظهرها منافسه الأصغر سنّاً بكثير، فلافيو بولسونارو.
لكنّ السيناتور البالغ من العمر 45 عاماً وصف لولا بعد ذلك بأنّه "ذو الأصابع التسعة"، في مزحة فظّة تتردّد أحياناً في الأوساط اليمينية في البرازيل، في إشارة إلى إصبع فقده لولا في حادث داخل مصنع لتشغيل المعادن في ساو باولو، عندما كان لا يزال مراهقاً.
عندها، تصدّر لولا، الذي سيبلغ الحادية والثمانين يوم الثلاثاء، المشهد ونظر مباشرة إلى الكاميرا، قائلاً: "كنت قاصراً وأعمل ليلاً، لأنني إما أن أعمل وإما ألا أجد ما آكله"، في تذكير صارخ بأصول الرئيس المتواضعة في واحدة من أكثر دول العالم تفاوتاً في مستويات المعيشة. وأضاف: "لن أقبل أن يصفني شخص مترف بأنني ذو الأصابع التسعة".
ومن المستحيل معرفة ما إذا كان هذا التبادل الكلامي، الذي انتشر على نطاق واسع عبر الإنترنت خلال عطلة نهاية الأسبوع، قد ساهم في تغيير مسار الانتخابات البرازيلية. لكنّ استطلاعات الرأي التي أُجريت قبل مناظرة الجمعة منحت بولسونارو تقدّماً بمتوسط نقطتين مئويتين، في حين فاز لولا يوم الأحد بفارق 3.5 نقاط مئوية.
وقال ماريو ماركونيني، المدير الإداري في شركة "تينيو" للاستشارات: "أعتقد أنّ تلك اللحظة كان لها بالفعل تأثير حاسم، لأنها جسّدت الفارق بين الجهد والخبرة والوعي الاجتماعي من جهة، ونقيض ذلك من جهة أخرى". وأضاف: "لقد منحت لولا فرصة لتذكير الناس بمسيرته ونضاله، من دون أن يبدو وكأنّه يستغرق في الحديث عن الماضي".
وافتتحت الانتخابات البرازيلية فترة تمتدّ عشرة أيام تشهد انتخابات محورية على المستوى الدولي، إذ تتوجّه "إسرائيل" إلى صناديق الاقتراع في 27 تشرين الأول/أكتوبر، فيما تُجرى انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر. وفي عصر يُطاح فيه بصورة متكرّرة بالقادة الموجودين في السلطة، سيحظى انتصار لولا بمتابعة دقيقة في مختلف أنحاء العالم.
وإلى جانب أدائه في المناظرة، أعاد لولا تنظيم حملته الانتخابية خلال الأسابيع الثلاثة الفاصلة بين الجولتين الأولى والثانية، بحثاً عن أساليب جديدة لإيصال رسالته إلى الناخبين.
وبدأ الرئيس، الذي كان قد صرّح حتى العام الماضي بأنّه لا يمتلك هاتفاً محمولاً، بتصوير مقاطع فيديو ذاتية في محاولة للتواصل على نحو أكثر شخصية مع الناخبين الشباب الذين ابتعدوا عن المشاركة السياسية.
وكانت الشخصية المحورية في هذا التحرّك عبر الإنترنت أندريه جانونيس، وهو نائب حليف من حزب آخر، أنشأ قناة مؤيّدة للولا على تطبيق "واتسآب"، استقطبت نحو 11 مليون متابع. واعتمد جانونيس مصطلحات عسكرية، فأطلق على المجموعة اسم "جيش لولا"، وراح يرسل سيلاً من الرسائل التحفيزية القصيرة والتعليمات المرتبطة بالحملة إلى المؤيّدين، مطلقاً على نفسه لقب "الجنرال"، وعلى لولا لقب "المارشال".
وقد أشاد العديد من المتعاطفين مع لولا بأسلوب جانونيس النشط والجريء، الذي لا يخلو من التهكّم، معتبرين أنّه أضفى شعوراً بالإلحاح على حملة كانت تفتقر سابقاً إلى الحماسة.
وكان بعض المحلّلين قد شكّكوا في قدرة هذه الجهود على خفض نسبة الامتناع عن التصويت، التي تتركّز بين الناخبين الأقلّ تعليماً والأشدّ فقراً، والذين يميلون إلى تأييد لولا. لكنّ هذا التحوّل في الاستراتيجية بدا أنّه أتى ثماره، إذ سجّلت الجولة الثانية في نهاية المطاف أعلى نسبة مشاركة انتخابية منذ 20 عاماً.
وقالت أنجيليكا يانسن، البالغة من العمر 53 عاماً، والقادمة من مدينة ماناوس في منطقة الأمازون، والتي كانت تحتفل بفوز لولا برفقة ابنها في جادة باوليستا، إنّ جانونيس أدّى دوراً أساسياً في هذا الانتصار. وأضافت: "بعد نتيجة الجولة الأولى، اعتقدت أنّنا خسرنا. ثم جاء جانونيس وبدأنا نقاتل".
وقدّم لولا أيضاً سلسلة من المزايا المالية خلال المرحلة الأخيرة من حملته الانتخابية، شملت محاولة مدّ الجسور مع روّاد الأعمال الشباب، من خلال توسيع نطاق الإعفاء من الديون للشركات الصغيرة.
وكان مستشارو الحملة قد حذّروا من أنّ بولسونارو، الذي وعد بإنشاء وزارة للازدهار بهدف استثمار الاهتمام بريادة الأعمال، كان يحقّق تقدّماً كبيراً بين شريحة متنامية من ناخبي الطبقة العاملة الذين يتطلّعون إلى إدارة أعمالهم الخاصة.
أما التحوّل الاستراتيجي الآخر في الجولة الثانية، فتمثّل في قدرة لولا على توجيه الاهتمام نحو بولسونارو. فقد دأب على تذكير الناخبين بأنّ والد منافسه، الرئيس السابق جايير بولسونارو، أُدين بالتخطيط لانقلاب عسكري بعدما خسر أمام لولا في انتخابات عام 2022.
وخلال الأسبوع الأخير، واظب أيضاً على وصف فلافيو بولسونارو بأنّه "ميليسيانو" (miliciano)، في إشارة إلى ارتباطاته بأفراد على صلة بالجريمة المنظّمة في ريو دي جانيرو. (وقد نفى بولسونارو دائماً وجود أيّ صلة مباشرة له بهذه الجماعات).
وتضرّر بولسونارو أيضاً من الانطباع السائد بأنّه وحلفاءه كانوا يعتقدون أنّهم حسموا الفوز بالفعل، بعد أدائه القوي في الجولة الأولى. حتى إنّ بعض حلفائه بدأوا يناقشون علناً أسماء الأشخاص الذين سيتولّون حقائب وزارية معيّنة.
وكان بولسونارو يُعدّ المرشّح الأوفر حظّاً للفوز بالرئاسة، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنّ أحداً لم يسبق له أن تمكّن من تعويض تأخّره في الجولة الأولى والفوز بالانتخابات. كما أنّ معظم المرشّحين الذين خرجوا من السباق بعد تلك الجولة كانوا ينتمون إلى اليمين، ما عزّز التوقّعات بانتقال أصواتهم إلى بولسونارو.
وفي أوساط اليمين، ستبرز انتقادات متبادلة بشأن قرار جايير بولسونارو استغلال مكانته القيادية للدفع بابنه الأكبر مرشّحاً في انتخابات هذا العام، بدلاً من شخصية أقرب إلى يمين الوسط، كانت ستواجه مستويات أقلّ من الرفض لدى الناخبين.
وكان كثيرون في أوساط الأعمال يأملون أن يبرز حاكم ساو باولو، تارسيسيو دي فريتاس، منافساً للولا. لكنّ دي فريتاس انتهى به الأمر إلى الترشّح مجدّداً لمنصب الحاكم، حيث تغلّب على فرناندو حداد، وزير المالية السابق وأحد الخلفاء المحتملين للولا، بنسبة 63% مقابل 36%. وفي المقابل، خسر بولسونارو التصويت الرئاسي في الولاية يوم الأحد.
وفي ظلّ التدقيق المكثّف الذي خضع له بولسونارو خلال الجولة الثانية، يبدو أنّ كثيراً من الناخبين أعادوا النظر في مدى أهليته لتولّي الرئاسة.
وقال توماس تراومان، المستشار السياسي والسكرتير الصحافي الرئاسي السابق في حكومة يسارية: "كانت النتيجة هزيمة للبولسونارية، أكثر منها انتصاراً للولا". وأضاف: "لقد كان النفور منها شديداً إلى درجة أنّ الناس نظّموا أنفسهم، من دون أحزاب، من أجل إلحاق الهزيمة بها".
نقلته إلى العربية: بتول دياب.