"فايننشال تايمز": الحوثيون يكشفون حدود الترسانة العسكرية السعودية الضخمة

تُعدّ المملكة السعودية واحدة من أكبر الدول شراءً للأسلحة في العالم، لكنها واجهت صعوبة في مواكبة تكتيكات الحوثيين.

  • "فايننشال تايمز": الحوثيون يكشفون حدود الترسانة العسكرية السعودية الضخمة

صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تنشر تقريراً يتناول عجز منظومات الدفاع الجوي السعودية عن التصدي لهجمات القوات المسلحة اليمنية المتصاعدة، رغم امتلاك المملكة ترسانة عسكرية ضخمة ومتطورة، وإنفاقها مئات المليارات من الدولارات على التسلّح.

ويخلص التقرير إلى أنّ امتلاك ترسانة عسكرية متطورة وإنفاق مبالغ ضخمة على التسلّح لا يضمنان الحماية من هجمات أقل كلفة وأكثر مرونة.

 أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

أنفقت السعودية مئات المليارات من الدولارات لبناء واحدة من أقوى الترسانات العسكرية في الشرق الأوسط، تضمّ أسلحة أميركية تتراوح بين صواريخ "باتريوت" وطائرات "إف-15" المقاتلة.

لكنّ هجمات الحوثيين استهدفت، يوماً بعد يوم خلال هذا الشهر، مواقع في عمق المملكة، بما فيها مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وكشفت بصورة قاسية عن حدود هذا الإنفاق. ويوم الثلاثاء، بدا أنّ الحوثيين استهدفوا مقرّ شركة "أرامكو" السعودية في الظهران، وهي أكبر شركة نفط في العالم.

وعلى الرغم من نجاح المملكة في الدفاع عن نفسها في مواجهة رشقات من الصواريخ الإيرانية في مرحلة سابقة من الحرب، قال محلّلون وأشخاص مطّلعون على شؤون الجيش السعودي إنّ المملكة واجهت صعوبة في التكيّف مع التغيّرات السريعة في تكتيكات الحوثيين وتقنياتهم. وأضافوا أنّ الضغط على مخزونات الصواريخ الاعتراضية في المنطقة، بعد أشهر من القصف الإيراني، زاد أيضاً من تعقيد قدرة المملكة على الدفاع عن أراضيها الشاسعة.

وقال بلال يوسف صعب، المدير الإداري الأول في شركة "تريندز يو إس" الاستشارية في واشنطن، والباحث المشارك في مركز أبحاث "تشاتام هاوس": "لا يوجد ما يُسمّى دفاعاً مثالياً. وينبغي دائماً توقّع حدوث اختراقات. ومع ذلك، يجب أن تكون المطارات، وليس منشآت الطاقة فحسب، ضمن قائمة البنى التحتية الحيوية التي لا بدّ من حمايتها".

وأوضح صعب أنّ الأمر يتعلّق، في المقام الأول، "بتكتيكات الحوثيين وإخفاق السعوديين في تنسيق أنظمة الدفاع الصاروخي".

وخصّصت المملكة ما يعادل 6.5% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري العام الماضي، وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وهي من أعلى النسب في العالم.

وكانت هذه النسبة قد بلغت 13% في عام 2015، وهو العام الذي أرسل فيه الأمير محمد بن سلمان، الذي كان وزيراً للدفاع آنذاك، تحالفاً عسكرياً لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في حربها ضد الحوثيين.

وبعد ذلك، أمضت المملكة سنوات غارقة في الصراع، وشنّت حملة جوية واسعة النطاق ومكلفة ضد الحوثيين، في إطار حرب أهلية وصفتها الأمم المتحدة بأنّها أسوأ أزمة إنسانية من صنع الإنسان في العالم، قبل التوصّل إلى وقف لإطلاق النار عام 2022.

وبعد أن شنّت الولايات المتحدة و"إسرائيل" هجمات على إيران في شباط/فبراير، بدت الدفاعات الجوية السعودية في البداية في وضع جيّد لحماية المملكة من الضربات الإيرانية، إذ حقّقت معدّلات اعتراض مرتفعة.

لكنّ الهدنة مع الحوثيين، وإن صمدت في البداية، لم تستمر. فبعد أن استهدفت الرياض مدرج مطار في العاصمة صنعاء، الخاضعة لسيطرة الحوثيين، في تموز/يوليو، قائلةً إنّها كانت تحاول منع طائرة إيرانية من الهبوط، أعلن الحوثيون فرض حصار على السفن السعودية، وشنّوا هجوماً للسيطرة على ساحل البحر الأحمر، وبدأوا قصف منشآت الطاقة السعودية، ما أدّى إلى تعطيل صادرات المملكة النفطية.

كما تسبّب هجوم منفصل شنّته فصائل شيعية مسلّحة في العراق في إغلاق خط أنابيب النفط الحيوي الممتدّ من شرق المملكة إلى غربها بصورة مؤقتة.

اقرأ أيضاً: "المونيتور": سعياً لاستمالة السعودية.. نتنياهو قد يشنّ هجوماً على اليمن قبل الانتخابات

وكثّف الحوثيون حملتهم ضد مطارات المملكة هذا الشهر، بعد أن أعلن التحالف اليمني المدعوم من السعودية شنّ هجوم مضاد، ما أجبر شركات الطيران على إلغاء آلاف الرحلات الجوية. وأسفرت ضربة يوم السبت، التي استهدفت مطار الملك خالد في الرياض، المغلق حالياً، عن مقتل 13 شخصاً وإصابة 300 آخرين، في الهجوم الأكثر دموية من نوعه منذ ما يقرب من عقد.

ونظراً إلى أنّ القادة العسكريين السعوديين راكموا سنوات من الخبرة في قتال الحوثيين، يقول أشخاص سبق لهم العمل مع الجيش السعودي إنّ المشكلة لا تكمن في نقص الخبرة.

وقال ديفيد دي روش، الأستاذ في معهد "ثاير مارشال" للاستشارات والتعليم، الذي قدّم برامج تدريبية لكبار قادة الدفاع السعوديين: "لقد أمضيت وقتاً طويلاً في العمل مع قيادة قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي"، واصفاً إياهم بأنّهم "يتمتّعون بكفاءة استثنائية للغاية".

وبدلاً من ذلك، يقول محلّلون عسكريون إنّ الحوثيين خرجوا من سنوات من الحرب ضد السعودية و"إسرائيل" والولايات المتحدة بفهم أفضل بكثير لكيفية اختراق أنظمة الرادار الحديثة والصواريخ الاعتراضية، في حين أتاحت لهم سنوات وقف إطلاق النار الأربع مع الرياض فرصة لإعادة التسلّح بمساعدة إيران.

وقال شخص أُطلع على تفاصيل الهجمات إنّ الحوثيين استخدموا طائرات مسيّرة، يُعتقد أنّها من طراز "صماد-2" أو "صماد-3"، وهي طائرات هجومية ثابتة الجناحين وبعيدة المدى، لتحديد نطاقات تغطية الصواريخ الاعتراضية. وبعد ذلك، استخدموا صواريخ كروز، يُحتمل أنّها تستند إلى الصاروخ الإيراني "قدس-4"، وهي صواريخ تحلّق على ارتفاعات أقلّ وبسرعات أبطأ، ويمكنها تغيير مسارها، ما يجعل اكتشافها أمراً صعباً. ووصف الشخص ذلك بأنّه "مزيج من الحظ والاستراتيجية".

وقال محمد الباشا، مؤسّس شركة "باشا ريبورت" الاستشارية، ومقرّها واشنطن: "ما نشهده الآن يشير إلى أنّ الحوثيين كانوا يكتسبون أيضاً خبرة عملياتية قيّمة، ويتعلّمون من الهجمات الفاشلة، ويعدّلون تكتيكاتهم، ويحسّنون قدرتهم على تحدّي أنظمة الدفاع الجوي المتطوّرة".

واستفاد الحوثيون أيضاً من الدروس التي تعلّمتها إيران وحلفاؤها الإقليميون خلال مواجهاتهم مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، بما في ذلك الضربات الصاروخية التي استهدفت القواعد العسكرية والبنية التحتية الحيوية في مختلف أنحاء الخليج. وقال الباشا: "لقد تعلّم الحوثيون وداعموهم الإيرانيون بعض الحيل بشأن نقاط القوة والقيود التي تعاني منها أنظمة الدفاع الجوي الغربية".

وتتمتّع السعودية بمنظومة دفاع جوي واسعة النطاق، تشمل أنظمة "باتريوت" و"ثاد"، وصواريخ أرض-جو، وطائرات مسيّرة اعتراضية، وشبكات رادار، ومعدّات حرب إلكترونية، وحتى منظومة "سكاي شيلد" (Sky Shield)، وهي سلاح ليزري صيني الصنع يعمل بالألياف الضوئية ومخصّص لمكافحة الطائرات المسيّرة.

لكنّ إمدادات الصواريخ الاعتراضية تشكّل عاملاً حاسماً، وإن كان يكتنفه بعض الغموض، بحسب المحلّلين. فمنذ شباط/فبراير، دافعت دول الخليج عن نفسها في مواجهة الهجمات الصاروخية الإيرانية باستخدام مكثّف لمنظومتَي "باتريوت" و"ثاد"، ومن المعروف على نطاق واسع أنّ المخزونات الحالية منخفضة، رغم أنّ حجمها الفعلي يُعدّ سرّاً يخضع لتكتّم شديد. وقد حذّرت الولايات المتحدة حتى أقرب حلفائها من أنّ إمدادات صواريخ "باتريوت" الاعتراضية محدودة للغاية، في ظل إعطاء واشنطن الأولوية لاحتياجاتها العسكرية الخاصة.

وقال دي روش إنّ السعودية تواجه ضغوطاً إضافية على دفاعاتها الجوية، لأنّ عليها الآن أن تتوقّع تهديدات من إيران شرقاً والحوثيين جنوباً، ما يعني أنّه "يتعيّن عليك تقسيم قواتك إلى نصفين".

وقال روبرت تولاست، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، إنّ الحوثيين يستطيعون، في حال توافر التخطيط الكافي، حشد صواريخهم بأعداد كبيرة لإغراق دفاعات حتى الأهداف المحصّنة جيداً.

وأضاف: "يجد السعوديون أنفسهم في الوضع نفسه الذي يواجهه الأوكرانيون أو الإسرائيليون أو الأميركيون. فمن الواضح أنّ إنتاج هذه الصواريخ الاعتراضية يتعرّض لضغوط، ومن الصعب تحديد الأولويات".

وأشار تولاست إلى أنّ الدفاع عن السعودية أصعب بكثير من الدفاع عن "إسرائيل"، على سبيل المثال، نظراً إلى انتشار القواعد العسكرية والمطارات والمنشآت النفطية والمدن على مساحة شاسعة من الأراضي، لا تستطيع أيّ شبكة دفاع جوي حمايتها بالكامل.

وقال ساشا بروخمان، الباحث المقيم في البحرين لدى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إنّ هجمات الحوثيين التي طالت مختلف أنحاء المملكة تندرج ضمن استراتيجية تهدف إلى "تشتيت" قدرات الدفاع الجوي السعودي وإضعاف كثافتها.

وأوضح بروخمان أنّ المسلّحين "سيستهدفون موقعاً مهماً بالنسبة إليك لأيام متتالية، إلى أن تبدأ بنقل مواردك المحدودة إلى ذلك الموقع، فيراقبون من أين تأتي هذه الموارد". وأضاف: "إنّهم يشتّتون قدراتك ويجبرونك على نقلها، ثم يضربون موقعاً آخر مهماً بالنسبة إليك".

وقال تولاست إنّ الدفاع في مواجهة هجمات صاروخية بهذا الحجم يقتضي تدمير منصّات الإطلاق داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، من خلال الجمع بين عمليات جمع معلومات استخباراتية دقيقة ومضنية، وتكليف الأسطول السعودي الضخم من مقاتلات "إف-15" بتنفيذ ضربات، على غرار ما فعلته الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية حين حدّدت مواقع منصّات إطلاق الصواريخ في إيران واستهدفتها من الجو.

وقال تولاست: "إنّها في الأساس أشبه بلعبة اضرب الخلد"، مشيراً إلى أنّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" واجهتا صعوبة في القضاء على منصّات إطلاق الصواريخ الإيرانية المتنقّلة، رغم استخدامهما قدرات واسعة للمراقبة عبر الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة.

ويُعتقد أنّ الحوثيين يمتلكون شبكات من الكهوف والأنفاق، الطبيعية والمحفورة، في مختلف أنحاء المناطق الجبلية شمالي اليمن، وقد صمدوا أمام سنوات من الغارات الجوية التي قادتها السعودية، ومؤخراً أمام حملات قصف أميركية وإسرائيلية واسعة النطاق.

اقرأ أيضاً: "ذا إيكونوميست": السعودية تواجه حصاراً متزايداً

وقد لجأت السعودية إلى حلفائها طلباً للمساعدة. ففي الشهر الماضي، أعلنت فرنسا أنّها سترسل جنوداً ورادارات وأنظمة دفاعية لحماية محطة ينبع النفطية، فيما وافقت المملكة المتحدة على توفير طائرة "فوياجر" للتزوّد بالوقود جوّاً، تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، من أجل "دعم الأنشطة الدفاعية السعودية" في اليمن.

كما وضعت الهجمات على السعودية اتفاقية دفاعية جديدة مع تركيا وباكستان أمام الاختبار، بعدما أعلنت الدول الثلاث هذا الشهر أنّها اتفقت على "تفعيل تدابير الردع الجماعي".

وكانت باكستان، التي دأبت منذ فترة طويلة على إرسال جنود ومدرّبين عسكريين إلى السعودية، قد أرسلت في نيسان/أبريل طائرات مقاتلة وطيّارين إلى المملكة، فيما أعلنت تركيا أنّها توفّر "قوات وقدرات عسكرية"، وإن كان من غير المتوقّع أن يشمل ذلك إرسال جنود.

لكنّ أهم شريك دفاعي للسعودية حتى الآن يبدو أقلّ التزاماً. فعلى الرغم من أنّ الأمير محمد اتصل بدونالد ترامب الشهر الماضي لطلب دعم أميركي في مواجهة المسلّحين، ظلّ الرئيس الأميركي غامضاً في تصريحاته العلنية بشأن ما إذا كان سيتدخّل. وقد تسبّب ذلك في توتّر في الرياض، رغم استمرار واشنطن في تقديم المساعدة الاستخباراتية والدعم في تحديد الأهداف، بحسب المحلّلين.

وقال جون ألترمان، الذي يشغل كرسي بريجنسكي للأمن العالمي والاستراتيجية الجغرافية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: "اعتادت الولايات المتحدة الدفاع عن القوى الأضعف في مواجهة القوى الأقوى، لكن من الصعب تذكّر وقت كانت فيه تعمل على الدفاع عن القوى الأقوى في مواجهة القوى الأضعف". وأضاف: "كان موقفهم يتمثّل في القول: هذه مهمّتكم".

نقلته إلى العربية: بتول دياب.