عراقتشي في "وول ستريت جورنال": رسالتنا لواشنطن واضحة؛ جربتم العداء وفشلتم.. حان وقت الاحترام
على عكس ضبط النفس الذي أظهرناه في عام 2025، لن نتردد هذه المرة في الرد بكل ما أوتينا من قوة.
-
عراقتشي في "وول ستريت جورنال": السلطات الإيرانية تدافع عن تشديد حملتها الأمنية
صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية تنشر مقالاً لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، تناول فيه الأحداث الأخيرة في إيران، محذراً من أن استمرار التصعيد سيقود إلى فشل الدبلوماسية وحرب إقليمية واسعة ذات كلفة عالمية.
ودعا إلى استبدال نهج العقوبات والتهديد بـ"الاحترام" والتفاوض الجاد، مع التأكيد في الوقت نفسه أنّ إيران قادرة على الرد عسكرياً إذا تعرّضت لهجوم.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
ينبغي للبيت الأبيض أن يكون بمنأى عن موجة الأخبار الكاذبة التي تبثها وسائل الإعلام الغربية حول الأحداث الأخيرة في إيران، ولكن قد يكون من الضروري توضيح بعض النقاط.
بدأت الاحتجاجات سلمية واعترفت بها الحكومة الإيرانية. ثم تحولت فجأة إلى أعمال عنف عندما تدخلت جهات إرهابية أجنبية ومحلية، ما جعل قطع الاتصالات بين منظمي أعمال الشغب والإرهابيين ضرورة حتمية. ومع قيام أجهزة الاستخبارات والأمن لدينا بتفكيك تلك الخلايا، يجري استعادة الإنترنت وجميع الاتصالات تدريجياً.
لقد شوّهت وسائل الإعلام الواقع بشكلٍ فعّال، وساهمت في خلق مناخٍ يُنذر بخطر اندلاع عنفٍ غير مسبوق في منطقتنا. لو خُيّرتُ، لقلتُ إنّ العنف كان الهدفَ الأساسيّ لهذه الحملة التضليلية الواضحة.
بينما استخدمت جماعات ملثمة ترتدي ملابس سوداء بنادق ومسدسات للتسلل إلى الاحتجاجات وحصد أرواح المتظاهرين الأبرياء في شوارعنا، ظهرت تقارير في وسائل إعلام مختلفة تزعم سقوط مدن إيرانية كبرى. وزعمت تقارير أخرى استمرار العنف المسلح على نطاق واسع. في الواقع، لم تستمر المرحلة العنيفة من الاضطرابات أكثر من 72 ساعة. وقد أقررت في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" بأن عدد القتلى بالمئات، وسيتم الإعلان عن الحصيلة النهائية حالما تتمكن وزارة الصحة والمستشفيات من تقديم أرقام دقيقة.
اختلفت أحداث هذا الشهر عن الاحتجاجات السابقة في جانب حاسم. فقد حذر الرئيس الأميركي علناً من أن إيران ستواجه عواقب وخيمة إذا قُتل متظاهرون. هذه الرسالة، سواء عن قصد أو غير قصد، أعطت المتآمرين حافزاً لاتباع استراتيجية قاسية ومروعة لا يمكن وصفها إلا بأنها "إراقة دماء غزيرة". كان الهدف واضحاً: جر الولايات المتحدة إلى خوض حرب أخرى نيابة عن "إسرائيل". عندما يُقرّ حتى مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق في عهد الرئيس ترامب، مايك بومبيو، علناً بتغلغل جهاز الموساد الإسرائيلي في الاحتجاجات الشعبية، لا يمكن اعتبار هذه الحقيقة مجرد نظرية مؤامرة.
من 28 ديسمبر/كانون الأول وحتى مساء 8 كانون الثاني/يناير، شهدت إيران مشاهد مألوفة في العديد من الديمقراطيات الأخرى: احتجاجات سلمية في معظمها ضد الإصلاحات الاقتصادية والوضع الاقتصادي، وخاصة التضخم، ومفاوضات مع منظمات تجارية، واشتباكات محدودة غير مميتة. تُدرَّب الشرطة الإيرانية وتُجهَّز أساساً لإدارة الاضطرابات من دون استخدام الأسلحة النارية، وكان جميع الضباط تقريباً على الأرض غير مسلحين. ولكن، بعد ساعات فقط من إعلان السيد ترامب أنه يدرس التدخل في حال اندلاع أعمال عنف جماعية، فوجئت قوات الأمن الإيرانية بهجمات مسلحة منسقة وواسعة النطاق.
استهدفت النيران رجال الشرطة والمدنيين على حد سواء. أُصيب ضباط الشرطة بالرصاص، وأُحرقوا، بل وقُطعت رؤوس بعضهم. دُمرت حافلات النقل العام، والمستشفيات، وسيارات الإسعاف، ومراكز الإطفاء، والبنية التحتية الصحية، والمتاجر الكبرى، وحتى المساجد عمداً لزيادة عدد الضحايا وإعاقة الاستجابة للطوارئ. كان معظم القتلى من ضباط الشرطة والمدنيين العاديين. ولتوضيح حجم العنف المروع، فقد كان يعادل مقتل 600 من أفراد إنفاذ القانون في الولايات المتحدة خلال 72 ساعة. لا يمكن لأي حكومة أن تقف مكتوفة الأيدي بينما يتعرض مواطنوها لمثل هذه الأهوال التي لا تُصدق.
خلافاً للأكاذيب التي تُروج في الخارج، فقد تم الاعتراف رسمياً بجميع الضحايا العزل كشهداء. هذا يعني أن كل أسرة متضررة ستتلقى الدعم الكامل، بما في ذلك التعويضات والمزايا نفسها التي يحصل عليها ضباط الشرطة الشهداء.
انحسرت أعمال العنف في شوارعنا، وعادت الحياة إلى طبيعتها في جميع أنحاء البلاد. بفضل تدخل رجال الأمن الشجعان، ويقظة وتعاون الجمهور، تم تعقب الخلايا الإرهابية والقضاء عليها.
بينما ينعى الإيرانيون أحباءهم ويعيدون بناء ما دُمّر، يلوح في الأفق خطر آخر: الفشل النهائي للدبلوماسية. على عكس ضبط النفس الذي أبدته إيران في حزيران/يونيو 2025، فإن قواتنا المسلحة الجبارة لا تتردد في الرد بكل ما أوتينا من قوة إذا ما تعرضنا لهجوم جديد. ليس هذا تهديداً، بل حقيقة أشعر بضرورة توضيحها، لأنني كدبلوماسي ومحارب قديم، أكره الحرب. لا شك أن المواجهة الشاملة ستكون شرسة وستطول مدتها بكثير عن الجداول الزمنية الخيالية التي تحاول "إسرائيل" ووكلاؤها الترويج لها في البيت الأبيض. ستجتاح المنطقة بأسرها وتؤثر على حياة الناس العاديين في جميع أنحاء العالم. سأبذل قصارى جهدي لمنع حدوث هذا السيناريو.
يرى ترامب نفسه صانع صفقات. لكن ما جلبه لمنطقتنا حتى الآن لم يكن سوى الحرب. انظروا إلى فلسطين، ولبنان، وسوريا، واليمن، وإيران، وحتى قطر، واحصوا عدد الضحايا خلال فترة حكمه التي امتدت لاثني عشر شهراً. لقد حان وقت تغيير المسار.
مع إيران، حاول ترامب الدبلوماسية أولاً. وفي ثلاث مناسبات على الأقل، كنا قريبين جداً من حل وسط خلال مفاوضات عُمان في مايو الماضي. لكن، في النهاية، لم يُكتب لها النجاح. لماذا؟ بسبب وكلاء "إسرائيل" في البيت الأبيض، الذين لا يُبالون بالمصالح الأميركية. كما أضعنا فرصة ذهبية لاستئناف الدبلوماسية في نيويورك في سبتمبر الماضي، لمجرد خطأ في التقدير من جانب الولايات المتحدة في حث الأوروبيين على تفعيل ما يُسمى بـ"آلية إعادة فرض العقوبات" في خطة العمل الشاملة المشتركة، والتي تُعيد فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران.
ستختار إيران دائماً السلام على الحرب. لطالما كنا على أهبة الاستعداد لمفاوضات جادة وحقيقية للتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن، وقد أثبتنا ذلك مراراً وتكراراً في السنوات الأخيرة. وإذ نتذكر ما شهدناه في حزيران/يونيو وأيلول/سبتمبر 2025، فإننا غير مقتنعين بأن الولايات المتحدة تشاركنا هذا التوجه.
رسالة إيران إلى الرئيس ترامب واضحة: لقد جربت الولايات المتحدة كل عمل عدائي ممكن ضد إيران، من العقوبات والهجمات الإلكترونية إلى الهجوم العسكري المباشر، ومؤخراً، دعمت بوضوح عملية إرهابية كبرى، وكلها باءت بالفشل. لقد حان الوقت للتفكير بشكل مختلف. فلنجرب الاحترام، الذي سيمكننا من تحقيق تقدم يفوق ما قد يتصوره البعض.
نقله إلى العربية: الميادين نت.