تقرير: من عالم القطب الواحد إلى التعددية.. هل أخطأ الغرب في قراءة التحول؟

الخبير الأميركي جون ميرشايمر يتحدث عن رؤيته بشأن النظام الدولي الذي يشهد تحولاً جذرياً مع انتهاء مرحلة الأحادية القطبية وعودة التنافس بين القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين وروسيا.

0:00
  • "عاد النظام الدولي إلى التعددية القطبية"

في مقابلة صحافية مع موقع "Greater Eurasia"، يرى جون ميرشايمر، الخبير الأميركي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية أنّ النظام الدولي قد تغير جذرياً، لكن النخب السياسية الخارجية الغربية فشلت في التكيف مع هذا الواقع، فكانت الفترة التي أعقبت الحرب الباردة لحظة استثنائية للهيمنة الأميركية، حيث تمكنت الولايات المتحدة من العمل بقيود قليلة نسبياً، في حين ولّت تلك اللحظة الأحادية القطبية، وعاد العالم إلى منافسة القوى العظمى، حيث تشكل الولايات المتحدة والصين وروسيا مركز ميزان القوى.

وفيما يلي نص المقابلة منقولةً إلى العربية:

عودة سياسات القوى العظمى

في نظر ميرشايمر، فإنّ النظام الدولي الليبرالي كان في جوهره نظاماً غربياً توسع عالمياً بعد الحرب الباردة، بحيث لم تعد شروطه الأساسية قائمة. فقد أصبحت الصين قوة اقتصادية وعسكرية عظمى، ولا تزال روسيا قوة عظمى ذات قدرات عسكرية هائلة، فيما لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض قواعد النظام الدولي كما كانت تفعل سابقاً.

المشكلة، من وجهة نظره، تكمن في أن العديد من صناع السياسة الغربيين ما زالوا يتصرفون وكأن العصر الأحادي القطبية لا يزال قائماً، بحيث إنهم يقللون من شأن أهمية سياسات ميزان القوى، ويفترضون أن القوى العظمى الأخرى ستتقبل ببساطة توسع النفوذ الغربي في المجالات التي تعتبرها حيوية استراتيجياً.

روسيا وحرب أوكرانيا

كذلك، يرى ميرشايمر أن حرب أوكرانيا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتوسع حلف "الناتو" والمعضلة الأمنية المحيطة بروسيا. فمن وجهة نظر موسكو، يُمثل استمرار توسع تحالف عسكري غربي قوي باتجاه حدود روسيا تهديداً استراتيجياً خطيراً.

ويؤكد أن روسيا أوضحت مراراً وتكراراً أن دخول أوكرانيا إلى المجال الأمني الغربي أمر غير مقبول نظراً إلى موقعها الجغرافي وأهميتها للأمن الروسي، وعليه، فإنّ الخطأ الجوهري يكمن في تجاهل المخاوف الأمنية الروسية بدلاً من إدراك أن القوى العظمى ترد بقوة عندما تتحرك قدرات عسكرية معادية باتجاه حدودها.

ويميز ميرشايمر بين سياسة الاحتواء وسياسة التراجع. فالاحتواء يهدف إلى منع الخصم من توسيع نفوذه، بينما يهدف التراجع إلى كبح جماح هذا النفوذ وتغيير التوازن القائم، في حين أنّ السياسة الغربية تجاه روسيا تجاوزت الاحتواء تدريجياً نحو التراجع، مما خلق وضعاً أكثر خطورة.

إيران والخطر النووي

فيما يخص إيران، يحذر ميرشايمر أيضاً من أي محاولة لحل المشكلة الإيرانية عبر تصعيد عسكري حاد. ويؤكد أنّ احتمال استخدام أسلحة نووية تكتيكية ضد إيران أمر بالغ الخطورة وغير سليم استراتيجياً.

ووفقاً له، فإنّ إيران دولة كبيرة ذات قدرات عسكرية هائلة وشعب قادر على المقاومة، إذ لن يقضي الهجوم النووي ببساطة على المشكلة الإيرانية، بل قد يُفضي إلى عواقب غير متوقعة ويشجع على مزيد من التصعيد.

ويرى ميرشايمر أن الأسلحة النووية تختلف جوهرياً عن الأسلحة التقليدية، فبمجرد دخولها في صراع، يصبح التحكم في التصعيد بالغ الصعوبة.

وينطبق المنطق نفسه على روسيا، إذ لا يمكن استفزاز قوة عظمى مسلحة نووياً إلى ما لا نهاية دون خلق احتمال رد فعل غير متوقع من كلا الطرفين.

خطر التصعيد

وبشأن خطر التصعيد، يوضح ميرشايمر أنّ القادة الغربيين "يعملون في بيئة دولية تزداد خطورة من دون فهم كافٍ لمعضلة الأمن. فالأفعال التي يعتبرها أحد الأطراف دفاعية قد تبدو هجومية للطرف الآخر، مما يدفع إلى اتخاذ تدابير مضادة تعزز المخاوف الأصلية.

ويُجادل بأن هذه الديناميكية خطيرة للغاية، إذ يضم العالم اليوم عدة قوى عظمى تمتلك أسلحة نووية. وبالتالي، فإن الضغط العسكري، ونقل الأسلحة، ومحاولات إضعاف الخصم، قد تُؤدي إلى تصعيد الموقف بدلاً من استسلامه.

في الخلاصة، فإنّ الدرس الأساسي، في رأي ميرشايمر، هو أن على الولايات المتحدة وحلفائها إدراك حدود قوتهم. فالقوى العظمى لها مصالح أمنية، ولا يُمكن تجاهل هذه المصالح ببساطة، فقد عاد النظام الدولي إلى التعددية القطبية، في حين أنّ السياسة الخارجية الناجحة تتطلب قبول هذا الواقع بدلاً من محاولة إعادة خلق ظروف العصر الأحادي القطب.

نقله إلى العربية: الميادين نت