"المونيتور": النساء السوريات هدف سهل في مساعي الشرع لترسيخ سلطته

يسعى رئيس سوريا الانتقالي إلى الموازنة بين مطالب الغرب بضرورة تحقيق الشمولية من جهة، وضغوط المتشددين الإسلاميين من جهة أخرى، في إطار سعيه لترسيخ سلطته والتخلص من ماضيه الجهادي.

0:00
  • عبارات مكتوبة على الجدران تقول إن
    عبارات مكتوبة على الجدران تقول إن "الحجاب إلزامي" في دمشق، 22 سبتمبر/أيلول 2026

موقع "المونيتور" الأميركي ينشر تقريراً يتناول التناقض بين الخطاب الذي تتبنّاه سلطة أحمد الشرع في سوريا بشأن الانفتاح والاعتدال، وبين الإجراءات التي تقيّد حقوق النساء ومشاركتهن في المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية، في ظلّ سعي الشرع إلى ترسيخ سلطته وتحقيق توازن بين إرضاء الغرب واحتواء خصومه السياسيين والدينيين.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

فرضت الحكومة السورية المؤقتة، برئاسة أحمد الشرع، بهدوء في أواخر أيلول/ سبتمبر قواعد قبول جديدة تمنع النساء من الالتحاق بمعظم البرامج الأكاديمية في جامعتين حكوميتين جديدتين تركزان على الشؤون الدفاعية والأمنية. وجاء ذلك بعد أيام قليلة فقط من مشاركة السيدة الأولى، لطيفة الدروبي، ووزير الداخلية أنس خطاب، في 23 أيلول/ سبتمبر، في حفل تخريج الدفعة الأولى من الشرطيات في "أكاديمية الشرطة النسائية" المُستحدثة في دمشق. 

ويعكس هذا التناقض الظاهري التوازن الدقيق الذي يسعى الشرع - القائد السابق لفصيل منبثق عن "تنظيم القاعدة" - إلى تحقيقه، وذلك بعد نحو عامين من إطاحته بالرئيس بشار الأسد، في كانون الأول/ ديسمبر 2024. وفي إطار سعيه للحصول على شرعية دولية، عمل "الجهادي" السابق على إعادة تقديم نفسه كإسلامي معتدل، مبدياً رغبته في أن يصبح حليفاً رئيساً للغرب، والسعي نحو اتفاق يمنع التصادم مع "إسرائيل"، أُرجئ في الوقت الراهن. وفي دلالة على انفتاحه المزعوم، سلّم الرئيس بنفسه زوجته شهادتها الجامعية في جامعة إدلب في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي.

وفي أيلول/ سبتمبر من هذا العام، عادت أيقونة الغناء السورية، أصالة نصري، إلى دمشق لإحياء حفل غنائي بيعت فيه كل التذاكر، على الرغم من حملة منظمة قادها الداعية المصري هاني دهب، دعا فيها المؤمنين إلى مقاطعة هذا الحدث الذي وصفه بـ"الآثم". كما وقّع عدد كبير من أقرانه السلفيين على عريضة تطالب بإلغاء الحفل تماماً. وعندما تجاهلت الحكومة رغباته، أرسل دهب الساخط أتباعه إلى موقع الحفل الموسيقي لمنع الحضور من الدخول، إلا أن قوات الأمن الحكومية تصدت لهم وأبعدتهم.

ويرى النقاد أن مثل هذه التصرفات ليست سوى مسرحية أخرى تهدف إلى تبديد مخاوف الغرب. وإلا، فكيف يمكن تفسير نص الدستور السوري المؤقت - الذي أعلنه الشرع منفرداً في آذار/ مارس 2025 - على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع؟ في الواقع، لا يمثل هذا تغييراً يُذكر؛ فدستور عام 2012، الذي أصدره الأسد، نصّ أيضاً على أن الإسلام هو المصدر "الرئيس" للقوانين، واشترط - كما تفعل الوثيقة الحالية - أن يكون رئيس البلاد مسلماً. لقد كان الأسد، وهو علوي، يحاول مثل الشرع تبني نهج براغماتي؛ غير أن محاولاته لتهدئة الأغلبية السنية المضطهدة في البلاد لم تدم طويلاً.

فهل يمكن للإسلاميين الساخطين أن يحملوا السلاح ضد الشرع أيضاً؟ الاحتمال ضئيل - في الوقت الراهن على الأقل - فقد أثبت الشرع براعةً في تحييد خصومه، بغض النظر عن توجهاتهم الأيديولوجية. بل إن المعارك التي خاضها ضد حلفائه السابقين من الجهاديين وتنظيم "الدولة الإسلامية" كانت عاملاً حاسماً في كسب ثقة بعض داعميه الغربيين، وذلك خلال فترة إدارته لما أسماه "حكومة الإنقاذ" في محافظة إدلب شمالي البلاد.

في الحقيقة، ينبغي قراءة تصرفات الشرع من منظور تعزيز السلطة والحفاظ على الذات، بدلاً من النظر إليها من زاوية الصراع بين العلمانيين والمتدينين. ففي وزارة التربية والتعليم، جرى تعيين موالين للرئيس الانتقالي ينحدرون من إدلب ويتبنون توجهات إسلامية واضحة في مناصب قيادية. ومع ذلك، وخلال زيارة أجريتها مؤخراً إلى الوزارة، رأيتُ امرأة ترتدي بنطال "جينز" ضيقاً وهي تقدم الشاي للضيوف.

ويقول منير الفقير، نائب رئيس "حركة سوريا الجديدة" والناشط المعارض الذي تعرض للسجن والتعذيب على يد نظام الأسد، في تصريح لموقع "المونيتور": "يهتم الشرع بأمرين: التخلص من ماضيه المتطرف، لأنه يمثل قيداً حول عنقه يمكن للمجتمع الدولي استخدامه ضده؛ أما الأمر الثاني، فهو الانفراد بحكم البلاد بشكل مطلق". وهذا نمطٌ لوحظ في أماكن أخرى، كما هو الحال في تركيا؛ حيث نجح الرئيس الإسلامي رجب طيب أردوغان في كسب ود الحكومات الغربية عند صعوده إلى السلطة عام 2002، من خلال انفتاحه على النسويات والليبراليين العلمانيين، لكنه سرعان ما تنكر لهم بمجرد ترسيخ دعائم حكمه، الذي دخل الآن عامه الـ24.

من جانبها، تشير مونيكا ماركس، الباحثة المتخصصة في الحركات الإسلامية التي درست الحالة التونسية عن كثب، إلى أنه "لطالما مثلت النساء على مر تاريخ الشرق الأوسط الحديث أهدافاً أولية سهلة في مساعي الرجال لتعزيز سلطتهم. وقد تجلى ذلك بوضوح، لا سيما في فترات تغيير الأنظمة والاضطرابات، حين حشدت القوى القومية العربية المحافظة والإسلامية جهودها لتعزيز الوحدة الثقافية العربية الإسلامية بعد فترات من الصراع".

في المقابل، تواجه المقاتلات الكرديات، اللاتي حاربن تنظيم "الدولة الإسلامية" بشجاعة تحت راية "وحدات حماية المرأة" (YPJ)، تمييزاً مزدوجاً؛ كونهن من غير العرب ومن النساء في آنٍ واحد. فقد رُفضت مطالبهن بالانضمام إلى "الجيش الوطني السوري"، إلى جانب آلاف الرجال الذين كانوا ضمن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي حُلّت لاحقاً، وقيل لهن بدلاً من ذلك إنه بإمكانهن الانضمام إلى وحدات مكافحة الإرهاب التابعة لوزارة الداخلية. وفي هذا السياق، تقول روكسن محمد، المتحدثة باسم "وحدات حماية المرأة": "لا يوجد تمثيل حقيقي للمرأة في أي قطاع من قطاعات الحكومة السورية المؤقتة. إذ يتم تهميش أدوار النساء، والتشكيك في قدراتهن ومؤهلاتهن، وفرض قيود قائمة على أساس النوع الاجتماعي، ما يحرمهنّ من ممارسة حقوقهن".

وعلى الرغم من الوعود المتكررة بتحقيق الشمولية، لا تشغل النساء سوى 22 مقعداً في البرلمان السوري المكوّن من 206 أعضاء. كما لا تضم ​​الحكومة، التي تتألف من 23 وزيراً، سوى امرأة واحدة فقط، وهي هند قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل؛ علماً بأن وجودها يخدم أيضاً تمثيل الأقليات غير المسلمة، كونها العضو المسيحي الوحيد في الحكومة. وتشير روكسن في حديثها إلى موقع "المونيتور" إلى أنّ "إقصاء النساء يقوّض التقدم والديمقراطية والعدالة والمساواة، وهي ركائز تعتمد في بنائها على مشاركة المرأة كشريك حقيقي. وهذا أمر يثير قلقاً بالغاً". وتتفق المنظمات الحقوقية الدولية مع هذا الطرح؛ إذ تشير هبة زيادين، الباحثة الأولى المختصة بالشأن السوري في منظمة "هيومن رايتس ووتش" - في معرض تعليقها على القواعد التي تقيد التحاق النساء بالجامعات الجديدة - إلى أن "السلطات السورية تعيد بناء الجيش من دون مشاركة النساء".

وينظر الكثير من الأكراد إلى تأسيس "أكاديمية الشرطة النسائية" باعتباره مناورةً مخادعةً تهدف إلى أن تُثبت للعالم الخارجي أن النساء لا يتعرضن للتمييز، بغض النظر عن خلفياتهن العرقية. في المقابل، يرى المتشددون الإسلاميون أن مشهد النساء المسلمات وهنّ يستعرضن بخطوات عسكرية صارمة ويحملن الأسلحة - بصرف النظر عن كون جميع خريجات الدفعة الأولى يغطين شعورهن، إن لم يكنّ يغطين وجوههن - يُعدُّ كفراً صريحاً.

ويقول فؤاد نعال، وهو داعية سوري بارز، في حديث لموقع "المونيتور" بلغة إنكليزية طليقة تعلّمها بنفسه خلال 21 عاماً قضاها في سجون الأسد: "حكومتنا لطيفة للغاية، ورئيسنا لطيفٌ جداً. فهما لا يطبقان الإسلام بما يكفي في الحكم بسبب الضغوط الغربية؛ إنهما براغماتيان للغاية". وفي شباط/ فبراير، دعت وزارة الأوقاف - التي تشرف على أنشطة المساجد والأوقاف الدينية وجوانب أخرى من الممارسات الدينية للمسلمين السنة - نحو 1500 رجل دين، وأطلقت ما سُمي بـ"ميثاق توحيد الخطاب الإسلامي". فكان الهدف المُعلن تعزيز الحوار وتوفير مساحة للعلماء المسلمين من مختلف التوجهات لطرح أفكارهم ومناقشتها بالوسائل السلمية؛ إلا أنه يُنظر إلى هذه الخطوة، في المقام الأول، كأداةٍ تهدف الدولة من خلالها إلى فرض سيطرتها.

تسلط رحلة نعال خلال الأشهر الـ22 الماضية الضوء على نهج الشرع. فقد كان الشيخ، الذي يتمتع بشخصية جذابة، يؤمُّ مئاتٍ من رفاقه السجناء في الصلاة داخل جناحهم في السجن كل يوم. ويستذكر قائلاً: "أحياناً كان حراس السجن ينضمون إلينا". وبعد خروجه، خصصت له الحكومة الجديدة مسجداً ليلقي فيه خطبة شهرية، لكن هذا الترتيب لم يدم طويلاً. ويقول نعال بابتسامة يملؤها الأسى: "لم يرغبوا في أن أقف على المنبر لأنتقد أحمد الشرع". فما الذي قاله يا ترى؟ يجيب: "انتقدته بشكل عام. وبخلاف ذلك، يُعدُّ الشرع أفضل رجل في هذه المرحلة، ولا أعتقد أنه فاسد". وتتمثل الشكوى الرئيسة لنعال - كحال الكثيرين ممن تعرضوا للبطش في عهد الأسد - في بطء مسار العدالة الانتقالية. ويوضح قائلاً: "لا أريد أن تغلي الشوارع بالمطالبة بالعدالة".

إن شعور نعال بحرية التعبير عن مثل هذه الأفكار أمام صحافية أجنبية يضع الشرع في موقع مختلف تماماً عن النظام الديكتاتوري الذي سبقه. فهل سيظل الشرع بهذا القدر من التسامح وسعة الصدر بمجرد أن يرسخ قبضته على البلاد؟

من جهته، يقول الناشط الفقير: "في الوقت الراهن، لا يمكنهم إسكاتنا". وهو يرى مثل الكثيرين أن التحدي الأكبر الذي يواجه سلطة الشرع  يكمن في استمرار هشاشة الاقتصاد، على الرغم من رفع العقوبات الدولية. فقد اندلعت أكبر احتجاجات منذ الإطاحة بالأسد في الشهر الماضي، حين رفعت الحكومة أسعار الوقود بنسب وصلت إلى 40%. ولا تلوح في الأفق أي مؤشرات على تحسن الأوضاع في ظل تراجع اقتصادي عالمي فاقمه الصراع مع إيران، كما ترسخت قناعة متزايدة لدى السوريين العاديين بأن فئة محدودة ومقرّبة من الشرع تستفيد وحدها من مكاسب السلطة، في وقت تتكاثر فيه مزاعم الفساد. ويضيف الفقير: "يتضاءل الأمل لدى الناس؛ لأن الشرع لم يثبت أنه يبني حكومة تخدم الشعب، بل يبدو أنه يبني حكومة تخدم نفسه ومصلحته".

وتقدر الأمم المتحدة أن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بينما يرزح نحو 66% منهم تحت وطأة الفقر المدقع. وفي هذا الإطار، توضح لمى الجمل، وهي محامية شركات في دمشق، أن النساء لا يشاركن في الاحتجاجات ضد التمييز؛ لأنهن "منشغلات أكثر بكيفية توفير الوجبة التالية لأطفالهن".

نقلته إلى العربية: زينب منعم.