"الغارديان": كيف يدفع الجفاف العائلات الأفغانية إلى بيع فتياتها كعرائس؟

في الوقت الذي تدفع التغيرات المناخية بالأسر نحو المجاعة، يجد الكثيرون أنفسهم مضطرين إلى "التضحية" ببناتهم من أجل إنقاذ بقية أفراد الأسرة. 

0:00
  • "الغارديان": كيف يدفع الجفاف العائلات الأفغانية إلى بيع فتياتها كعرائس؟

صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر تقريراً حول تفاقم ظاهرة زواج القاصرات في أفغانستان نتيجة الفقر المدقع وموجات الجفاف المرتبطة بالتغير المناخي، التي دمّرت المحاصيل الزراعية وقتلت الماشية وحرمت آلاف العائلات من مصادر رزقها، ما دفع بعضها إلى تزويج بناتها، حتى في سنّ الطفولة المبكرة، مقابل مبالغ مالية لسداد الديون وتأمين الغذاء والعلاج. 

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

تقول ختيرة، البالغة 11 عاماً، التي زُوِّجت قسراً لسداد ديون أسرتها، وهي تجلس في منزلها الكائن في مدينة "قلعة نو"، عاصمة ولاية "بادغيس" شمال غربي أفغانستان: "أنا لست سعيدة بهذا الأمر". وتضيف والدتها نور بيبي، البالغة 40 عاماً، قائلةً: "كانت بصحة جيدة قبل خطبتها، أما اليوم، فهي تعيش في حالة قلق دائم وتبكي كثيراً". وعندما يأتي خطيبها، البالغ 20 عاماً، إلى منزل الأسرة، تسارع ختيرة بالهرب. توضح والدتها أنها توقفت عن الخروج من المنزل منذ خطبتها؛ لأنها "تشعر بالخجل أمام الفتيات الأخريات لكونها مخطوبة". وكان والد ختيرة يعمل في زراعة القمح ورعي الماشية، قبل أن تضطر العائلة إلى النزوح من قريتها الريفية بسبب الجفاف.

في ولاية "بادغيس"، يعتمد 95% من السكان في معيشتهم على الزراعة المطرية وتربية الماشية. لكن موجات الجفاف، التي ازدادت وتيرتها وحدّتها بفعل التغيرات المناخية، سلبت الناس مصادر دخلهم. ونتيجة لذلك، بات تزويج البنات الصغيرات وسيلة شائعة للتكيف مع الوضع السائد؛ بهدف سداد الديون أو توفير الطعام للأسرة أو تغطية تكاليف العلاج الطبي.

وتقول غول بوبو، التي لا تعرف عمرها الحقيقي، وهي تتحدث عن ابنتيها - اللتين تبلغان عامين و5 أعوام - في منزلها بقرية "تايز نواه"، التي تبعد مسافة 12 ساعة بالسيارة عن مدينة "قلعة نو": "بصفتي أماً، بكيت كثيراً، لكنني كنت أعلم أن زوجي لا يملك خياراً آخر". والجدير بالذكر أن الطفلتين مخطوبتان بالفعل. وكحال الكثيرين في تلك المنطقة، كان زوج غول بوبو يشتري البذور سنوياً، ويستأجر جراراً أو حماراً لزراعة قطعة أرض يملكها شخص أكثر ثراءً. "أعلم أنهما أصغر من أن تُخطبا، لكن لم يكن أمامنا خيار آخر؛ فلو كان الأمر بيدنا لانتظرنا حتى تبلغا 18 عاماً. أتوقع أن تتعرضا للضرب، لكن لا حيلة لي في ذلك. وعند بلوغهما الـ14، ستكونان حوامل". 

غالباً ما يُتوقع من العرائس القاصرات إنجاب الأطفال فور بلوغهنّ، وهو ما يؤدي إلى مشكلات صحية موثقة جيداً، في بلد تُعد فيه معدلات وفيات الأمهات من بين الأعلى في العالم. كما يُتوقع منهنّ معرفة كيفية إدارة شؤون المنزل؛ وحين يعجزن عن القيام بذلك على غرار البالغات، فليس مستبعداً أن يتعرضن للعنف الأسري على يد أفراد عائلة الزوج. 

أما نازيلا، البالغة 5 سنوات، فخُطبت لشاب في الـ15 من عمره. ووفقاً لغول بوبو، فقد تنتقل نازيلا للعيش مع عائلة زوجها في غضون عامين أو 3 أعوام. من جهتها، تقول بانا - والدة غولالاي البالغة 11 عاماً، والمخطوبة لصاحب متجر في أواخر الأربعينيات من عمره بسبب الديون المتراكمة على والديها له: "كنت أفضل لو أنها ماتت على أن تُزوَّج لرجل يكبرها بكل هذا الفارق في العمر".

تتشابه القصص دائماً؛ فقد كان والد غولالاي مزارعاً، واضطرت العائلة إلى النزوح من قريتها النائية في منطقة "قادس" بمقاطعة "بادغيس" نتيجة تلف المحاصيل الزراعية. ويقول نياز محمد، والد غولالاي: "علينا التضحية بأحد أفراد الأسرة لإنقاذ البقية"، مشيراً إلى أنه كان يفضل الانتظار حتى تبلغ بناته الـ20 من العمر قبل تزويجهنّ، لكن بدلاً من ذلك، زُوِّجت 4 منهنّ وهنّ لا يزلن طفلات.

تقتصر وجبات العائلة على الخبز المصنوع منزلياً والشاي وأوراق الخبيزة البرية التي يجمعونها ويغلونها، مستخدمين النفايات كوقود لإشعال النار. وعند سؤالهم عن التغير المناخي، لا يدرك معظم سكان "بادغيس" معنى هذا المصطلح. ففي القرى، يعيش الناس في بيوت طينية، تفتقر إلى الكهرباء - باستثناء بطاريات تعمل بالطاقة الشمسية تظهر هنا وهناك - وتكاد تنعدم فيها وسائل النقل، باستثناء دراجة نارية تظهر بين الحين والآخر. ويعتمد السكان في معيشتهم على موارد شحيحة للغاية، لدرجة أن مفاهيم مثل "الإفراط في الاستهلاك" أو "انبعاثات الغازات الدفيئة" تبدو بالنسبة لهم أفكاراً غريبة تماماً. 

في محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة وسط موجات الجفاف التي ضربت المنطقة على مدى السنوات الـ9 الماضية، هجر الآلاف قراهم الأصلية وتوجهوا إلى مدينة "قلعة نو" بحثاً عن عمل، لكن مساعيهم غالباً كانت ما تبوء بالفشل.

ولإعالة أسرته، يعمل محمد ياواز، البالغ 55 عاماً، في بيع المثلجات على جانب الطريق، حيث يجني 100 أفغاني (ما يعادل 1.20 جنيه إسترليني) يومياً. ويقضي ياواز صباحه برفقة ابنته زبيدة، ذات السنوات الـ6 في جمع العلب والقوارير الفارغة؛ إذ يحصلان من إعادة بيعها على مبلغ يتراوح في أحسن الأحوال بين 500 و1000 أفغاني شهرياً. وقد وجد ياواز نفسه في نهاية المطاف مضطراً إلى تزويج ابنتيه؛ فقد انتقلت ابنته الكبرى - التي تبلغ الآن 15 عاماً - بالفعل إلى منزل زوجها، بينما خُطبت زبيدة في العام الماضي لصبي يبلغ 12 عاماً. 

ويعيش جاره سورغول ظروفاً مشابهة؛ فهو يقضي صباحه في جمع النفايات بصحبة ابنتيه زارتيلا (10 سنوات) وبيبي عائشة (7 سنوات)، وكلتاهما مخطوبتان. وقد اتُخذ قرار تزويج زارتيلا بعد أن اضطرت العائلة لتحمّل "3 أيام و3 ليالٍ من دون أي طعام". وفي الآونة الأخيرة، اضطر سورغول إلى بيع البطارية الوحيدة التي كان يملكها لإنارة منزله الطيني، لشراء أدوية لإحدى بناته. وقبل بضع سنوات، فقد هو وزوجته طفلاً رضيعاً بسبب المرض. لكن حياتهما لم تكن على هذا النحو دائماً؛ فقد كان سورغول يمتلك في السابق ماشية في قريته، لكنه اضطر لبيعها حين ضربت موجات الجفاف المنطقة.

وقد باتت أسواق الماشية في ولاية "بادغيس" تعجّ برجال يبيعون حيواناتهم الثمينة، لعجزهم عن توفير ثمن الأعلاف التي تعوض نقص المراعي. وفي بعض المناطق، تحولت القرى إلى ما يشبه المدن المهجورة. وتلجأ بعض العائلات إلى "هرات"، ثالث أكبر مدينة في أفغانستان، حيث يضم مخيم "شهرك سبز" عشرات الآلاف من النازحين. ويصل هؤلاء إلى هناك على أمل الحصول على مساعدات إنسانية، لكن تلك المساعدات قد نضبت؛ فيجدون أنفسهم مضطرين إلى تزويج بناتهم لسداد ديونهم.

وتعيش داريلا، البالغة 15 عاماً، مع زوجها مولاه البالغ 30 عاماً. وقد نزحت عائلتها من قريتها في عام 2018. في ذلك العام، شهدت ولاية "بادغيس" جفافاً تاريخياً؛ ومنذ عام 2021، تسببت موجات الجفاف المتتالية في تلف المحاصيل ونفوق الماشية. تزور داريلا، الحامل حالياً، عائلتها، وتقول: "ما زلت طفلة... لا يمكن اعتبار الزواج في مثل هذا العمر قراراً صائباً". أما شقيقتاها، بيبي زات (9 أعوام) ورحيمة (11 عاماً)، فهما مخطوبتان أيضاً لكنهما لا تزالان تعيشان مع والديهما.

وقد نزح جيرانهم جميعاً بسبب الجفاف؛ إذ اضطر بهاء الدين، البالغ 40 عاماً إلى بيع أرضه. وعندما عجز عن إطعام أسرته من خلال جمع النفايات أو التسول، قام ببيع كلية ابنه ضياء الدين، البالغ 10 أعوام، مقابل 100 ألف أفغاني. وكان يرغب في بيع كليته هو، لكنه أوضح أن حالته الصحية لم تكن تسمح بذلك. 

في هذا المخيم، لا تثير قصص كهذه أي استغراب؛ إذ يذكر السكان أن أطفالاً كثيرين لقوا حتفهم بسبب عدم قدرتهم على الوصول إلى الخدمات الصحية وتلقي العلاج. وتُعد خوماخا، البالغة 30 عاماً، إحدى الجارات اللاتي نزحن بسبب موجات الجفاف. وقد أبرم زوجها اتفاقاً لتزويج طفلتهما فاطمة – البالغة عامين- منذ أن كانت في شهرها الثالث. وجاء هذا القرار الملحّ نتيجة عجز الأسرة عن دفع تكاليف بسيطة لوسيلة نقل مشتركة، كانت ستُستخدم لنقل ابنهما إحسان الله، البالغ 8 أعوام والمصاب بسرطان الدم، إلى المستشفى لتلقي عمليات نقل دم أسبوعية. وقد لا تتمكن خوماخا من رؤية ابنتها فاطمة مجدداً بعد زواجها وانتقالها إلى قرية تبعد مسافة 15 ساعة بالسيارة؛ بحيث تقول: "لن أستطيع تحمل تكاليف السفر لزيارة ابنتي بمجرد رحيلها".

لكن الحياة ليست أسهل بكثير بالنسبة إلى العائلات التي تبقى في قراها. ففي قرية "خوشكيان"، فشل محصول القمح الخاص بعبد العزيز 7 مرات خلال 8 سنوات. وخلال سنوات الجفاف، اضطر عبد العزيز إلى تزويج 5 من بناته مقابل مبالغ تراوحت بين 90 ألفاً و150 ألف أفغاني (ما يعادل 1000 إلى 1750 جنيهاً إسترلينياً) لسداد ديونه. وقد غادرت مزاري، إحدى بنات عبد العزيز، منزل والدها وهي في الـ12 أو الـ13 من عمرها. وهي اليوم في الـ16 أو الـ17 من عمرها وتعيش مع زوجها الذي يبلغ 40 عاماً ومع طفلهما البالغ عامين، ومولودٍ آخر وُلد قبل يوم واحد فقط. وتقول مزارِي: "كان الزواج في سن الـ12 أمراً بالغ الصعوبة؛ فعندما انتقلت إلى منزل زوجي، لم أكن أعرف كيف أطهو الطعام، لكن زوجي وعائلته كانوا لطفاء للغاية معي". أما شقيقاتها الأصغر سناً، اللاتي تتراوح أعمارهن بين 3 و13 عاماً، فسيبقين في منزل العائلة حتى يُدفع مهر كل واحدة منهنّ. وبينما يعملن في إزالة الأعشاب الضارة من الحقول، يستحضرن ذكريات سنوات الحرب، حين كان جنود الحكومة السابقة يطلقون النار من الجبال المحيطة بهن. وتشير شمايل، شقيقة مزارِي البالغة 13 عاماً، إلى أنه "لم يكن هناك فرق؛ فجيش الحكومة السابقة كان يطلق النار علينا سواء كنا ننتمي إلى حركة طالبان أو كنا مدنيين. نشعر الآن براحة أكبر، لأننا لم نعد نستيقظ على أصوات القتال".

وبينما يجلسن في الحقل، تومئ شقيقات شمايل برؤوسهن موافقات، وهنّ يواصلن اقتلاع الأعشاب الضارة. وتقول شمايل: "يواصل الناس زراعة أراضيهم لسنوات، وقد استثمروا الكثير في ذلك، لكن من دون أي حصاد؛ مما أوقعهم في الديون. وللبقاء على قيد الحياة، يضطر البعض إلى بيع أراضيه، بينما يبيع بعضهم الآخر بناته".

لا يوجد قانون يحدد سناً معيناً يُسمح فيه للفتيات بمغادرة منازلهنّ للزواج. وتتراوح مبالغ مهر العروس بين مئات وبضعة آلاف من الجنيهات، وتُدفع على أقساط. وبمجرد سداد المهر بالكامل، يصبح لأهل الزوج الحق في اصطحاب العروس؛ وهو ما يحدث في كثير من الحالات مع بداية سن البلوغ.  وتقول شمايل: "كل ما نمر به سببه الفقر".

في يوم زفافها في قرية "نوخيل"، تبدو بيبي سامية، البالغة 14 عاماً، هادئة في بادئ الأمر. وتذكر والدتها أنها بكت كثيراً في الليلة السابقة. ظلت الفتاة متماسكة لساعات، لكن ما إن اقتربت لحظة مغادرتها منزلها حتى انفجرت باكية، قائلة: "لست سعيدة؛ فأنا لا أزال صغيرة جداً". 

ومع انقطاع المساعدات الخارجية، بدأت البرامج التي كان من المفترض أن توفر الدعم لهؤلاء الفتيات في الاختفاء. وفي هذا الصدد، يقول مارك كالدر، مدير المناصرة في أفغانستان لدى منظمة "وورلد فيجن إنترناشونال" (World Vision International): "يُعرّض الزواج المبكر الفتيات لمخاطر صحية قد تكون مميتة، إلا أن العيادات التي تتولى علاجهنّ وتقديم الرعاية لهنّ تنقرض وتختفي تدريجياً مع تقليص حجم المساعدات". 

أمّا الأثر النفسي الذي يرزح تحت وطأته العرائس القاصرات فهائل؛ وعلى الرغم من حالة الفقر المدقع التي تعيشها، تحرص سارة صباح كل يوم على مرافقة ابنتها عائشة، البالغة 12 عاماً، إلى المدرسة الابتدائية، مشياً على الأقدام من حي الصفيح العشوائي ذاته الذي تقطنه ختيرة على أطراف مدينة "قلعة نو"، منذ نزوحهما هرباً من موجات الجفاف عام 2021.  ومع ذلك، قام زوج سارة بتزويج ابنتهما عائشة لشاب يبلغ 20 عاماً لسداد ديونه؛ وبمجرد سداد هذه الديون، سيتعين على عائشة الرحيل.

لم يسهم مهر العروس في تخفيف حدة فقر الأسرة؛ إذ تراكمت عليهم إيجارات شهرين بقيمة 1000 أفغاني، وطلب منهم مالك المنزل إخلاءه. وحين وُلد طفلها الأخير، اضطرت سارة للذهاب إلى المستشفى سيراً على الأقدام، لعدم قدرتها على دفع تكاليف وسيلة نقل. ورغم ذلك، تقول سارة: "أحاول ألا أتواصل مع أهل زوج ابنتي للمطالبة ببقية المهر، حتى لا تضطر عائشة إلى الرحيل". ولا تستطيع سارة الحديث عن زواج ابنتها الوشيك أمامها، لأن ذلك يدفع عائشة للبكاء؛ لذا تفضل أن تتركها تواصل أداء واجباتها المدرسية بهدوء، ما دام لديها متسع من الوقت لذلك.

نقلته إلى العربية: زينب منعم.