"الغارديان" عن الاضطرابات السياسية في بولندا: نذير شؤم لمعارك أكبر مقبلة
يسعى دونالد توسك جاهداً إلى استعادة شرعية المحكمة الدستورية في بلاده، في ظلّ استقطاب سياسي حادّ تشهده البلاد والقارة الأوروبية، ما يجعل هذه المساعي محفوفة بالمخاطر السياسية.
صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر مقالاً يتناول محاولات رئيس الوزراء البولندي الوسطي (دونالد توسك) لإصلاح القضاء واستعادة الشرعية بعد سنوات من حكم اليمين؛ وهي محاولات أطلقت أزمة دستورية وسياسية محتدمة لا تهدد استقرار بولندا فحسب، بل تُعد نذير شؤم ومعركة تمهيدية لصراع أكبر مقبل بين بروكسل وقوى اليمين المتطرف المتصاعدة في القارة الأوروبية.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
لا بد أن رئيس الوزراء البولندي، دونالد توسك، ينظر أحياناً نحو بودابست ويتنهّد حسرة. فقد مكّن الفوز الكاسح في انتخابات الربيع الماضي رئيس وزراء هنغاريا الجديد، بيتر ماغيار، من التحرك بحزم صارم لتطهير سياسة البلاد بعد 16 عاماً من "الأوربانية" (نسبة إلى أوربان) الفاسدة. وعلى النحو نفسه، يتصدى السيد توسك—الذي أطاح تحالفه الوسطي حزب "العدالة والقانون" اليميني المتطرف في عام 2023—لتركة حكومة قوّضت سيادة القانون والأعراف الديمقراطية. غير أن جهوده صدمت باستمرار بتكتيكات التعطيل التي يتبعها رئيس بولندا المدعوم من حزب "العدالة والقانون"، كارول ناوروتسكي.
وفي نهاية الأسبوع، تصاعدت هذه المواجهة إلى أزمة ذات أبعاد أوسع تنعكس على الاتحاد الأوروبي وبولندا على حد سواء. وإزاء إحباطه من محاولات السيد ناوروتسكي استخدام حق النقض (الفيتو) ضد تعيين قضاة جُدد في المحكمة الدستورية—التي سيطر عليها بشكل غير شرعي منذ عام 2015 موالون لحزب "العدالة والقانون"—دعم السيد توسك التعيين القسري لرئيس جديد للمحكمة، وتعليق مهام رئيسة المحكمة ونائبها. وأعقبت ذلك مشاهد استثنائية، حيث احتشد متظاهرون من اليمين أمام مبنى المحكمة في الساعات الأولى من صباح يوم السبت، بينما اندفع السيد ناوروتسكي متجاوزاً القوات الأمنية للاحتجاج.
وفي الوقت الذي تتجلّى فيه الآن مواجهة دستورية شديدة الحساسية، فإن الحقائق القانونية والأخلاقية للقضية تقف في جانب السيد توسك. ففي الشهر الماضي، قضت لجنة فينيسيا (لجنة البندقية)—وهي هيئة استشارية تابعة لمجلس أوروبا—بأن للقضاة الجدد الحق الدستوري في تسلم مناصبهم سواء أيّدهم السيد ناوروتسكي أم لا. وأكدت المفوضية الأوروبية، التي قضت سنوات في مواجهة حكومات حزب "العدالة والقانون" بشأن قضايا سيادة القانون، هذا الموقف يوم الأحد. فعلى مدى ولايتين وزاريتين، بذل وزراء حزب "العدالة والقانون" جهوداً متضافرة لترهيب القضاة والتلاعب بالنظام القضائي لخلق ساحة تنافس غير متكافئة لمعاركهم السياسية. وما دراما نهاية الأسبوع إلا نتيجة لمحاولة السيد توسك المشروعة للتعامل مع أعمال غير قانونية ارتُكبت في تلك الفترة.
ومع ذلك، تبدو هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر قبل الانتخابات المقرر إجراؤها بحلول الخريف المقبل في بلد يعاني من استقطاب حاد. إن قرار السيد توسك بحسم الأمر بهذه الطريقة قد يمنح فرصة سياسية لزعيم حزب "العدالة والقانون"، ياروسلاف كاتشينسكي، الذي يحتاج إلى قضية يلمّ بها شمل اليمين المتطرف الذي انقسم إلى ثلاثة اتجاهات. وعلى نطاق أوسع، استغلت مارين لو بان هذه الأزمة لتندد بما سمّته تصاعد "تكتيكات فرض الأمر الواقع" داخل الاتحاد الأوروبي. وجاءت نبرة تدخلها مساوقة لتصريحات السيد كاتشينسكي، الذي اتهم بروكسل الأسبوع الماضي بالرغبة في تحويل الاتحاد الأوروبي إلى دولة مركزية، ولمّح إلى أن الحكومات القومية ذات التوجهات المماثلة قد تختار التمرد.
ومع اقتراب موعد الانتخابات في إسبانيا وفرنسا، كما هي الحال في بولندا، يتحيّن اليمين المتطرف في أوروبا الفرصة قُبيل مرحلة يأمل أن تغير ميزان القوى في سياسة القارّة وتسرّع بوقوع مواجهة علنية مع بروكسل. ونظراً لنيتها التشكيك في أولوية قانون الاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة، فسرعان ما ستجد السيدة لو بان نفسها متورطة في سجالاتها القانونية الخاصة إذا ما فازت بالرئاسة الفرنسية في الربيع. إن التلاعب بسيادة القانون والتهجم على من يقاومون باعتبارهم "أعداء الشعب" كان التكتيك المفضل لليمين المتطرف البولندي طوال سنوات حكمه الثماني؛ وتبدو إعادة إحيائه في وارسو نهاية الأسبوع المنصرم نذير شؤم لمواجهات مقبلة.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.