"الغارديان": انتخابات التجديد النصفي شكّلت رفضاً مدوّياً للعلاقة الأميركية الإسرائيلية

حتى ترامب يبدو مدركاً أنّ هذه العلاقة باتت عبئاً سياسياً، وأنّها قد لا تعود أبداً إلى سابق عهدها.

  • لوحة إعلانية انتخابية ضخمة في تل أبيب تجمع نتنياهو وترامب مع شعار باللغة العبرية يقول
    لوحة إعلانية انتخابية ضخمة في "تل أبيب" تجمع نتنياهو وترامب مع شعار باللغة العبرية يقول "لدينا فرصة واحدة للفوز!"

صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر مقالاً يرى أنّ انتخابات التجديد النصفي كشفت عن تحوّل في السياسة الأميركية، مع تراجع التأييد الشعبي والسياسي لـ"إسرائيل"، وصعود الأصوات المناهضة للحروب والداعمة للفلسطينيين، بما قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في طبيعة العلاقة الأميركية – الإسرائيلية.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

عشية انتخابات التجديد النصفي التي انتهت برفض قاطع لنهجه السياسي، بدا أنّه حتى دونالد ترامب أدرك أنّ العلاقة الأميركية – الإسرائيلية تحوّلت إلى عبء سياسي.

وقد قوبل اقتراح ترامب في اللحظات الأخيرة، صباح يوم الانتخابات، بقطع المساعدات العسكرية عن "إسرائيل" بحلول نهاية العام، لأنّها، على حدّ تعبيره، "لم تعد بحاجة إليها"، بإدانات من مختلف الأطراف، إذ وصفه المدافعون عن حقوق الفلسطينيين بأنّه "محاولة يائسة"، فيما اعتبره المؤيدون لـ"إسرائيل" "غير جادّ".

وأشار اقتراح ترامب استبدال المساعدات العسكرية السنوية، البالغة نحو 4 مليارات دولار، بمبيعات أسلحة، إلى أنّ القليل سيتغيّر على أرض الواقع، إذ سيستمر التمويل، لكنّ تتبّعه سيصبح أكثر صعوبة. ومع ذلك، فقد شكّل اعترافاً لافتاً من الرئيس الأميركي بمدى انهيار التأييد لـ"إسرائيل"، على خلفية الحرب الأخيرة على غزة، التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 70 ألف فلسطيني، ووُصفت على نطاق واسع بأنّها إبادة جماعية، وأعادت تشكيل السياسة الأميركية بطرق لم يكن من الممكن تصوّرها قبل ثلاث سنوات فقط.

وفي الواقع، سيضمّ مجلس النواب الأميركي، اعتباراً من كانون الثاني/يناير المقبل، طبيباً عسكرياً شارك في مهمة طبية في غزة، ومحامية فصلتها شركتها بسبب تدوينة انتقدت فيها حرب "إسرائيل"، ونائباً يهودياً اعتقلته القوات الإسرائيلية أخيراً أثناء مساعدته فلسطينيين على قطف الزيتون في الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب ناشطة مجتمعية شاركت في اعتصام طلابي مؤيّد لفلسطين، وحقّقت واحدة من أبرز المفاجآت في موسم الانتخابات التمهيدية تحت شعار "أطفال لا قنابل".

كما فاز مرشّحون مؤيّدون للفلسطينيين، من بينهم أميركيون من أصل فلسطيني، في انتخابات على مستويات أدنى من المناصب الفيدرالية. وفي ولاية ميشيغان، أصبح عبد السيد أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، بعد حملة انتخابية أنفقت خلالها لجنة الشؤون العامّة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) أكثر من 40 مليون دولار في محاولة لإلحاق الهزيمة به، وشهدت تطوّرات دراماتيكية في اللحظات الأخيرة، ومستويات غير مسبوقة من الخطاب المعادي للمسلمين والتعصّب.

وقالت بيث ميلر، المديرة السياسية لمنظمة "الصوت اليهودي من أجل السلام – العمل"، إنّ "الإجماع القديم بين الحزبين بشأن إسرائيل قد انتهى".

وفي غياب هذا الإجماع، قد يدفع الكونغرس المقبل باتجاه اتخاذ عدد من الإجراءات، بدءاً من فرض حظر على توريد الأسلحة إلى "إسرائيل"، وصولاً إلى فرض عقوبات على المستوطنين العنيفين والمسؤولين، وإن كان ترامب سيحتفظ بسلطة النقض التي تمكّنه من عرقلة هذه الإجراءات.

كذلك، شكّل التصويت رفضاً لحرب ترامب على إيران، وهو أمر قال حتى جي دي فانس، يوم الأربعاء، إنّه "واضح للجميع تقريباً". ونادراً ما تحسم قضايا السياسة الخارجية نتائج الانتخابات الأميركية، إلا عندما تؤثّر هذه القضايا بصورة مباشرة في حياة الأميركيين داخل بلادهم.

وقال يوسف منير، مدير برنامج فلسطين/إسرائيل في المركز العربي في واشنطن:

"كان الأميركيون يتذكّرون إخفاقات الحرب على إيران في كلّ مرة يزورون فيها محطة وقود أو متجراً للبقالة"، مضيفاً أنّ "إسرائيل تمثّل جزءاً أساسياً من هذه القصة".

وفي مختلف أنحاء البلاد، وعلى شتّى المستويات الانتخابية، تمكّن مرشحون مؤيّدون للفلسطينيين بصورة علنية من هزيمة منافسين مؤيّدين لـ"إسرائيل"، رغم إنفاق جماعات مثل "أيباك" عشرات الملايين من الدولارات في محاولة فاشلة لعكس مسار الانهيار في مكانة "إسرائيل" لدى الناخبين الأميركيين.

وفي الشهر الماضي، أقرّت "أيباك" بأنّ دعمها العلني للمرشحين المؤيّدين لـ"إسرائيل" بات يضرّ بهم أكثر مما ينفعهم، وأعلنت أنّها ستتوقّف عن تقديم التأييد والمساهمات المالية المباشرة، في اعتراف لافت، حتى وإن كانت تداعياته العملية محدودة.

كما مثّلت انتصارات عبد السيد وعدد من المرشحين الآخرين، الذين سعى اليمين إلى تصويرهم على أنّهم معادون للسامية بسبب دعمهم للفلسطينيين، رفضاً واضحاً للرواية التي دأبت الأصوات المؤيّدة لـ"إسرائيل" وإدارة ترامب على الترويج لها بلا هوادة خلال السنوات الثلاث الماضية، ومفادها أنّ انتقاد "إسرائيل" يُعدّ، حكماً، معاداة للسامية.

وقال عبد السيد، الذي واصل التعبير بصراحة عن دعمه للفلسطينيين رغم الضغوط الهائلة التي تعرّض لها، خلال خطاب إعلان فوزه:

"يحاولون وصفك بالكراهية إذا كنت تؤمن بأنّ الأطفال الفلسطينيين يجب أن يتمكّنوا من النمو في أرض أجدادهم من دون أن يُقتلوا بأموال ضرائبنا. وإذا كنت تؤمن بالحقوق المتساوية في السلام والكرامة وتقرير المصير، فهذه ليست كراهية، بل حبّ".

وفي ميشيغان، حصد عبد السيد أصوات غالبية الناخبين اليهود، وفقاً لاستطلاعات آراء الناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع.

وعلى الرغم من التحذيرات التي أشارت إلى احتمال مغادرة اليهود الحزب الديمقراطي بأعداد كبيرة بسبب تحوّل مواقفه تجاه "إسرائيل"، قالت منظمة "جي ستريت" إنّ استطلاعاتها أظهرت أنّ 72% من الناخبين اليهود صوّتوا للديمقراطيين يوم الثلاثاء، رغم ارتفاع حصة الحزب الجمهوري من أصوات الناخبين اليهود مقارنة بعام 2024.

لكنّ ذلك لا يعني أنّ الحزب الديمقراطي موحّد في موقفه من "إسرائيل" وفلسطين، أو في معارضته للحروب الخارجية.

وقالت لارا فريدمان، رئيسة مؤسسة السلام في الشرق الأوسط، إنّ الحزب، على مدى عقود، "أقصى أو همّش كلّ من امتدّت قيمه التقدّمية إلى دعم فلسطين".

وأضافت: "لقد اتّحد الناخبون الأميركيون والمنظّمون ومجموعة من المرشحين الموهوبين للغاية، واقتحموا الباب الذي كان موصداً أمامهم".

من جهته، قال مات داس، نائب الرئيس التنفيذي لمركز السياسة الدولية والمساعد السابق للسيناتور بيرني ساندرز في شؤون السياسة الخارجية، إنّ على الديمقراطيين الآن اغتنام الفرصة ليصبحوا الحزب المناهض للحرب.

وأضاف: "خاض ترامب انتخابات عام 2024 وفاز بها بوصفه مرشحاً مناهضاً للحرب، لأنّ الديمقراطيين، للأسف، تركوا له هذا المجال مفتوحاً على مصراعيه".

وتساءل: "هل سيفهم الديمقراطيون الرسالة أخيراً؟ هل سيدركون أخيراً أنّ الأميركيين سئموا الحروب ويريدون سياسة خارجية جديدة؟"

نقلته إلى العربية: بتول دياب.