ردّ فعل عالمي مناهض لليمين.. موجة احتجاجات وانتصارات انتخابية تعيد الأمل إلى اليسار
صحيفة "ذا نيويوركر" الأميركية تشير إلى أن فوز الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، بالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات الشبابية في عدد من الدول، أعاد إحياء آمال التيارات التقدمية والليبرالية بإمكانية التصدي لصعود اليمين القومي والشعبوي.
-
ردّ فعل عالمي مناهض لليمين... انتصارات انتخابية واحتجاجات شعبية تعيد الأمل إلى اليسار
أشارت صحيفة "ذا نيويوركر" الأميركية إلى أن فوز الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، بالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات الشبابية في عدد من الدول، أعاد إحياء آمال التيارات التقدمية والليبرالية بإمكانية التصدي لصعود اليمين القومي والشعبوي، بعد سنوات من التراجع أمام شخصيات سياسية بارزة، بينها دونالد ترامب وناريندرا مودي وجايير بولسونارو.
ولفتت الصحيفة إلى أن هذه التطورات تأتي في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي، وسط آمال لدى الديمقراطيين باستعادة السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وفي ظل تحركات احتجاجية تتجاوز الحدود الوطنية، وإن كانت دوافعها ومساراتها تختلف من بلد إلى آخر.
فوز لولا يمنح المعارضة الهندية نموذجاً للمواجهة
في مدينة شانديغار شمالي الهند، تابع المتحدث الوطني باسم أحد أحزاب المعارضة والمنتقد البارز لحكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، أنيش غاواندي، نتائج الانتخابات البرازيلية، التي انتهت بفوز لولا في جولة ثانية بدت نتيجتها غير محسومة حتى وقت قريب من الاقتراع.
وتمكن لولا من تجاوز التوقعات، وحشد عشرات الآلاف في الشوارع، وتعبئة أعداد كبيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن استقطاب ملايين الناخبين الذين لم يصوتوا له في الجولة الأولى.
وبالنسبة إلى غاواندي، مثّل هذا الانتصار دليلاً على إمكانية بناء تحالف سياسي واسع في مواجهة اليمين القومي الهندوسي، الذي يتزعمه مودي.
وكان غاواندي قد انتقد عام 2020 استضافة الحكومة الهندية الرئيس البرازيلي آنذاك جايير بولسونارو، بوصفه الضيف الرئيسي في الاحتفالات السنوية بيوم الجمهورية في الهند.
وأشار التقرير إلى أن بولسونارو الأب، ارتبط بمواقف معادية للمثلية الجنسية وسياسات أسهمت في تسريع إزالة الغابات في الأمازون، وهي مواقف رأى غاواندي أنها تتقاطع مع السياسات الانقسامية والتدميرية التي ينتهجها حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم.
وتزامن ذلك مع تصاعد احتجاجات "الجيل زد" في الهند، التي هزت حكم مودي في ظل الغضب من عجز الاقتصاد عن توفير فرص عمل كافية للشباب، وتزايد المخاوف من النزعة الاستبدادية في النظام السياسي، فضلاً عن إسقاط أكثر من 130 مليون شخص من قوائم الناخبين لأسباب وصفها معارضون بأنها مثيرة للشكوك.
ويرى غاواندي أن تجربة لولا تقدم درساً مهماً للمعارضة الهندية، يتمثل في إمكانية توحيد الحركات والأحزاب المختلفة ضمن تحالف يدافع عن الديمقراطية، معتبراً أن نجاح هذا النموذج في البرازيل قد يفتح الباب أمام تكراره في الهند.
انتصارات اليسار تثير التفاؤل في أوروبا
لم يقتصر التفاؤل بنتائج الانتخابات البرازيلية على المعارضة الهندية، بل امتد إلى شخصيات سياسية أوروبية ترى في فوز لولا مؤشراً على إمكانية استعادة التيارات التقدمية نفوذها.
وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن ما حدث في البرازيل يمكن أن يتكرر في إسبانيا، معرباً عن اعتقاده بأن العالم يشهد بداية عودة التقدمية، في وقت يواجه فيه اليسار تحديات متزايدة أمام صعود اليمين.
من جهته، وصف رئيس الوزراء الفرنسي السابق دومينيك دو فيلبان انتصار لولا بأنه إشارة أمل كبيرة، حتى بالنسبة إلى فرنسا التي تواجه احتمالات صعود اليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بالتزامن مع احتجاجات شعبية واسعة.
لكن الصحيفة تحذر من أن موجة التفاؤل قد تكون مؤقتة، على غرار الاحتفالات التي رافقت انتصارات سابقة لليمين المتطرف، قبل أن تعود الأحزاب إلى مواجهة صعوبات الحكم والاستقطاب السياسي.
وفي إسبانيا، يعتمد سانشيز على قدرته على تجميع أصوات كافية لتشكيل ائتلاف أكثر قوة من حكومة الأقلية الحالية، في حين يواجه لولا تحديات اقتصادية وسياسية داخل البرازيل، حيث لا تزال معدلات التضخم مرتفعة والدين العام يتزايد، بينما يهيمن معارضوه على البرلمان وحكومات الولايات.
ومع ذلك، أوقف فوز لولا ما بدا أنه تقدم متواصل لليمين في أميركا اللاتينية، بعدما خسرت حكومات يسارية مواقعها تباعاً خلال العامين السابقين، كما وجّه ضربة إلى مشروع عائلة بولسونارو الرامي إلى إعادة تشكيل السلطة القضائية وربط السياسة الخارجية البرازيلية بالأجندة الأميركية التي يتبناها ترامب في نصف الكرة الغربي.
وخلال حملته الانتخابية، قدم لولا نفسه مدافعاً عن السيادة البرازيلية في مواجهة الضغوط الأميركية ونفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى، وحليفاً للطبقة العاملة في مواجهة النخب الاقتصادية، متبنياً خطاباً شعبوياً خاصاً به.
هزائم سياسية تضرب حلفاء ترامب
تضع الصحيفة هزيمة بولسونارو في سياق سلسلة من الانتكاسات التي طالت شخصيات يمينية بارزة، بينها رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان والرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش.
وفي هنغاريا، أطاحت الانتخابات أوربان، الذي حكم البلاد لفترة طويلة، فيما شهدت صربيا تطوراً سياسياً لافتاً تمثل في هزيمة الحزب التقدمي الصربي بقيادة فوتشيتش أمام قائمة مرشحين منبثقة عن حركة طلابية.
وكان فوتشيتش، الذي يمسك بزمام السلطة فعلياً منذ عام 2012، قد سعى إلى البقاء في المشهد السياسي من خلال الترشح لمنصب رئيس الوزراء، لكن الحركة الطلابية تمكنت من إحباط مسعاه، ما دفعه إلى الاعتراف بالهزيمة.
واندلعت الاحتجاجات الطلابية في صربيا عام 2024، عقب انهيار مظلة في محطة قطارات بمدينة نوفي ساد، ما أدى إلى سقوط ضحايا وأثار غضباً واسعاً بشأن الفساد وسوء الإدارة.
ومع استمرار الاحتجاجات رغم القمع الأمني، تحولت الحركة إلى مشروع سياسي يسعى إلى تغيير مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون، في مواجهة محاولات تصوير الطلاب على أنهم عملاء لقوى أجنبية يعملون لخدمة أجندة خفية.
وبعد الانتخابات، بدأ الطلاب البحث في سبل تشكيل الحكومة المقبلة في بلغراد، مع إطلاق حملة تهدف إلى تعزيز سيادة القانون وتطهير مؤسسات الدولة من المسؤولين الذين أسهموا في إخضاعها للسيطرة الاستبدادية.
احتجاجات ألبانيا وأوروبا تتجاوز المطالب الاقتصادية
تشهد ألبانيا بدورها احتجاجات تقودها حركة "فلامينغو"، بمشاركة طلاب ومهنيين وقطاعات اجتماعية مختلفة، اعتراضاً على طريقة تعامل الحكومة مع مشروع يدعمه جاريد كوشنر، صهر ترامب، لإقامة منتجع فاخر على امتداد محمية بيئية ساحلية.
وتعكس هذه الاحتجاجات، بحسب التقرير، غضباً يتجاوز المشروع نفسه، ليشمل نفوذ أصحاب الثروات والمصالح الاقتصادية الذين يهيمنون على السياسة والاقتصاد في البلاد.
وفي فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا، خرج متظاهرون خلال الأسابيع الأخيرة للمطالبة بتوفير مساكن بأسعار معقولة، وتخفيف أعباء غلاء المعيشة، وزيادة الاستثمار في المدارس والخدمات العامة.
وترى توتشي أن هذه التحركات تعبّر عن تصور للديمقراطية يقوم على المساواة والعدالة الاجتماعية والبيئية والدولية، إضافة إلى الإنصاف بين الأجيال، وهي مطالب يجري التعبير عنها من خلال الاحتجاجات في الشوارع.
لكن هذه القراءة لا تحظى بإجماع سياسي، إذ سعى بعض أنصار اليمين الأميركي والأوروبي إلى تحميل المهاجرين المسلمين واليسار المتطرف مسؤولية أعمال التخريب والحرائق والنهب التي رافقت بعض الاحتجاجات، معتبرين أنها تعكس أزمة أوسع في المجتمعات الغربية.
كما ربط بعض الجمهوريين الأميركيين هذه الاضطرابات بما وصفوه برؤية عالمية يتبناها الديمقراطيون، محذرين مما اعتبروه تهديداً من الشيوعيين والجهاديين للعواصم الغربية.
في المقابل، يرى منتقدو هذه الروايات أنها تتجاهل الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للاحتجاجات، فضلاً عن تقاليد المواجهة الشعبية الراسخة في فرنسا.
فرنسا بين الغضب الشعبي ومخاطر صعود اليمين المتطرف
بدأت الاحتجاجات الفرنسية بتحركات طلابية على خلفية الاستياء من الأوضاع في المدارس والجامعات، لكنها اتسعت لاحقاً لتشمل شرائح واسعة من المجتمع، تعارض ما تعتبره نهجاً نيوليبرالياً يتبناه الرئيس إيمانويل ماكرون، وتطالب بزيادة الإنفاق العام.
وشارك في بعض أعمال النهب والتخريب أشخاص لا تحركهم بالضرورة دوافع سياسية، فيما حمّلت الحكومة اليسار المتطرف مسؤولية جانب من الاضطرابات.
وتشير الصحيفة إلى أن الاحتجاجات، التي كانت سلمية إلى حد كبير، واجهت في بعض الأحيان رداً أمنياً قاسياً، محذرة من أن أعمال العنف التي ارتكبها جزء من المحتجين، بما فيها نهب المتاجر وإضرام حريق أدى إلى تدمير مبنى بلدية مدينة ليموج، قد تعزز موقف زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان.
ويعاني ماكرون تراجعاً عميقاً في شعبيته، الأمر الذي يزيد صعوبة وصول مرشح وسطي إلى الرئاسة في الانتخابات المقبلة. وفي المقابل، يرى المحتجون في تحركاتهم فرصة لإعادة بناء الجمهورية الفرنسية وتجديد نظام سياسي يعتبرونه فاقداً للحيوية.
ومن الشعارات التي يرفعها المتظاهرون: "نعيد صنع عام 1789 كي لا نعود إلى عام 1939"، في إشارة إلى الثورة الفرنسية التي أحدثت تحولاً جذرياً في النظام السياسي، وإلى العام الذي بدأت فيه الحرب العالمية الثانية، المرتبطة بصعود الأنظمة الفاشية والكارثة التي حلّت بأوروبا.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت مشاهد المتاريس والمواجهات في الشوارع ستقنع غالبية الناخبين بتبني هذه الرؤية، أم أنها ستمنح اليمين المتطرف فرصة إضافية لاستقطاب الناخبين القلقين من الفوضى الأمنية.
قواسم مشتركة من دون مشروع عالمي موحّد
رغم تشابه بعض الشعارات والمطالب، لا ترى الصحيفة أن الاحتجاجات في مختلف الدول تنضوي بالضرورة تحت رواية واحدة أو مشروع سياسي موحّد.
ويصف الفيلسوف البلجيكي ميشيل فير هذه التحركات بأنها نقاط متفرقة من التفاعل والتأثير المتبادل، لا تزال بحاجة إلى إيجاد إيقاع مشترك فيما بينها.
وتختلف دوافع الاحتجاجات بحسب الظروف المحلية؛ ففي إسبانيا، دعا سانشيز إلى انتخابات مبكرة بعد عجز الائتلاف الحاكم عن تمرير تشريع يتعلق بالإسكان، وهو مطلب يحظى بدعم قطاعات من المجتمع. وفي الهند، تحول الغضب من إدارة امتحانات مجالس التعليم المدرسي إلى احتجاج أوسع على حكم مودي القائم على تغليب الأغلبية الدينية، وفق منتقديه.
وبذلك، تفتح الانتصارات الانتخابية والاحتجاجات الشعبية الباب أمام احتمال تراجع اندفاعة اليمين في بعض البلدان، غير أن تحويل هذه اللحظات إلى تغيير سياسي مستدام سيظل مرهوناً بقدرة القوى المعارضة على بناء تحالفات واسعة، وتقديم برامج عملية تستجيب للمطالب الاقتصادية والاجتماعية، بدلاً من الاكتفاء بالتعبئة في الشوارع أو الاحتفال بالانتصارات الانتخابية.