باريس: شكوى قضائية ضد "إسرائيل" وبن غفير بتهم التعذيب في أساطيل كسر الحصار
الباحثة الفرنسية اللبنانية لينا الطبال تودع شكوى أمام المحكمة القضائية في باريس ضد الاحتلال ومسؤولين بينهم بن غفير
-
الباحثة الفرنسية اللبنانية لينا الطبال
تَقَدَّمَت الباحثة في القانون الدولي والناشطة الفرنسية اللبنانية، لينا الطبّال، بواسطة وكيلها المحامي جان لوي شالانسيه، بشكوى رسمية أمام قطب الجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب في المحكمة القضائية في باريس، بصفتها ضحية مباشرة للانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية التي تعرّضت لها، عقب اعتراض القوات الإسرائيلية السفينة المدنية التي كانت على متنها ضمن "أسطول الصمود العالمي" المتجه إلى قطاع غزة المحاصر.
تأتي هذه الخطوة القضائية في سياق قانوني أوسع، إذ كشف تحقيق نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، أنّ 26 فرنسياً شاركوا في رحلات بحرية إنسانية إلى غزة تقدّموا بشكاوى أمام النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب في باريس، المختصة بجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، بتهم تتعلّق بالتعذيب وارتكاب جرائم حرب.
وتشمل الوقائع 3 عمليات اعتراض بحرية نفّذها الاحتلال في المياه الدولية خلال تشرين الأول/أكتوبر 2025، ونيسان/أبريل وأيار/مايو 2026. وعلى أثر ذلك، كانت النيابة العامة الفرنسية قد فتحت، منذ الصيف، تحقيقين أوليين بخصوص هذه الهجمات، وأوكلت مهمة التحقيق فيها إلى المكتب المركزي لمكافحة الجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الكراهية.
قرصنة في المياه الدولية وانتهاكات جسدية ونفسية
وتعود التفاصيل الواردة في شكوى الدكتورة الطبّال إلى فجر الـ2 من تشرين الأول/أكتوبر 2025، حين اقتحمت البحرية الإسرائيلية سفينة "كابتن نيكوس" في المياه الدولية، على مسافة نحو 50 ميلاً بحرياً من شواطئ غزة. وكانت السفينة مدنية وفي مهمة سلمية وإنسانية، ولا تحمل أيّ أسلحة أو تجهیزات عسكرية، حيث استولى الجنود الإسرائيليون عليها بالقوة وحوّلوا مسارها إلى ميناء أشدود، بعد تهديد ركابها بأسلحة مصوّبة إليهم.
وتوثّق الشكوى سلسلة من الانتهاكات الجسدية والنفسية التي تقول الطبّال إنها تعرّضت لها منذ لحظة اعتراض السفينة وحتى الإفراج عنها، من بينها: الحرمان المطوّل من الماء والغذاء، والضرب والإهانات والتهديد بالقتل، والتفتيش الجسدي المتكرّر والمهين، والتعرية أمام رجال وفي أماكن لا تحمي الخصوصية، والاعتداء عليها أثناء انتزاع قرطها بالقوة، ما أدى إلى نزف أذنها، ثم ضربها وإسقاطها أرضاً.
كما تفيد الشكوى بأنها فُصلت عن بقية المعتقلات لأنها عربية الجنسية، وأنّ إحدى الحارسات أمسكتها من شعرها وضربت رأسها بالهيكل المعدني للحافلة، ثم أُودعت مع 3 نساء أخريات داخل قفص حديدي ضيّق، وُعُرِّضن عمداً لتعاقب حرارة خانقة وبرودة شديدة، من دون ماء أو استجابة لاستغاثاتهن.
وعقب نقلها إلى سجن "كتسيعوت"، احتُجزت الطبال مع 15 امرأة أخرى داخل زنزانة مصمّمة لخمسة أشخاص فقط، وحُرمت من النوم ومن التواصل مع محامٍ، وأُخرجت لساعات طويلة إلى أقفاص جماعية مكشوفة تحت الشمس، مع إجبار المعتقلات على مشاهدة صور دمار غزة ومقاطع من أحداث تشرين الأول/أكتوبر بصورة متكرّرة، وسط موسيقى صاخبة وأصوات الطائرات والقصف، في إطار تعذيب نفسي منظّم.
التحقيق في المسؤولية الشخصية لإيتمار بن غفير
وتولي الشكوى أهمية خاصة للدور الشخصي لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، فبحسب شهادة الطبّال، اقتحم بن غفير زنزانة النساء قرابة الرابعة فجراً، ترافقه وحدة مسلحة وكلاب هجومية، حيث أُجبرت المعتقلات على الركوع والقرفصاء، فيما كانت الأسلحة مصوّبة إلى رؤوسهن من مسافة قريبة.
ووصفهن بن غفير بـ"الإرهابيات"، وهدّدهن بالبقاء في السجن مدى الحياة، مؤكّداً أنّ دولهن لن تستطيع فعل شيء من أجلهن. وتُشير الطبّال إلى أنها كانت في ذلك الوقت الفرنسية الوحيدة داخل الزنزانة رقم 7، وأنّ الوزير توجّه إليها شخصياً وسألها عن جنسيتها.
وتطلب الشكوى من القضاء الفرنسي التحقيق في هذه الوقائع وملاحقة جميع المسؤولين عنها، بمن فيهم إيتمار بن غفير شخصياً، وكلّ من أصدر الأوامر أو نفّذها أو ساهم فيها، مشيرة إلى أنّ الأفعال المبلّغ عنها تندرج ضمن التعذيب وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب المؤرّخة في 10 كانون الأول/ديسمبر 1984، وجرائم الحرب، والخطف والاحتجاز التعسّفي.
الطبّال: الحصانة السياسية لن تكون حصانة من العدالة
وفي تصريح لها، أكّدت الدكتورة لينا الطبّال: "لم نذهب إلى غزة حاملين سلاحاً، بل حملنا الغذاء والتضامن وحق المدنيين في الحياة. اعتراض سفن مدنية في المياه الدولية، ثم تعذيب ركابها وإذلالهم، لا يمكن أن يبقى خارج المحاسبة".
وأضافت: "هذه الشكوى ليست دفاعاً عن حقي وحدي، بل عن كل من اعتُقل وضُرب وهُدِّد لأنه حاول الوصول إلى شعب محاصر. نضع شهاداتنا أمام القضاء الفرنسي كي لا تتحوّل الحصانة السياسية إلى حصانة من العدالة".
وتؤكّد هذه الإجراءات القضائية المتتالية أنّ الاعتداء على المشاركين في أساطيل غزة بات ملفاً قضائياً مدعوماً بشهادات متقاطعة ووثائق وأدلة طبية ومادية، حيث يقع على عاتق القضاء الفرنسي تحديد المسؤوليات الفردية والتسلسل القيادي الذي أتاح ارتكاب هذه الانتهاكات بحقّ مواطنين فرنسيين ومدنيين في مهمة إنسانية.