"ذا غراي زون": كيف تحولت "إسرائيل" إلى ملاذ للمطلوبين دولياً بتهم بالقتل والاحتيال والاعتداء الجنسي؟
تقرير لموقع "ذا غراي زون" يكشف، بالأسماء والوقائع، أنّ "إسرائيل" تؤوي عدداً من المطلوبين دولياً والمتهمين بجرائم قتل واحتيال واعتداءات جنسية.
-
يعدّ توماس زيرون دي لوسيو، الرئيس السابق لوكالة التحقيقات الجنائية (AIC) في المكسيك، هارباً ويقيم حالياً في "إسرائيل"
تحدّث موقع "ذا غراي زون"، في تقرير، عن حماية "إسرائيل" مسؤولاً مكسيكياً مطلوباً بتهمة الخطف الجماعي والقتل، إلى جانب متهمين بارتكاب جرائم جنسية والاحتيال.
وقال الموقع في التقرير إنّ "إسرائيل تعدّ ملاذاً لعدد كبير من المجرمين الدوليين المتهمين أو المدانين في دولة أخرى بارتكاب جرائم مختلفة"، فقد "أصبحت إسرائيل ملاذاً آمناً للمجرمين الدوليين، منهم الكثير ممن يحملون جنسيتين، استغلوا قدرتهم على التنقل بسلاسة بين إسرائيل وبلدهم الثاني لارتكاب الجرائم، وفي بعض الحالات، الإفلات من العقاب".
ولفت الموقع إلى أنّ حجم الجريمة، وعدد القضايا (مقارنةً بعدد مستوطني إسرائيل)، "أمرٌ مذهل".
مجرمون دوليون تحميهم "إسرائيل"
وفي السياق، أشار الموقع إلى أنّ من بين هؤلاء المجرمين، توماس زيرون، المتهم بأنه العقل المدبر لعملية اختطاف وقتل 43 طالباً مكسيكياً في أيوتزينابا.
وأيضاً، من بين أبرز المجرمين المتهمين الذين تحميهم "إسرائيل" من العدالة، تيمور مينديتش، المستفيد المالي الأكبر من شركة "فاير بوينت" الأوكرانية لصناعة الطائرات المسيّرة.
وفي التفاصيل، فقد "فرّ مينديتش إلى إسرائيل العام الماضي، قبل أيام فقط من توجيه الاتهام إليه بأنه العقل المدبر لعملية اختلاس بقيمة 100 مليون دولار أميركي، تورطت فيها شركة الطاقة النووية الحكومية الأوكرانية".
ويُذكر أن مينديتش شريك في ملكية "كفارتال 95 ستوديو"، شركة الإنتاج التي أسسها فولوديمير زيلينسكي.
وقد استغل مينديتش، كغيره من المذكورين في هذا المقال، قانون العودة الإسرائيلي المثير للجدل، والذي يسمح لأي يهودي في العالم بالحصول على الجنسية الإسرائيلية من دون الحاجة إلى التخلي عن جواز سفر بلده الأصلي.
وفي بعض الحالات، رفضت "إسرائيل" تسليم المطلوبين، على الرغم من طلبات الدولة التي ارتُكبت فيها الجرائم.
وبالحديث عن أوكرانيا ورفض طلبات التسليم، هناك أيضاً أولكسندر دوبيليت، الرئيس السابق لمجلس إدارة بنك بريفات الأوكراني.
دوبيليت حالياً هارب في "إسرائيل"، ويخضع لتحقيقات جنائية متعددة وطلبات تسليم لدوره في اختلاس ما لا يقل عن 100 مليون دولار أميركي بعد خصخصة بنك بريفات عام 2016، فيما ترفض "إسرائيل" تسليمه حتى الآن.
"ملاذ آمن للمحتالين الماليين"
يأتي ذلك فيما "تُعدّ إسرائيل ملاذاً آمناً للمحتالين الماليين بشكل شائع"، فإحدى أبرز قضايا الاحتيال التي رفعتها هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية في السنوات الأخيرة، "شملت أكثر من 150 إسرائيلياً (بعضهم يحمل الجنسيتين الأميركية والإسرائيلية، والبعض الآخر لا)، مطلوبين لدورهم في عمليات احتيال في خيارات التداول الثنائية بقيمة تتجاوز 100 مليار دولار".
وخيارات التداول الثنائية هي نوع من الرهانات المالية التي تكون نتيجتها إما ربحاً أو خسارة. فبدلاً من شراء سهم أو عملة، يراهن المستثمر على ما إذا كان سعر السهم أو العملة سيرتفع أو ينخفض عن مستوى معين في وقت محدد. ورغم أن هذه الخيارات ليست غير قانونية، فقد اتُهمت الشركات الإسرائيلية بالتلاعب بالأسعار ومواعيد انتهاء الصلاحية، واستخدام هويات مزيفة.
وعلى مدى عقد من الزمان، وحتى عام 2017، "كانت إسرائيل المركز العالمي لصناعة تداول الخيارات الثنائية عبر الإنترنت".
وتقاعست الشرطة الإسرائيلية عن التحقيق، ما أدى إلى رفع مئات الدعاوى القضائية في المحاكم الإسرائيلية من قبل أشخاص من عشرات الدول تعرضوا للاحتيال.
ومن بين هؤلاء، كانت هناك لي إلباز، الرئيسة التنفيذية لشركة يوكوم للاتصالات، وهي مواطنة أميركية إسرائيلية تحمل الجنسيتين، من أبرز المحتالين، والتي أُلقي القبض عليها عام 2017 أثناء قضائها عطلة في نيويورك، لتُدان لاحقاً بتهمة الاحتيال الإلكتروني وحُكم عليها بالسجن 22 عاماً.
ومن بين الشخصيات الإسرائيلية البارزة الأخرى في مجال الاحتيال في تداول الخيارات الثنائية، يوسي هرتسوغ ويعقوب كوهين، وكلاهما على صلة بشركة يوكوم وشركات واجهة أخرى في هذا المجال.
وقد وُجهت إليهما تهمة الاحتيال بمبلغ 140 مليون دولار عام 2019، ولكن على الرغم من خضوعهما لتحقيق جنائي من وزارة العدل الأميركية، إلاّ أن الولايات المتحدة اختارت عدم المضي قدماً في تسليمهما، بينما انضم متآمرون إسرائيليون آخرون في قضية يوكوم إلى إلباز في قضاء أحكام بالسجن.
ومن بين أبرز الشخصيات الإسرائيلية الأخرى في قطاع الخيارات الثنائية أيضاً، ران أميران ومالهاز باتاركازيشفيلي، المعروف أيضاً باسم بيني بيتر.
وقد اتهمتهما هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بالاحتيال بمبلغ 100 مليون دولار لدورهما في إدارة شركة تداول الخيارات الاحتيالية "سبوت أوبشن".
ولأن القضية مدنية ولم تتدخل وزارة العدل الأميركية، لم يكونا مؤهلين للتسليم من "إسرائيل"، حيث لا يزالان يقيمان فيها.
وفي عام 2021، أفادت التقارير أن أميران توصل إلى تسوية مالية مع هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية بشأن الأضرار، على الأرجح لتمكينه من السفر إلى الولايات المتحدة مجدداً. أما بيتر، صديق نتنياهو، فلا يزال غير نادم، رغم صدور حكم بإلزامه بدفع 87 مليون دولار للحكومة الأميركية، وهو حكم استأنفه.
وبحسب "ذا غراي زون"، فهناك المئات من الأفراد الآخرين المرتبطين بـ"إسرائيل" والمتهمين بالاحتيال في خيارات التداول الثنائية، والذين تم تحديدهم على موقع هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، بمن فيهم المواطنان الألمانيان الإسرائيليان جيل وراز بسيرغليك، اللذان كانا يديران مراكز اتصال للاحتيال في خيارات التداول الثنائية من ألمانيا.
-
بنيامين نتنياهو مع المحتال المالي بيني بيتر
"بؤرة أخرى للاحتيال الإسرائيلي"
بالإضافة إلى ذلك، يُعدّ قطاع نقل الأثاث بؤرة أخرى للاحتيال الإسرائيلي، حيث تتظاهر بعض الشركات بأنها شركات نقل أثاث منزلية شرعية، لتسرق الممتلكات أو تحتجزها ما لم يتم دفع مبالغ إضافية.
ومن أبرز قضايا "احتجاز الأثاث" قضية شركة "أدفانسد موفينغ سيستمز"، وهي شركة إسرائيلية استدرجت العملاء بعروض أسعار منخفضة بشكل مصطنع، ثم ابتزتهم باحتجاز أثاثهم المنزلي حتى دفعوا أسعاراً مبالغاً فيها بشكل احتيالي.
ولا يزال العديد من الأشخاص المتورطين في هذه العملية الاحتيالية مطلوبين، ومكان وجودهم غير معروف. كما لا يزال العشرات من الإسرائيليين الآخرين المرتبطين بشركات نقل وهمية هاربين، ومن المرجح أنهم فروا إلى "إسرائيل".
"الاحتيال في أسهم الشركات الصغيرة"
كذلك، يُعدّ الاحتيال في أسهم الشركات الصغيرة مصدراً رئيسياً آخر للمحتالين الإسرائيليين. ويحدث هذا النوع من الاحتيال عندما تُسوّق أسهم شركات صغيرة، تُتداول بأقل من 5 دولارات للسهم الواحد، لأشخاص غالباً ما يكونون كباراً في السن وغير مطلعين على السوق، وذلك باستخدام أساليب تسويقية ضاغطة، حيث يعد المتصل بعوائد مضمونة، ويدّعي في كثير من الأحيان امتلاكه معلومات داخلية.
ومن أبرز هذه الحالات في السنوات الأخيرة، اتهام شارون "باري" بيرلشتاين، وهو أميركي إسرائيلي يحمل الجنسيتين، وعدد من المتآمرين الإسرائيليين، بإنشاء ما لا يقل عن 15 شركة وهمية عامة لبيع أسهم شركات صغيرة بملايين الدولارات باستخدام أساليب احتيالية. وقد تورط إسرائيليون أيضاً في قضايا احتيال مماثلة.
صناعة الألماس
كما اجتذبت صناعة الألماس نصيباً لا بأس به من المحتالين الإسرائيليين. ومن أشهرهم موردخاي "موتي" فيردر، وهو صائغ مجوهرات فاخر مقيم في كاليفورنيا، والذي كان محور إحدى أكبر فضائح الاحتيال في صناعة المجوهرات الأميركية، حيث اتُهم بالتلاعب بحسابات شركته لرفع قيمتها قبل بيعها لشركة استثمارية، بينما كان في الواقع يُراكم ديوناً بمئات الملايين من الدولارات. في عام 2025، ومع بدء تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي، فرّ فيردر من كاليفورنيا إلى "تل أبيب".
ثم هناك جيري شالون، الإسرائيلي المولود في جورجيا، المسؤول عن اختراق بنك "جيه بي مورغان" وتنفيذ أكبر عملية سرقة لبيانات عملاء مؤسسة مالية أميركية في التاريخ.
اللجوء السياسي
وبعيداً عن قضايا الاحتيال، تجذب "إسرائيل" أيضاً سياسيين يسعون للحماية من العدالة في بلدانهم. ومن أبرز هذه القضايا وأكثرها استمراراً قضية توماس زيرون، المدير السابق لوكالة التحقيقات الجنائية المكسيكية.
زيرون، الذي تلقى تدريباً في "إسرائيل" قبل توليه قيادة ما يُعادل مكتب التحقيقات الفيدرالي في المكسيك، تتهمه السلطات المكسيكية بالتورط المباشر في اختطاف وتعذيب، وربما قتل، عشرات الطلاب الجامعيين.
وتُعدّ قضية اختطاف أيوتزينابا واحدة من أبشع انتهاكات حقوق الإنسان في المكسيك، والتي وقعت عام 2014، عندما اختُطف ثلاثة وأربعون طالباً يسارياً واختفوا في طريقهم إلى مكسيكو سيتي لإحياء ذكرى مذبحة تلاتيلولكو عام 1968.
ويُقال إن زيرون كان على علم بتسليم الطلاب إلى عصابة إجرامية لقتلهم والتخلص من جثثهم، أو أنه أمر بذلك. وقد فرّ قائد الشرطة المكسيكية السابق فوراً إلى "إسرائيل" بعد اتهامه رسمياً بالمشاركة في الجريمة.
ورغم صدور أمر تسليم بحقه، ونشرة حمراء من الإنتربول، وطلبات عديدة من المكسيك لتسليمه، رفضت "إسرائيل ذلك"، في حين يُقال إنّ هذا عقابٌ للمكسيك على انتقادها لـ"إسرائيل" في الأمم المتحدة.
ملجأ مرتكبي الجرائم الجنسية
ومن بين الدبلوماسيين المكسيكيين الآخرين الذين فرّوا إلى "إسرائيل" أندريس رومر، والذي كان سفير المكسيك لدى اليونسكو في باريس، وقنصلاً عاماً للمكسيك في سان فرانسيسكو. وقد فرّ إلى "إسرائيل" عام 2021 بعد أن اتهمته 61 امرأة بالاغتصاب والاعتداء الجنسي. وبينما أذنت محكمة إسرائيلية بتسليم الدبلوماسي السابق إلى المكسيك، إلاّ أنه لا يزال رهن الإقامة الجبرية في "إسرائيل".
ورومر ليس الوحيد من بين مرتكبي الجرائم الجنسية اليهود الذين يفرّون من العدالة في بلدانهم الأصلية إلى "إسرائيل". فقد انتشرت هذه الظاهرة لدرجة أن شبكة "سي بي إس نيوز" قد غطتها.
ولعلّ أشهر المتهمين بارتكاب جرائم جنسية والذين فروا إلى "إسرائيل" هما المخرجان السينمائيان بريت راتنر وبرايان سينجر، حيث فرّ راتنر، مخرج فيلم "ساعة الذروة" وصديق نتنياهو المقرّب، إلى "إسرائيل" عام 2023 بعد أن اتهمته عدة نساء بسوء السلوك والاعتداء الجنسي في موقع التصوير.
-
بريت راتنر مع بنيامين وسارة نتنياهو والمحامي الصهيوني آلان ديرشوفيتز
أما سينجر، مخرج فيلمين من سلسلة "إكس-من" وفيلم "المشتبه بهم المعتادون" الذي حقق نجاحاً كبيراً في التسعينيات، فقد فرّ إلى "إسرائيل" في عام 2020، بعد اتهامه بالاعتداء الجنسي، بما في ذلك على أطفال.
وعليه، تجذب "إسرائيل" المجرمين من جميع الأنواع، ما يجعل هذا الموجز مجرد غيض من فيض. فقانون العودة، المعروف بتساهله الشديد في تطبيقه، يُتيح لليهود استغلال جنسيتهم المزدوجة لارتكاب الجرائم والإفلات من العقاب في ظل نظام قانوني عنصري وُضع لحمايتهم، حيث ينجح البعض في الإفلات من العقاب، بينما لا يحالف الحظ آخرين.