من مكتب دمّره العدوان.. درس جامعي في الصمود!
قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، كأنه فعل رمزي. لكنه في الحقيقة شيء أعمق بكثير. التعليم، في لحظات كهذه، لا يعود وظيفة، بل يتحوّل إلى إعلان وجود. أن تُدرّس في مكتب مدمّر، هو أن تقول إنّ العلاقة بين الإنسان والمعرفة لا تمرّ عبر الجدران.
-
المكتب المهدّم لا يعود مجرّد موقع قصف، بل يصبح نقطة تماس بين فكرتين (غرافيك: حوارء علي)
في مكانٍ يُفترض أن ينتهي فيه كل شيء، يبدأ شيء آخر.
ليست هذه جملة إنشائية عن الأمل، بل توصيف دقيق لما حدث داخل "جامعة شريف للتكنولوجيا" في إيران، حين جلس أستاذ رياضيات أمام كاميرا جهاز "اللابتوب"، وخلفه جدار مكسور، وسقف لم يعد كما كان، وبدأ يشرح لطلابه درساً عن "الخوارزميات العشوائية".
لم يكن المشهد استثنائياً بقدر ما كان كاشفاً، فبين الركام، حيث تتناثر بقايا ما كان يُفترض أن يكون "مستقبلاً"، جلس علي رضا زارعي، لا ليقاوم بالصوت العالي أو بالشعارات، بل ليفعل شيئاً أكثر إرباكاً: أن يُدرّس.
الدرس الذي لم يكن عن الرياضيات فقط
عبر تقنية الفيديو، ومن داخل مكتبه المدمّر، افتتح زارعي محاضرته كأنّ شيئاً لم يحدث. أو بالأحرى، كأنّ كلّ شيء حدث، لكنّ ذلك لا يكفي لإيقاف المعرفة. تمنّى "لطلابه السلامة"، وتمنّى لجامعته أن "تبقى شامخة"، وهي عبارة لا تُقال عادة في قاعة درس، بل في لحظات يُعاد فيها تعريف معنى الصمود.
بحسب المعطيات، لم يكن استهداف الجامعة حدثاً معزولاً. فقد طالت الهجمات مؤسسات تعليمية أخرى، من بينها جامعات كبرى ومراكز بحثية، إضافة إلى بنى تحتية علمية وصحية
ما قاله لاحقاً كان أكثر وضوحاً، بل وأكثر قسوة في بساطته: هذا ليس مجرّد تدمير مبنى، بل "جريمة ضدّ حضارة كاملة". هنا، تتبدّل زاوية النظر. فالمكتب المهدّم لا يعود مجرّد موقع قصف، بل يصبح نقطة تماس بين فكرتين: فكرة ترى أنّ تدمير المكان يكفي لإنهاء ما بداخله، وأخرى تؤمن أنّ ما بداخل المكان يمكنه أن يستمر خارجه، بل رغمه.
في مكتبٍ دمَّره العدوّ... درسٌ في التحدّي والإرادة
— إيران بالعربية (@iraninarabic_ir) April 7, 2026
الدكتور علي رضا زارعي، أستاذ كلية الرياضيات ورئيس مركز تكنولوجيا المعلومات في جامعة شريف للصناعة والتكنولوجيا، عقد صباح الیوم درس "الخوارزميات العشوائية" لطلاب الدراسات العليا في مكتبه الذي دمَّره المجرم الأميركي والإسرائيلي. pic.twitter.com/ygOhv7FZ85
حين يصبح الركام منصة تعليم
قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، كأنه فعل رمزي. لكنه في الحقيقة شيء أعمق بكثير. التعليم، في لحظات كهذه، لا يعود وظيفة، بل يتحوّل إلى إعلان وجود. أن تُدرّس في مكتب مدمّر، هو أن تقول إنّ العلاقة بين الإنسان والمعرفة لا تمرّ عبر الجدران.
أستاذ يفتح حاسوبه في مكتبه الجامعي المهدّم، طلاب يستمعون ويصرّون على العلم من مكانٍ غير مستقر .. جملة تُقال في نهاية المحاضرة عن "العزة والرفعة".
في طهران، حيث تتقاطع السياسة بالحرب، وتُختبر المدن بقدرتها على الاحتمال، يصبح هذا النوع من الأفعال اليومية—كدرس جامعي—نوعاً من إعادة ترتيب العالم. ليس العالم الكبير، بل العالم الصغير: علاقة أستاذ بطلابه، علاقة فكرة بعقل ينتظرها.
الجامعة ليست مجرّد مبانٍ
لفهم دلالة ما حدث، لا بدّ من فهم ما تمثّله جامعة شريف للتكنولوجيا نفسها. هذه ليست جامعة عادية في السياق الإيراني. منذ تأسيسها عام 1966، تحوّلت إلى واحدة من أهمّ المؤسسات العلمية في المنطقة، بل إلى ما يشبه "مختبر النخبة" في مجالات الهندسة والتكنولوجيا.
#شاهد | الدمار لم يوقفه.. أستاذ جامعي في إيران يواصل تقديم محاضراته لطلبته من داخل مبنى مدمّر بجامعة شريف، مستمراً في العملية التعليمية رغم الاستهداف. pic.twitter.com/AwWybgR4gb
— المركز الفلسطيني للإعلام (@PalinfoAr) April 7, 2026
الدخول إليها ليس مجرّد قبول جامعي، بل نتيجة مسار طويل من التفوّق، حيث لا يُقبل سوى نخبة محدودة من بين مئات الآلاف من الطلاب سنوياً.
أن تُدرّس، أن تعمل، أن تفتح باباً، أن تكتب، أن تغني—كلها أفعال تبدو عادية، لكنها في سياق الدمار تصبح أشكالًا من المقاومة.
داخلها، لا تُدرّس المواد فقط، بل تُصاغ مسارات كاملة لمستقبل علمي وتقني، ينعكس على قطاعات الدولة المختلفة.
حين تُستهدف جامعة كهذه، فإنّ ما يتعرّض للضرر ليس مبنى أو مختبراً، بل فكرة الاستمرارية نفسها: كيف تنتقل المعرفة؟ كيف تُبنى الأجيال؟ كيف تُحفظ الخبرة؟
الاستهداف… وما وراءه
بحسب المعطيات، لم يكن استهداف الجامعة حدثاً معزولاً. فقد طالت الهجمات مؤسسات تعليمية أخرى، من بينها جامعات كبرى ومراكز بحثية، إضافة إلى بنى تحتية علمية وصحية. لكن ما يجعل مشهد زارعي مختلفاً، هو أنه لا يقدّم رقماً جديداً في قائمة الخسائر، بل يقدّم رداً مختلفاً عليها.
هو لا ينفي الدمار، ولا يجمّله، بل يعترف به، ثم يتجاوزه. وهذا، ربما، هو أكثر ما يربك أيّ سردية تعتمد على أنّ الضربة النهائية يمكن أن تُنهي كلّ شيء.
إنسانية التفاصيل الصغيرة
في الحروب، تميل القصص إلى أن تصبح كبيرة جداً: أرقام، خرائط، تحليلات. لكن ما يبقى في الذاكرة غالباً هو التفاصيل الصغيرة. أستاذ يفتح حاسوبه في مكتب مهدّم. طالب يستمع من مكان غير مستقر. جملة تُقال في نهاية المحاضرة عن "العزة والرفعة".
هو لا ينفي الدمار، ولا يجمّله، بل يعترف به، ثم يتجاوزه. وهذا، ربما، هو أكثر ما يربك أي سردية تعتمد على أن الضربة النهائية يمكن أن تُنهي كل شيء.
هذه التفاصيل ليست هامشية، بل هي ما يعيد للإنسان مكانه داخل المشهد. وهي ما يجعل القصة قابلة للفهم، ليس كخبر، بل كتجربة.
ما يشبه ما حدث في أماكن أخرى
هذا المشهد ليس معزولاً عن سياق أوسع. في غزة، استمرت الحياة تحت القصف، ليس لأنّ الظروف تسمح، بل لأنّ الناس قرّروا أن لا ينتظروا الظروف. في لبنان، خلال الحروب المتكرّرة، ظلّت المحاضرات والدروس عن بُعد، والمحال تعمل، والناس تحاول أن تعيش، لا كنوعٍ من الإنكار، بل كخيار واعٍ.
ما يجمع هذه التجارب ليس التشابه في الظروف، بل التشابه في الاستجابة: الإصرار على أنّ الحياة ليست مؤجّلة إلى ما بعد الحرب، بل مستمرة داخلها.
الحياة.. كفعل مقاومة
قد يكون من السهل النظر إلى ما فعله زارعي كفعل بطولي. لكنه، في جوهره، فعل يومي. وهذا ما يمنحه قوته. لأنه يذكّرنا بأنّ الاستمرار لا يحتاج دائماً إلى قرارات كبيرة، بل إلى أفعال صغيرة تُكرّر نفسها رغم كلّ شيء.
أن تُدرّس، أن تعمل، أن تفتح باباً، أن تكتب، أن تغني—كلها أفعال تبدو عادية، لكنها في سياق الدمار تصبح أشكالاً من المقاومة.
ما يجمع هذه التجارب ليس التشابه في الظروف، بل التشابه في الاستجابة: الإصرار على أن الحياة ليست مؤجلة إلى ما بعد الحرب، بل مستمرة داخلها.
في النهاية، قد تُدمّر المباني، وقد تُغلق المختبرات، وقد تتوقّف بعض المشاريع. لكن ما لا يمكن تدميره بسهولة هو العلاقة بين الإنسان وما يعرفه، وما يريد أن يعرفه.
عقد أستاذ بكلية الرياضيات ورئيس مركز تكنولوجيا المعلومات في جامعة شريف للتكنولوجيا ، جلسة تدريسية حول "الخوارزميات العشوائية" لطلاب الدراسات العليا داخل مكتبه الذي تمّ تدميره على يد الصهيانة والأميركيين المجرمين.https://t.co/5qU6YibQa8 pic.twitter.com/rUQpIxW28v
— وكالة إرنا العربیة (@irna_arabic) April 7, 2026
داخل مكتب مدمّر، جلس أستاذ وبدأ درساً. لم يكن ذلك إنكاراً لما حدث، بل تأكيداً أنّ ما حدث لا يكفي لإنهاء كلّ شيء. وهذا، ربما، هو المعنى الأعمق لما جرى: أنّ الحياة، حتى وهي محاطة بكلّ أسباب التوقّف، تجد دائماً طريقة لتستمرّ.