ماذا نعرف عن موسم دبس الرمان؟
حوّل بعض الناس التدبيس للتموين الذاتي، وبعضهم الآخر للتسويق، ومنهم من بات ينتظر موسم نضوج الرمان ليتحول إلى تصنيع دبسه على نطاق تجاري واسع، والمثل الأبرز على هذه الحالة هي بلدة القلمون الواقعة على مسافة خمسة كيلومترات جنوبي مدينة طرابلس اللبنانية.
-
تدبيس الرمان في البلدات اللبنانية
مع تفاقم الأزمة الحياتية بصورة عامة، يبحث المواطنون عمّا يخفف وطأة الأزمة عليهم بطرق مختلفة، ومنها العودة إلى التقاليد التي ضربتها الحداثة، خصوصاً على المستوى الزراعي، لما تخلوا عنه، ولم يعد يعيرونه أي اهتمام رغم الطلب عليه في الأسواق.
من المواد التي تخلى الناس عنها، الرمان ودبسه. فقد كان الريفيون يقتنون كميات الرمان في منازلهم كنتاج طبيعي مما يزرعون، ويتغذون عليه كفاكهة شتوية، وأحياناً يصل الموسم السابق، بالموسم اللاحق، دون أن يدرك المواطنون أهمية الرمان بالتحديد، بل اتخذوا منه فاكهة شتوية تتصل بالصيف المقبل، لمجرد مذاقه الطيب، حلواً أو حامضاً.
رمان حلو وحامض
والرمان أصناف، الحلو منه يتراوح بين "البلدي"، و"البردي"، و"الهاجوجي"، والحامض منه صنفان معروفان، البلدي وهو الشديد الحموضة، و"اللفّاني" قليل الحموضة، صالح للأكل مباشرة.
-الحلو من الرمان اعتمد أكله طرياً، دون تصنيع، وابتكر له الريفيون أكلة منعشة وطيبة اسمها "الخشاف"، وهي مياه مُحَلّاة بقليل من السكر، مع نكهة ماء الزهر أو الورد، وبعض الزبيب، والجوز، وحبوب الرمان، ويطغى السائل على الأكلة، وهي منعشة عندما تبلغ التدفئة في المنازل حداً عالياً من الجفاف.
-الحامض من الرمان يؤكل طيباً ومنعشاً، و"اللفّاني" منه طري المذاق لطراوة حموضته. وقد صنّع الانسان منه في حقبات مختلفة مادة الدّبس التي تضاف لأنواع من الأطعمة التي يشكل دبس الرمان العنصر المميز فيها، منها على سبيل المثال لا الحصر، بعض أكلات اللحوم في المعجنات، والكبّة، والفطائر، واليخنة التي يضاف عليها البصل المقلي بزيت الزيتون، فيضفي لها مذاقاً شهياً، واليخنة أصناف منها يخنة البيض، ويخنة اللحوم، ويخنة القصبة السوداء (الكبدة)، وسواها من مآكل.
تصنيع الدبس للاقتناء
مع تقدّم الحداثة طاعنة في قلب التقاليد الانسانية، تخلى المواطنون عن التدبيس، وصاروا يعتمدون على اقتنائه من السوبرماركت، وغالباً ما يكون خفيف الطعم، وأحياناً مغشوشاً بإضافة ملح الليمون عليه. لكن السكان عادوا لتصنيع الدبس للاقتناء أولاً، وللتسويق ثانياً، عندما وجدوا طلباً واسعاً عليه يمكن أن يشكل لهم مردوداً داعماً لمتاعب الحياة، لذلك، تعبق رائحة التدبيس الجميلة في أرجاء البلدات التي عادت إلى تصنيعه على نطاق واسع.
-
عملية فرط حبيبات الرمان
حوّل بعض الناس التدبيس للتموين الذاتي، وبعضهم الآخر للتسويق، ومنهم من بات ينتظر موسم نضوج الرمان ليتحول إلى تصنيع دبسه على نطاق تجاري واسع، والمثل الأبرز على هذه الحالة هي بلدة القلمون الواقعة على مسافة خمسة كيلومترات جنوبي مدينة طرابلس اللبنانية.
عابر القلمون هذه الايام، والعديد من القرى والبلدات في أنحاء مختلفة، لا تخفى عليه رائحة التدبيس المنعشة، حيث تتعالى أبخرته خلال الفترة الطويلة من الغلي التي تحتاجها عصارته لتتحول دبساً.
عملية التدبيس تمرّ بمراحل عديدة
ربما لعبت صعوبة تدبيس الرمان دوراً هاماً في تقليل الاعتماد عليه، أو الإقلاع عن صناعته، فعملية التدبيس تمرّ بمراحل عديدة قبل أن يصبح الرمان دبساً.
البداية بجمع المحصول من الأشجار، ونقله إلى مكان فسيح لأن الكميات المطلوبة للتدبيس كبيرة نظراً لضرورات تصنيعه، ثم يأتي دور الغسيل لتنضيف الثمرات، وبعدها قصة الثمرة (الرمانة) منه إلى جزءين مناصفة؛ عملية شاقة تستغرق جهداً ووقتاً، ثم تبدأ عملية تفريغ الحبات من امهاتها الرمانات، وهي العملية الأكثر صعوبة من مختلف مراحل التدبيس.
عملية تفريغ الحبات تسمى "التطبيش" لأنها تتم بالضرب بعصا صغيرة على قفا الثمرة المشقوفة بالنصف، ويظل الضرب متواصلاً على قفاها حتى تفرغ كل الحبات منها، قبل أن يجري تنظيفها من الفضلات الصفراء المتساقطة من الرمانة وهي مرة المذاق، وغير مرغوبة في الاستخدام.
ساعات طويلة تقضيها مجموعات من الناس في التطبيش. في هذه الأثناء، تتولى مجموعة أخرى عصر الحبوب المتساقطة، والتي باتت متكدسة أكواماً، للحصول على عصارتها، والتخلص من بذورها، ومتى تأمنت العصارة، أشعلت المواقد، وصُبّت العصارة في أوعية منها "الدِّست" العميق، أو "اللّكن" الأقل عمقاً، وكلاهما من النحاس عادةً.
-
"تطبيش" حبّات الرمان بالعصيّ
الخبرة ضرورية
تظلّ العصارة على النار ساعات، لكن تحت المراقبة، بهدف الإبقاء على وتيرة معينة لإشعال الموقدة بالحطب أو فضلات الأشجار، من جهة، وإزالة الرغوة غير المرغوبة عن وجه الوعاء خلال عملية الغلي، من جهة ثانية، وتتم الإزالة بواسطة ملعقة كبيرة، أو منخل حديد بقبضة طويلة تساعد على الابتعاد عن النار، ووهجها القاسي.
الخبرة وحدها تمكّن من معرفة متى باتت العصارة دبساً، فيوضع الوعاء جانباً حتى تخف حرارته اللاهبة، وينقله اثنان بعيداً عن الموقدة، ومتى برد الدبس، وضع في قناني زجاج مهيأة لهذه الغاية (750 ملم) وهي الحجم المعتمد للقنينة.
ورشة تدبيس الرمان المعقدة تستدعي تضافر جهود كبيرة في الأرياف، وتتم بالتعاون بين الأهل والأقرباء والأصدقاء، ويتنقلون للمساعدة بين ورشة وورشة، ومتى انتهت الورشة أقيمت على شرفها احتفالية صغيرة، مما طاب من مأكل ومشرب، وربما حلقة دبكة في بعض الأحيان.