ما سر حُمرة "قمر سمك الحفش"؟

تحدث ظاهرة "القمر الدموي" عندما تتصاف الأرض والشمس والقمر على استقامة واحدة، لتحجب الأرض أشعة الشمس المباشرة عن القمر. وعلى الرغم من وقوعه في ظل الأرض، لا يختفي القمر تماماً بل يكتسي بوهج أحمر نحاسي نتيجة مرور ضوء الشمس عبر الغلاف الجوي للأرض.

0:00
  • ما سر حمرة
     سُميّ قمر شهر آب/ أغسطس تيّمناً  بسمك الحفش (Sturgeon) الكبير (Carolyn K Walker)

في مشهدٍ فلكيٍ ساحر يحبس الأنفاس، شهدت سماء العالم ليلة أسطورية توّجت قمر آب/ أغسطس—المعروف بـ "قمر الحفش"—بلونٍ نحاسيٍ أحمر يضاهي ظاهرة "القمر الدموي"، بعدما حجب ظل كوكب الأرض نحو 96 %  من سطحه، في خسوفٍ جزئي عميق كاد أن يكون كلياً.

هذا المشهد الكوني الذي شوهد امتداده من قارتي أميركا إلى أروقة أوروبا وأفريقيا، بلغ ذروته مع ساعات الصباح الأولى، حين غرقت معظم تفاصيل القمر في الظل الداكن، متبقيةً نسبة 4% فقط كشريطٍ مضيء يعاند العتمة.

سرّ الحمرة الثائرة

السرّ في هذه الحُمرة الثائرة يكمن في ملحمة فلكية،  إذ مرّ ضوء الشمس عبر غلاف الأرض الجوي، فتشتتت الألوان ذات الموجات القصيرة، فيما اخترقت الأطوال الموجية الحمراء والبرتقالية عتمة الفضاء لتكسو القمر برداءٍ يتراوح بين النحاسي والأحمر الداكن، تبعاً لما يحمله غلاف الأرض من غبارٍ وشهب. 

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Weather from the Met Office (@metoffice)

ورصد المتخصصون شريطاً فيروزيّاً نحيلاً عند حافة الظل، تشكّل من جرّاء عبور الضوء طبقة «الستراتوسفير» الغنية بالأوزون.

رمزية التسمية واستعادة الذاكرة

ولم تكن التسمية مجرد كلمة، فـ "قمر الحفش" اسمٌ اختزنته ذاكرة الشعوب الأصلية في أميركا الشمالية ليرتبط بمواسم وفرة الصيد والحصاد، ويُعرف أيضاً بـ "قمر الذرة الخضراء"، حاملاً في طيّاته الدلالة على الخصب والانبعاث في النصف الشمالي من الأرض.

  • "قمر سمك الحفش"؟ (AyE uniVERSE)

وفي أستراليا مثلاً، تُستمد تسميات الأقمار من تقاليد نصف الكرة الشمالي، حيث كانت القبائل الأميركية الأصلية تطلق أسماءً على الأقمار تماشياً مع الدورات الزراعية.

وقد سُمي قمر شهر آب/ أغسطس تيّمناً  بسمك الحفش (Sturgeon) الكبير، الذي كان يظهر موسمياً في منطقة البحيرات العظمى في أميركا الشمالية  ويتزامن ظهوره مع بداية فصل الخريف.

لماذا يتحوّل القمر إلى لون مائل للاحمرار؟

يحدث الخسوف القمري عندما تصطفّ الشمس والأرض والقمر على خط واحد تقريباً. تقع الأرض بين الشمس والقمر وتُلقي في الفضاء مخروط ظل يمكن أن يغطي بالكامل أو جزئياً سطح القمر.

ويحدث هذا الاصطفاف خلال طور البدر، لكن ليس في كل مرة يكتمل فيها القمر، لأن مدار القمر مائل مقارنة بمدار الأرض.

أمّا الجزء المغمور في الظل فلا يختفي تماماً. إذ إن جزءاً من ضوء الشمس يعبر الغلاف الجوي للأرض قبل أن يصل إلى سطح القمر. ويقوم الهواء بتشتيت المكوّنات الزرقاء من الضوء على نحو أكبر، بينما يسمح بمرور المكوّنات الحمراء والبرتقالية، وفق آلية مشابهة لتلك التي تلوّن الغروب.

وقد تختلف الدرجة اللونية النهائية تبعا لكمية الغبار والسحب الموجودة في الغلاف الجوي: كلما زادت كمية الجزيئات، بدا اللون الأحمر أكثر كثافة.

وتحدث ظاهرة "القمر الدموي" عندما تتصاف الأرض والشمس والقمر على استقامة واحدة، لتحجب الأرض أشعة الشمس المباشرة عن القمر.

وعلى الرغم من وقوعه في ظل الأرض، لا يختفي القمر تماماً بل يكتسي بوهج أحمر نحاسي نتيجة مرور ضوء الشمس عبر الغلاف الجوي للأرض وانكساره نحوه.

  • حيثيات وتفاصيل ظهور القمر النحاسي (الصورة: wsj)
    حيثيات وتفاصيل ظهور القمر النحاسي (الصورة: wsj)

الآلية العلمية للتوهج الأحمر

-تشتت رالي: يعمل الغلاف الجوي للأرض كمصفاة ضوئية، حيث يشتت الأطوال الموجية القصيرة (كالضوء الأزرق والبنفسجي) في جميع الاتجاهات.
-انكسار الضوء: تنثني الأطوال الموجية الطويلة (كالضوء الأحمر والبرتقالي) وتنفذ عبر حواف الغلاف الجوي لتسقط على سطح القمر.
-تأثير الغلاف الجوي: تعتمد درجة حمرة القمر على كمية الغبار، السحب، والجسيمات العالقة في طبقات الجو الليلة؛ فكلما زادت نسبة العوالق والملوثات، ظهر القمر باللون الأحمر الداكن.

أنواع خسوف القمر
 

-خسوف شبه الظلّ (Penumbral Eclipse): في هذه الحالة، يمرّ القمر عبر منطقة الظلّ الخارجي للأرض. بصرياً، لن يختفي أيّ جزء من القمر، بل سيبدو لونه رمادياً باهتاً قليلاً. بالنسبة للمراقب العادي، قد يبدو القمر بدراً عادياً تماماً ما لم يدقق النظر بشدة.

  •  Opacity
    Opacity

-خسوف جزئي (Partial Eclipse): هنا تبدأ الدراما الحقيقية. يدخل جزء من القمر في منطقة الظلّ التام (Umbra). سيشاهد الراصد ظلاً أسود مقوّساً يزحف تدريجياً على قرص القمر، وكأنّ لقمة كبيرة قد أُخذت منه. المشهد واضح جداً بالعين المجرّدة ومثير للإعجاب.

-خسوف كلي (Total Eclipse): وهو الحدث الأبرز. يدخل كامل قرص القمر في منطقة الظلّ التامّ للأرض. المفاجأة هنا أنّ القمر لا يختفي تماماً ويصبح أسود، بل يتحوّل إلى كرة متوهّجة بألوان تتراوح بين البرتقالي والأحمر القاني، وهو ما سنشهده في ذروة حدث آذار/مارس 2026.

 

محطاتٌ قادمة على طريق الفضاء

وجاء هذا الحدث الفلكي البارز، الذي استمر لأكثر من 5 ساعات، بعد 16 يوماً فقط من الكسوف الكلي  للشمس، ليكون البدر المكتمل التاسع لعام 2026.

كما شهدت السماء مساء 16 آب/ أغسطس الحالي، اقتران هلال القمر مع كوكب الزهرة  في الأفق الغربي بعد غروب الشمس، في ظاهرة فلكية أمكن مشاهدتها بالعين المجردة دون الحاجة إلى أجهزة رصد.

ويبدو أن هذه "الملحمة الكونية" لن تتوقف هنا هذا العام، إذ تترقب السماء في 26 أيلول/سبتمبر المقبل "قمر الحصاد"،  وهو اسم يطلق على اكتمال القمر بدرا في فترة الاعتدال الشمسي الخريفي. لذلك، يظهر  في أي وقت بين شهري أيلول/ سبتمبر وتشرين الأول/ أكتوبر.

يليه تقابُل كوكب زحل في 4 تشرين الأول/أكتوبر، تمهيداً للخسوف الكلي المرتقب في ليلة رأس السنة.

اقرأ أيضاً: ظاهرة فلكية أخّاذة.. اقتران القمر والزهرة

اخترنا لك