جريمة "البيجر" في لبنان: بين فقدان البصر وعمق البصيرة

علمياً، قد يفقِد المرء بصره فيعيش في ظلمة المادة، لكنه بالبصيرة يهتدي إلى أنوار الحقيقة ورفعة الكرامة، فالرؤية الحقيقية ليست ما ترسمه شبكية العين، بل ما ينطبع في وجدان الإنسان الصامد والمتأمل.

0:00
  • جريمة
    جريمة "البيجر" لم تفت من عضد المستهدفين بل زادت من عزمهم

البصر هو الوظيفة الفسيولوجية الحسية لرؤية الأشياء بالعين، بينما البصيرة هي العملية المعرفية العميقة لإدراك الحقائق وفهمها بالعقل والقلب.

من عين الجسد المحدودة بقوانين المادة والفيزياء، إلى عين الروح الممتدة في أفيائها أسرار الوجود، يتجلى الفرق الشاسع بين سطحيّة المعاينة وعمق الإدراك.

فالنظر ليس سوى وظيفة فسيولوجية حسية، نافذة ضيقة ترقب الأشياء وظواهرها عبر العين، هي واحدة من الحواس الخمس التي تمنح الإنسان معرفة ظاهرة بالعالم المنظور. يتولى هذا النظام البصري المعقّد التقاط الضوء وصياغته، حيث تسقط الصور على شبكية العين مقلوبة رأساً على عقب، قبل أن تنطلق البيانات عبر الألياف العصبية نحو الدماغ ليعيد ترتيبها وترجمتها إلى ما نحسبه واقعاً مجرداً.

البصيرة هي الهبة التي تُتيح للإنسان فهم الطبيعة

لكن هذا البصر، على دقة نظامه وتطوره، يتوقف حسّه عند حدود المظاهر، ولا ينفذ إلى جوهر الأشياء.

أما البصيرة، فهي العملية المعرفية والوجدانية العميقة التي تتجاوز حواس الجسد لتستقر في العقل والقلب. إنها الهبة التي تُتيح للإنسان فهم الطبيعة الداخلية للأمور، واستكناه الحقائق الغائبة عن العين المجردة.

الفرق بنيوي بين النظر والإبصار: هنا يبرز ما جاء في [ سورة الأعراف: 198] : ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ليحسم المسافة بين مَن يمتلك عينين تكتفيان بالنظر الشكلي، وبين مَن يملك قلباً حياً يرى نور الحق والجوهر.

بين البُعدين العلمي والوجداني

علمياً، قد يفقِد المرء بصره فيعيش في ظلمة المادة، لكنه بالبصيرة يهتدي إلى أنوار الحقيقة ورفعة الكرامة، فالرؤية الحقيقية ليست ما ترسمه شبكية العين، بل ما ينطبع في وجدان الإنسان الصامد والمتأمل.

في لحظة مكثّفة من لحظات التاريخ الحديث في لبنان المتخم بالبطولة والوجع، تحولت أجهزة صغيرة إلى شواهد على مرحلة جديدة من المواجهة.

لم يكن عدوان "البيجر" مجرد استهداف تقني أو ضربة أمنية خاطفة، بل كانت اختباراً قاسياً لجسد الأمة، جرحاً بليغاً أصاب العيون والأيدي، لكنه أخطأ القلوب والعقول.

هل يرى الإنسان بحدقتيه أم ببصيرته؟

إن فقدان البصر لدى المئات من الجرحى والأبطال يطرح سؤالاً فلسفياً ووجودياً عميقاً حول مفهوم "الرؤية": هل يرى الإنسان بحدقتيه أم ببصيرته؟

في نهج المقاومة الراسخ، يتجلى مفهوم "البصيرة" كما أرادها وكرّسها سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله في خطاباته وجلسات إرشاده: البصيرة ليست ترفاً فكرياً ولا صفة ثانوية، بل هي "شرط الوجود المقاوم".

فهي تلك القدرة الإيمانية والمعرفية على رؤية الحق في أحلك أوقات الظلمة، والتمييز بين العدو والصديق، ودرك العواقب بوعي متعمق لا تتغشى عليه الضبابية ولا تكسره الأوجاع.

أبعاد البصيرة في معركة الصمود

البصيرة كوعي تاريخي: العلم النافع والمعرفة الميدانية والثقافية هما السلاح الحقيقي في وجه مخططات سلب الإرادة. الإنسان المتعلم والمثقف مقاومٌ بالضرورة حين يدرك أبعاد الصراع ومخططات الاحتلال.

وهي رفض للذل، فالإرادة الصلبة لا ترفض الخضوع، الجسد قد يتألم، والعيون قد تُغمد عن نور الشمس، لكن الروح تظل متطلعة نحو الحرية والكرامة.

  • "عيوننا عيونكم"

متى تشتد باقي الحواس وتستيقظ البصيرة؟

ويمكن لها أن تتجاوز الجسد: عندما يُفقد البصر، تشتد باقي الحواس وتستيقظ البصيرة لترى طريق الحق أكثر جلاء. الأبطال الذين غابت عنهم صور العالم المادي باتوا يملكون "رؤية نافذة" تجعلهم أكثر ثباتاً ويقيناً بنصر القضية التي بذلوا في سبيلها أغلى ما يملكون.

لقد أراد العدو عبر غدره التقني أن يطمس الرؤية ويزرع الخوف، فإذا به أمام جيل من الأبطال الصامدين المتعلمين الذين أثبتوا أنّ البصيرة أعمق من البصر، وأنّ الإرادة التي تتغذى من وعي السيد الشهيد وكلامه المترسّخ في الأرواح هي إرادة عصية على الانكسار.

إنهم لا يرون بحدقاتهم اليوم، بل يهدون أمتهم بنور بصائرهم الوضاءة، مؤكدين أنّ السير في طريق رفض الاحتلال والذل لا يحتاج إلى عينين، بل إلى قلب يعرف تماماً أين يقع موقع الحق.


يتجاوز مفهوم البصيرة في الخطاب السياسي والفلسفي للمقاومة اللبنانية، وتحديداً في أدبيات وفكر سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله، المعنى اللغوي المباشر القائم على حدة العقل أو الذكاء الميداني، ليتحوّل إلى مقولة تأسيسية وركن مكين يبنى عليه الفعل المقاوم بأكمله.

تتكامل أبعاد هذا المفهوم عبر عدة محاور فلسفية وسياسية وإيمانية:

الوعي والتعليم والمعرفة العلمية

تُعرّف البصيرة في هذا الفكر بأنه القدرة على قراءة المشهد بأسره، لا الاكتفاء باللحظة الراهنة أو الجزئية الميدانية. إنها الرؤية النافذة التي تفكك أهداف العدو البعيدة وتدرك خفايا صراعه النفسي والتقني والعسكري. من هنا، فإنّ الوعي والتعليم والمعرفة العلمية ليست أدوات مساندة للمقاوم، بل هي جوهر بصيرته التي تحميه من الوقوع في فخاخ التضليل الإعلامي والحرب النفسية.

البصيرة كرفض للذل والهوان

تستمد البصيرة بنيتها الفلسفية من القيم الراسخة السماوية الوجدانية التي ترفض الاستسلام أمام اختلال موازين القوى المادية. البصيرة هنا تجعل "الكرامة" خياراً وجودياً غير قابل للمساومة،  فالإنسان البصير يرى في الخنوع والقبول بطلبات الاحتلال موتاً معنوياً أشّد إيلاماً من جراح الجسد أو فقدان البصر المادي.

ويتدرج منها، استقامة البوصلة وعدم الانحراف نحو المعارك الجانبية وغيرها..

في مجمل ما فعله العدو عبر تنفيذه لجريمة "البيجر" عام 2024 ، ربما كان قد حقق مآربه بحجب النظر وأذية البصر، لكن ذلك تحوّل إلى بصيرة متوقدة، ومن مفهوم   نظري إلى ممارسة حية تجعل المجتمع المقاوم صامداً، يرى بعين الحقيقة ما لا تراه العيون المادية، ويصنع من الأوجاع والجراح جسراً نحو الحرية والاستقلال.

بونٌ شاسع بين ما تأتي به الفيزياء والفسيولوجيا من معادلات قد تصل إلى مثل يقول "إنّ العين لا تقاوم المخرز"، ، وبين ما تلهج به بصيرة الأدمغة وقوة شكيمة النفوس، وأيضاً ما تخفق به القلوب عبر معاني الحب والتعلّق، والشرف والعزة مستندة إلى شواهد تاريخية تدمغ الإصرار بخواتيم النصر.

لقد أفشلت البصيرة جريمة الاحتلال عبر تفجير أجهزة "البيجر" ، فكانت العيون التي غلبت المخرز،  مشكاة نورٍ  وتجديد وعدٍ صادق لبأسٍ شديد.

اقرأ أيضاً: تفجير "البيجر": ماذا يقول القانون الدولي؟

اخترنا لك