"مونديال" غزة: لاعبات مميزات على عكازات!

جمعهنّ الوجع ووحدهنّ الشغف.. عداءة دولية سُلبت قدمها وأمٌّ فقدت أطفالها تحت الركام وصحفية تحولت من توثيق الحدث إلى جزء منه.. هؤلاء هنّ بعض بطلات أول فريق كرة قدم لفتيات وسيدات بترت أطرافهن من جرّاء الحرب المستمرة على قطاع غزة.

  •  لاعبات مميزات واجهن الحياة على عكازات (الصورة: جمعية فلسطين لكرة القدم البتر )

هم لا يلوون على شي.. قالها الشاعر الفلسطيني المناضل الراحل محمود درويش  "نحن نحب الحياة، ما استطعنا إليها سبيلاً".

"باقون" فنحن في أعلى مندرجات "الحياة"، أقرب إلى الله، نملأ الدنيا عزة وعنفوان على الرغم من الحصار الجائر المشدد والسافر منذ عام 2007،  ولو دمّر الاحتلال البشر والحجر في إبادة العصر الجماعية المستمرة تحت أعين العالم.

وعلى الرغم من أن العالم يشيح بأنظاره عن معاناة أهالي غزة، ما خلا شرفاء أبوا إلاّ أن  يرفعوا الصوت ويرابطوا ويدافعوا ويساندوا أهلها الأنقياء الشرفاء..إلاّ أن أهلها يسطرون مآثر في الصمود واجتراح المهج..

العالم "مأخوذٌ" اليوم بأجواء كأس العالم 2026، مونديال يخطف أنظار العالم والشاشات، في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

اقرأ أيضاً: العالم يحتفل بكأس العالم.. والاحتلال يمحو مقومات غزة الرياضية


 و في حين لم يغيّب الناشطون في المدن التي تضم الحدث الكروي وحتى في الملاعب علم فلسطين والشعارات المتضامنة مع غزة، تخوض مجموعة من الفتيات الفلسطينيات بقطاع غزة معركة من نوع آخر، إذ يسعين إلى شق طريقهن نحو الملاعب رغم إصابات خلّفتها حرب الإبادة التي ارتكبتها "إسرائيل" وغيرت حياتهن.

مستنِدات إلى عكاكيزهن!

جمعهنّ الوجع ووحدهنّ الشغف.. عداءة دولية سُلبت قدمها وأمٌّ فقدت أطفالها تحت الركام وصحفية تحولت من توثيق الحدث إلى جزء منه.. هؤلاء هنّ بعض بطلات أول فريق كرة قدم لفتيات وسيدات بترت أطرافهن من جرّاء الحرب المستمرة على قطاع غزة.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by قناة الوطن Alwtan TV (@alwtantv)

لكل لاعب في فريق "كرة العكازيز" حكاية، منها حكاية تلك اللاعبة التي واصلت اللعب بعد فقدها ساقها، مشددة على أنه يجب الإفادة من المآسي وتحويلها إلى دوافع لتحقيق الإنجازات، وعدم الاستسلام لها، بحيث لا تكون هي النهاية، بل بداية لانطلاقة جديدة.

تراهنّ يتبادلنَ الكرة برؤوسٍ مرفوعة، وعيونٍ شاخصة نحو شباكٍ يريْنها أوسع من حدود الحصار المضروب حولهنّ. إنها ليست مجرد "مباراة كرة قدم"، بل هي تجسيد حّي لثقافة الحياة التي تغلّبت، وتتغلب كل يوم، على آلة الموت.

رسالة إلى الملاعب الدولية

تخرج هؤلاء البطلات من أزقة مخيمات غزة ليقلنَ للعالم بأسره: "إذا كانت الحروب قد سرقت أطرافنا، فإنها لم تلمس روح التحدي فينا".

إنّ قصتهنّ ليست للاستعطاف، بل هي مادة دسمة تُدرّس في كتب الإرادة الإنسانية.  فـ "لاعبات غزة المبتورات" أيقونةً برسم الملاعب الدولية، وشهادةً حية على أن الأرض التي تنبت الزيتون، تنبتُ أيضاً أبطالاً يعبرون إلى المجد.. ولو على "قدمٍ واحدة".

  • "مونديال" غزة: لاعبات مميزات على عكازات! (الأناضول- trt)

 آثار الحرب والإصرار على الحياة

فعلى ملعب صغير مغطى بعشب صناعي بمدينة دير البلح وسط غزة تتدرب فتيات مبتورات الأطراف مستندات إلى عكاكيزهن، يتبادلن التمريرات ويلاحقن الكرة وسط تشجيع مدرباتهن، في مشهد يجمع بين آثار الحرب والإصرار على تجاوزها.

تدريبات اللاعبات تجسد قصص نجاة من الحرب، إذ لم تدفعهن الإصابات إلى الابتعاد عن الرياضة، بل إلى التمسك بها بوصفها وسيلة لاستعادة حياتهن ومواصلة أحلامهن.

فقدان الأطراف لا يعني نهاية الحلم

وفي شهر أيار/ مايو الماضي استأنفت جمعية فلسطين لكرة القدم البتر تدريبات فريق الفتيات بعد توقف لأكثر من عامين بسبب حرب الإبادة على غزة، وبدأ التجمع الأول أمس الخميس على ملعب العنان في دير البلح وسط قطاع غزة بحضور رئيس الجمعية فؤاد ابو غليون، والكابتن خالد المبحوح، واللاعبات من مختلف محافظات القطاع.

ولا تقتصر التدريبات على الجانب الرياضي، بل تشكل مساحة لاستعادة الثقة بالنفس وكسر العزلة، وإثبات أن فقدان أحد الأطراف لا يعني نهاية الحلم.

والخميس، انطلقت مباريات مونديال 2026 وتستمر حتى 19 يوليو/ تموز المقبل، وتستضيفها كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

وبحسب آخر حصيلة لوزارة الصحة في قطاع غزة في كانون الأول/ ديسمبر 2025، سُجلت نحو 6 آلاف حالة بتر أطراف خلال عامين من الإبادة الإسرائيلية، مشيرة إلى حاجة المصابين إلى برامج تأهيل "عاجلة وطويلة الأمد".

وتضم غزة أكبر مجموعة من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث، حيث يعاني الآلاف من الإصابات التي غيرت حياتهم نتيجة استمرار الحرب. يواجه هؤلاء الجرحى معاناة قاسية تتمثل في الاعتماد على العكازات والكراسي المتحركة وسط نقص حاد في الأطراف الصناعية ومستلزمات التأهيل الطبي.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by CNN Arabic (@cnnarabic)

روزان.. من فقدان الساق إلى مطاردة الحلم

ومن بين اللاعبات تبرز قصة الفلسطينية روزان خيرة (24 عاماً) التي فقدت ساقها جراء قصف إسرائيلي استهدف منزل عائلتها بمدينة غزة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023.

تقول روزان في حديثها إن القصف وقع ليلا أثناء وجود أفراد عائلتها داخل المنزل، مضيفة: "استيقظت على أصوات الصراخ والانفجارات، وحين حاولت النهوض لم أتمكن من الوقوف، وتحركت على ساق واحدة حتى وصلت إلى الصالون، وهناك اكتشفت أن ساقي بُترت".

 الإصابة لم تنهِ طموحها الرياضي

وقبل إصابتها، شاركت روزان في مسابقات للركض السريع وأحرزت عدة ميداليات، فيما رافقها حب الرياضة منذ طفولتها من خلال مرافقة والدها إلى الملاعب وممارسة الأنشطة الرياضية.

تؤكد أن الإصابة لم تنه طموحها الرياضي بل زادتها إصرارا على مواصلة مشوارها، مضيفة: "ربما ظن الاحتلال أن بتر ساقي سيوقفني، لكنه منحني دافعا أكبر لإثبات أن البتر ليس نهاية الحياة ولا الطموح".

  •  الفيلم الوثائقي
    الفيلم الوثائقي "كرة العكاكيز" فاز بجائزة ذهبية (الصورة: نوى)

وعلى الرغم من الأثر النفسي الذي خلفته الإصابة، تقول روزان إنها اختارت مواجهة واقعها الجديد وعدم الاستسلام له، معتبرة أن "الإصابة ليست نهاية الحلم، بل قد تفتح أبوابا جديدة".

وتسعى الفتاة إلى المشاركة في بطولات عالمية ورفع علم فلسطين، وقد انضمت إلى فريق تابع لجمعية فلسطين لكرة القدم البتر، يضم فتيات يمارسن كرة القدم ويعد من أوائل فرق كرة قدم البتر للفتيات في فلسطين.

وتشير إلى أن الفريق كان يطمح للمشاركة في بطولات دولية هذا العام، إلا أن الحرب والقيود المفروضة على قطاع غزة حالت دون ذلك.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by TRT عربي (@trtarabi)

وتضيف: "نأمل أن نتمكن من المشاركة في المسابقات الدولية العام المقبل، وأن نمثّل فلسطين بصورة مشرفة".

وتؤكد أن طموح اللاعبات لا يقتصر على المنافسة الرياضية، بل يمتد إلى الاندماج في المشهد الرياضي العالمي أسوة ببقية الرياضيين.

روزان تشير إلى أن العدوان حرمها وزميلاتها من المشاركة في الفعاليات الدولية ومتابعة أحداث كبرى مثل كأس العالم عن قرب، رغم تطلعهن إلى خوض تلك التجربة مستقبلاً.

  • طموح اللاعبات  يمتد إلى الاندماج في المشهد الرياضي العالمي (جمعية فلسطين لكرة القدم البتر)
    طموح اللاعبات يمتد إلى الاندماج في المشهد الرياضي العالمي (جمعية فلسطين لكرة القدم البتر)

ووفق تقرير صادر عن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم واللجنة الأولمبية الفلسطينية، ارتقى 1007 من أفراد الحركة الرياضية الفلسطينية في قطاع غزة بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و12 فبراير/شباط 2026، بينهم 45 سيدة.

وشملت القائمة لاعبين ومدربين وحكاماً وإداريين وأعضاء مجالس إدارات وعاملين في الاتحادات والأندية والمؤسسات الرياضية والكشفية. 

فقد تعرضت منشآت وملاعب ومراكز رياضية لأضرار واسعة أو دُمرت بالكامل، فيما أدت القيود المفروضة على حركة التنقل والسفر إلى حرمان الرياضيين من المشاركة في البطولات والمعسكرات الخارجية.

  •  (الصورة: جمعية فلسطين لكرة القدم البتر)

كما تسببت ظروف النزوح المتكررة وتدهور الأوضاع الإنسانية في تعطيل الأنشطة الرياضية والتدريبات المنتظمة، ما ضاعف من الصعوبات التي تواجه الرياضيين في مواصلة مسيرتهم أو الاستعداد للمنافسات الدولية.

حلم يتجاوز الحرب والإعاقة

من جانبها، تقول المشرفة آية العثماني  إن المبادرة أسست أول فريق لكرة قدم البتر للفتيات في غزة، بهدف دعم مبتورات الأطراف نفسيا واجتماعيا وإتاحة مساحة لهن لممارسة الرياضة.

وتوضح أن الفتيات يواجهن تحديات كبيرة بعد الإصابة، ما دفع القائمين على المشروع إلى استقطابهن وتشجيعهن على الانخراط في الأنشطة الرياضية.

وتلفت إلى أن اللاعبات يخضعن لتدريبات منتظمة لتطوير مهاراتهن وتعزيز ثقتهن بأنفسهن من خلال كرة القدم والألعاب الجماعية.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Go Realtime (@go.realtime)

وتعرب العثماني عن أملها في أن تصل اللاعبات إلى مستويات متقدمة، وأن يشكل الفريق بوابة لمشاركتهن في المنافسات الرياضية مستقبلاً.

والجدير بالذكر أن الفيلم الوثائقي "كرة العكاكيز"، من إخراج إياد الأسطل، ، فاز في جائزة "هيباتيا" الذهبية لأفضل فيلم وثائقي في الإسكندرية عام 2021، تدور أحداثه في قرابة الـ 30 دقيقة، حول شباب من غزة يعشقون كرة القدم بشغف كبير، لكن كلاً منهم فقد إحدى ساقيه لأسباب عدّة، غالبيتهم برصاص الاحتلال، وخاصة في "مسيرات العودة"، إلا أن ذلك لم يمنعهم من ممارسة لعبتهم المفضّلة باستخدام "العكاكيز" في أحد ملاعب القطاع.

 

اخترنا لك