هذا ما قدّمته في ذكرى رحيل السيد.. ماذا كشف وليم نصّار للميادين نت؟

الفنان اللبناني الملتزم وليم نصّار،يؤكد في مقابلته خاصة بـ الميادين نت أن أخطر ما يمكن أن يُمارَس على شعبٍ ما ليس اقتلاعُه من أرضه، وإنما محاولة اقتلاعه من ذاكرته، لأن الأرض يمكن أن تُحتل، والمعالم يمكن أن تُمحى، لكن حين تُمحى الذاكرة يصبح الإنسان مهدداً.

  • وليم نصار للميادين نت:
    نصار : الموسيقى قد تقول ما قد تعجز الكلمات وبندقية المُدافع  قوله (غرافيك: ندين بدر الدين)

الفنان اللبناني العالمي د. وليم نصّار،ابن الشمال اللبناني،  المقيم في كندا يتحدث بعد طول غياب في مقابلة خاصة بـ الميادين نت، عن الجنوب اللبناني وغزة والقدس، وعن دور المثقف والفنان في رفد المجتمع بالوعي، مؤكداً أن  "الموسيقى خندق من خنادق المقاومة"، ويتحدث عن مأثرة "علي الطاهر"، وعن تقديمه عمله الموسيقي في ذكرى استشهاد سيد شهداء الأمة.

الحديث الذي خصّ به الفنان الملتزم، في زمنٍ قلّ فيه الفنّ الهادف، الميادين نت، طويل ومتشعّب، بسبب غيابه عن الإعلام في الفترة الأخيرة، وأيضاً لأن الأحداث كثيرة وخطيرة، لذلك آثرنا تقديمه كما هو بصيغة السؤال والجواب.

أرسى نصّار إلى جانب سامي حواط، مارسيل خليفة، احمد قعبور، زياد رحباني وسميح شقير وخالد الهبر خط الأغنية الملتزمة، كما حقق حضوراً لبنانيا وعربيا وعالمياً كمؤلف موسيقي، وكعضو في مؤسسات موسيقية دولية مختلفة.

 وهو المؤلف الموسيقي الوحيد من أصول عربية الذي يتمتع بعضوية جمعية المؤلفين الموسيقيين الكنديين "سوكان"، كما أنه المؤلف الموسيقي العربي الوحيد الذي منح عضوية "المواطن العالمي" والتي هي منظمة إنسانية تابعة للامم المتحدة، لدوره في نشر السلام عبر الموسيقى وتخصيص نصف ريع إنتاجه الموسيقي لعلاج الأطفال المصابين بالسرطان.

وإليكم نص الحوار مع الفنان المخضرم نصّار:

1- كيف تنظر كفنان ملتزم الى شجيرات الزيتون في جنوب لبنان وأزقة القدس العتيقة؟ 

كمؤلف موسيقي ومؤدي للاغنية السياسية، لا أستطيع أن أنظر إلى الزيتون أو إلى القدس بعينَيّ فقط... أنا أسمعهما.

حين أقف أمام شجرة زيتون في جنوب لبنان، أشعر أنني أمام موسيقي عجوز يحمل في جذعه تاريخاً طويلاً من الصمت والكفاح والانتظار. هذه الشجرة لا تتكلم، لكنها تقول الكثير. جذورها في التراب، وأغصانها في السماء، وبين الاثنين حكاية إنسان عاش هنا، وتعب هنا، وأحبّ هذه الأرض حتى أصبح جزءاً منها. 

الزيتونة هي ذاكرة واقفة. كم من يدٍ مرّت على جذعها؟ كم من موسمٍ انتظرته؟ كم من إنسان جلس تحت ظلها وهو يحمل في قلبه فرحاً أو حزناً أو أملاً؟ ولهذا أشعر أن للزيتون إيقاعاً خاصاً... إيقاعاً بطيئاً، عميقاً، يشبه دقات قلب إنسان يعرف أن الحياة ليست سهلة، لكنه يصرّ على الاستمرار.

اما بالنسبة للقدس وأزقتها ... أحياناً أفكّر أن أجمل موسيقى هي تلك التي لا نسمعها مباشرة، وإنما نشعر بها وهذا بالضبط ما أشعر به تجاه القدس.

في أزقتها العتيقة، أشعر أن الحجارة تحفظ الأصوات. تحفظ وقع أقدام الذين مروا من هناك، تحفظ الدعاء، والتراتيل، وأجراس الكنائس والآذان، وضحكات الأطفال، ونداءات الباعة، وصمت الذين وقفوا أمام التاريخ عاجزين.

هناك مدن يبنيها الإنسان في ذاكرته

هناك مدن تُبنى بالحجر، وهناك مدن يبنيها الإنسان في ذاكرته. والقدس كما قرى الجنوب وكما حيفا ويافا واللد وغيرها من تلك المدن التي لا تستطيع أن تغادرها حتى لو لم تكن تعرفها.

أنا لا أؤمن بأن الموسيقي يجب أن يكون مجرد شخص يعزف نغمات او يغني فقط. الموسيقى، في رأيي، تصبح عظيمة عندما تحمل شيئاً من الإنسان.

عندما تكون قادرة على أن تحفظ ذاكرة، أو تفتح نافذة في جدار. الموسيقي لا يستطيع أن يوقف الزمن، لكنه يستطيع أن يمنع الذاكرة من أن تموت.

ولا يستطيع أن يمحو الألم، لكنه يستطيع أن يعطيه صوتاً. ولا يستطيع أن يزرع الزيتون بيديه في كل أرض، لكنه يستطيع أن يعزف لحن الزيتونة حتى تصل حكايتها إلى مكان بعيد وهذا، بالنسبة لي، هو معنى الالتزام.

عندما أصنع أغنية عن الجنوب أو عن فلسطين، لا أريد أن أقدّم للناس مجرد أغنية عن مكان. أريد أن أقول لهم:انظروا... هنا شجرة ما زالت واقفة.

وهناك حجر ما زال يتذكر وهناك إنسان ما زال يحلم. وهذه، في النهاية، هي رسالتي كموسيقي. أن أحاول أن أُبقي هذه الأشياء حيّة في الموسيقى.

 الموسيقى خندق من خنادق المقاومة

2- هل تحضر الموسيقى كخندق ٱخر للمقاومة والصمود؟

نعم… وأقولها بكل وضوح: الموسيقى خندق من خنادق المقاومة، ولكنها خندق لا يُبنى بالحجارة، بل بالذاكرة والوعي والانتماء.

أنا لا أرى الموسيقى ترفاً في زمن الانكسار، ولا أراها شيئاً منفصلاً عن قضايا الإنسان. عندما تُهدَّد الأرض، تُهدَّد معها ذاكرتها. وعندما يُراد للإنسان أن ينسى، تصبح الأغنية وسيلة من وسائل التذكير.

الموسيقى تستطيع أن تقول ما قد تعجز الكلمات وبندقية المُدافع عن أرضه قوله ...بالموسيقى تستطيع أن تحمل وجع أم، وحنين لاجىء ونازح، وصوت قرية، ورائحة تراب، وذاكرة وطن…

  •  نصار للميادين نت:
    نصار للميادين نت:  أعظم أشكال الصمود هو أن تبقى قادراً على صناعة الجمال في وجه القبح

أنا كموسيقي، أؤمن أن مسؤوليتي ليست فقط أن أعزف نغماً جميلاً، وإنما أن أعرف لماذا أعزف، ولمن أعزف، وماذا أريد أن يبقى بعد أن تنتهي النغمة.

الحرب لن تأخذ منك صوتك

ولذلك، نعم… الموسيقى مقاومة. لكنها مقاومة من نوع آخر.. مقاومة للنسيان، للانكسار، ولليأس.

هي تقول للإنسان: قد تُؤلمك الحرب، وقد تأخذ منك الكثير، لكنها لن تأخذ منك صوتك ما دمت قادراً على الغناء.

وأعتقد أن أعظم أشكال الصمود هو أن تبقى قادراً على صناعة الجمال في وجه القبح، وأن تبقى قادراً على الحلم في زمن يريدون فيه منك أن تخاف من الغد وهذا في رأيي أصعب  أشكال المقاومة.

الموسيقى مقاومة. لكنها مقاومة من نوع آخر.. مقاومة للنسيان، للانكسار، ولليأس.

3- جرف التاريخ ومحو الذاكرة ... كيف تتحول الأغنية السياسية او الملتزمة والمقطوعة الموسيقية الى وثيقة عصية على التزوير وكيف تبقيك على تماس مباشر مع تراب الوطن رغم بعد المسافات ؟

 انتبهوا لمحاولة اقتلاع  الذاكرة من الشعب 

 أخطر ما يمكن أن يُمارَس على شعبٍ ما ليس فقط اقتلاعُه من أرضه، وإنما محاولة اقتلاعه من ذاكرته، لأن الأرض يمكن أن تُحتل، والبيوت يمكن أن تُهدم، والمعالم يمكن أن تُمحى، لكن حين تُمحى الذاكرة يصبح الإنسان مهدداً بأن يفقد الدليل الأعمق على أنه كان هنا.

ومن هنا تأتي أهمية الأغنية السياسية.  أنا لا أتعامل معها باعتبارها مجرد عمل موسيقي أو خطاب عاطفي، بل باعتبارها وثيقة من نوع آخر، وثيقة لا تُحفظ في الأرشيفات، وإنما تُحفظ في الوجدان.

 أخطر ما يمكن أن يُمارَس على شعبٍ ما ليس فقط اقتلاعُه من أرضه، وإنما محاولة اقتلاعه من ذاكرته

قد يستطيع أحدهم أن يغيّر أسماء الأماكن في الكتب، أو يعيد كتابة الرواية الرسمية، أو يقتلع حجراً من مكانه، لكن من الصعب جداً أن يقتلع أغنية استقرت في ذاكرة الناس. فحين تتحول الأغنية إلى جزء من الوعي الجمعي، تصبح شاهداً متداولاً بين الأجيال، يحمل اللغة، واللهجة، وأسماء الأمكنة، وصور الأرض، وذاكرة الناس، وحتى علاقتهم الوجدانية بما فقدوه أو بما يخشون فقدانه. ومثال على ذلك أغنيتي "على طريق عيتات".

ولهذا أقول دائماً إن الفن، في لحظات التحولات الكبرى، لا يكون ترفاً ... الفن يصبح أحد أشكال حفظ الحقيقة.

الأغنية  أكثر من ذاكرة

أما بالنسبة للإنسان البعيد عن وطنه، فالأغنية تصبح أكثر من ذاكرة، تصبح جسراً سيادياً بينه وبين المكان. قد أكون في أقصى العالم، وقد تفصلني عن وطني البحار والحدود والمسافات، لكن يكفي أن أسمع لحناً ينتمي إلى أرضي، أو كلمة تنتمي إلى لغتي، حتى أشعر أن المسافة الجغرافية فقدت سلطتها عليّ.

وأنا أؤمن أن مهمة الفنان ليست أن يصف الحاضر فقط، وإنما أن يمنع الحاضر من ابتلاع الماضي. أن يترك للأجيال القادمة أثراً يقول لهم: كان هنا إنسان، وكان هنا وطن، وكانت هنا حكاية، وكان هناك شعب أحب هذه الأرض إلى درجة أنه حوّل حبه لها إلى موسيقى.

 أخشى على الأغنية الوطنية

وربما لهذا السبب تحديداً أخشى على الأغنية الوطنية او السياسية او الملتزمة  أن تفقد صدقها أكثر مما أخشى عليها حين تفقد جمالها؛ لأن جمالها يمكن أن يتغيّر من جيل إلى جيل، أما صدقها فهو الذي يمنحها القدرة على البقاء.

4- ما هو دور الفنان الملتزم في نقل مأساة وطنه وشعبه والاثبات للعالم الغربي ان شعبنا ليس مجرد ارقام في النشرات، بل صاحب حق وهوية؟

إن دور الفنان الملتزم لا يقتصر على التعبير عن المأساة، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة الإنسان إلى مركز الرواية. ففي زمن تُختزل فيه الشعوب، أحياناً، إلى أرقام في نشرات الأخبار وإحصاءات للضحايا والنازحين، يصبح الفن وسيلة لاستعادة الاسم والوجه والذاكرة والحكاية.

الفنان الملتزم يمتلك قدرة خاصة على تحويل الألم  إلى خطاب إنساني قابل للوصول إلى الجمهور الغربي والأوروبي الذي قد تصله الأحداث في صورة أخبار مقتضبة .

ومن خلال الموسيقى والفن، يستطيع أن يقول إن خلف كل رقم إنساناً له بيت وذاكرة وأحلام، وخلف كل مدينة مدمرة تاريخاً، وخلف كل أرضٍ حكاية وهوية وانتماء.

وفي النهاية، أعتقد أن أقوى ما يستطيع الفنان أن يقدمه للعالم هو أن يقول: نحن لسنا رقماً في خبر عابر، ولسنا صورة مؤقتة على شاشة. نحن شعوب لها أسماء وذاكرة وثقافة وتاريخ..

لا أستطيع أن أكون محايداً 

5- كيف تواجه كفنان أصيل متشبث بوطنه الابادة الجماعية ونسف وتدمير المنازل والمؤسسات والمدارس ونبش القبور؟ 

حين أتحدث عن هدم البيوت، وتدمير المؤسسات، والعبث بالقبور، فأنا لا أتحدث عن حجارة تُهدم، أو أبنية تُسوى بالأرض، أو قبور تُنبش فحسب؛ أنا أتحدث عن الاعتداء على ذاكرتنا وعلاقتها بالمكان، وعلى حقنا في أن يكون لنا وطن، وتاريخ، واسم، وذاكرة، ومستقبل.

البيت في ثقافتنا ليست كما ثقافة المستعمر والمستوطن ... البيت ليس جدراناً وسقفاً، البيت هو طفولة، وصورة أم، ورائحة خبز، ودفء أب، وذاكرة أجيال. والمدرسة ليست بناءً من إسمنت، إنها المكان الذي يتعلم فيه الإنسان اسمه وتاريخه وحلمه.

 
 
 
 
 
عرض هذا المنشور على Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

‏‎تمت مشاركة منشور بواسطة ‏‎William Nassar‎‏ (@‏‎william.nassar‎‏)‎‏

أما القبر، فهو آخر ما يملكه الإنسان في هذه الدنيا، ولذلك فإن احترام الموتى وحرمة قبورهم ليسا مسألة عاطفية فحسب، بل هما أيضاً من صميم الكرامة الإنسانية والقواعد التي كرّسها القانون الدولي الإنساني.

وأنا كفنان ملتزم لا أستطيع أن أكون صامتا او محايداً او مراقبا أمام جريمة تستهدف الإنسان في بيته، وفي ذاكرته، وحتى في موضع رقاده الأخير.

لكنني أريد أن أكون واضحاً جداً: الفنان يكون شاهداً حين يحاول الآخرون طمس الشهادة، وهو يحفظ الحقيقة حين تصبح  مستهدفة، و يمنح الضحية صوتاً حين يُراد لها أن تصبح مجرد رقم في نشرة أخبار.

أنا لا أحمل بندقية..  لكنني أحمل ذاكرة شعب ومقاومة

أنا لا أحمل بندقية، أحمل غيتاراً وصوتاً انهكته الأدوية، والأهم انني أحمل ذاكرة شعب ومقاومة.

أنا لا أحمل بندقية، أحمل غيتاراً وصوتاً انهكته الأدوية، والأهم انني أحمل ذاكرة شعب ومقاومة.

إن أقوى قوة يمكن أن يمتلكها شعب هي أن يبقى موجوداً في التاريخ رغم كل محاولات محوه منه، أن تبقى الأغنية حية، أن يبقى الطفل يعرف اسم قريته، أن تبقى الأم قادرة على رواية حكاية بيتها، أن يبقى الشاعر قادراً على كتابة اسم حبيبته ووطنه، أن يبقى الفنان قادراً على الوقوف أمام العالم والقول: نحن لسنا أرقاماً، نحن بشر لنا وجوه وأسماء وحكايات وبيوت وقبور وذاكرة.

من أعطى الحق لأحد بأن يهدم؟ 

ولهذا، حين يُهدم البيت، لا أريد أن أبكي على الركام فقط، أريد أن أسأل: من أعطى الحق لأحد بأن يهدم؟ وحين تُمحى مؤسسة، أسأل: أي مستقبل يُراد لهذا الشعب؟ وحين تُنتهك حرمة قبر، أسأل: أي إنسانية تبقى إذا لم يعد للموتى حتى حقهم في السكينة؟

وهنا يأتي دور المثقف والفنان: أن ينقل هذه الأسئلة من حدود المكان إلى ضمير العالم.القوة الحقيقية ليست فقط في القدرة على الرد، بل في القدرة على البقاء.

والبقاء ليس أن نبقى أحياء فقط.. بل أن نبقى أصحاب رواية، وأصحاب ذاكرة، وأصحاب كرامة، وأصحاب حق.

على الفنان ألا يفقد البوصلة الأخلاقية

قد يستطيعون، لبعض الوقت، أن يفرضوا الصمت على المكان...لكنهم لن يستطيعوا أن يفرضوا النسيان على شعب. وهذه، في رأيي، هي مهمة الفنان الملتزم: "أن يقف في المسافة الفاصلة بين الركام والذاكرة، وأن يقول للعالم، بصوت هادئ لا يحتاج إلى صراخ ... 

قد تهدمون بيوتنا، لكنكم لن تهدموا انتماءنا. قد تعبثون بحجارتنا، لكنكم لن تعبثوا بذاكرتنا ... وقد تحاولون إسكات أصواتنا، لكن الفن حين يصبح شهادةً على الحق، يصبح وطناً لا يمكن احتلاله.

 أقوى قوة يمكن أن يمتلكها شعب هي أن يبقى موجوداً في التاريخ رغم كل محاولات محوه منه.

6- في زمن الردة، ماذا تقول كفنان ملتزم يحوز محبة جمهوره، لمروجي الفتن وللمطبلين لأنتصار العدو وهزيمة الوطن ومقاوميه وشعبه؟

حين تختلط الحقيقة بالضجيج، وحين يصبح بعض الناس أكثر احتفالاً بسقوط وطنهم من احتفالهم بنجاته، أعتقد أن أول واجب على الفنان هو ألا يفقد البوصلة الأخلاقية.

أنا لا أتعامل مع الفن باعتباره مهنة للتسلية، ولا مع شهرة الفنان باعتبارها امتيازاً شخصياً. الفنان، في لحظات الانكسار الكبرى، يصبح شاهداً على عصره، وشريكاً في صناعة الذاكرة. ولذلك فإنني أرفض أن أكون جزءاً من جوقة الفتنة، كما أرفض أن أكون بوقاً للشماتة أو منصة لترويج اليأس.

لا تجعلوا من خلافاتكم جسراً للعدو

وأقول لمن يروّج للفتن، اختلفوا كما شئتم، وانتقدوا كما شئتم، لكن لا تجعلوا من خلافاتكم مع أبناء وطنكم جسراً يعبر عليه العدو إلى وجدانكم.

هناك فرق شاسع بين أن تنتقد وطنك لأنك تريده أفضل، وبين أن تكره وطنك لأنه لم يحقق لك الصورة التي تريدها. وهناك فرق بين أن تطالب بالمحاسبة، وبين أن تتشفى بجراح شعبك. النقد يبني حين يكون هدفه الإصلاح، أما الفتنة فلا تورث إلا الرماد.

الفتنة فلا تورث إلا الرماد

أنا كفنان .. لن أستخدم صوتي للتحريض على إنسان بسبب اختلافه، ولن أستخدم فني لتبرير الظلم، ولن أصفّق للعدو.

 الوطن أوسع من الجميع. الوطن هو الأرض التي تحمل ذاكرة الآباء، والبيوت التي شهدت ضحكات الأمهات، والقبور التي تحتفظ بأسماء من سبقونا، واللغة التي نحلم بها، والأغاني التي تعلمناها من آبائنا، والكرامة التي لا يجوز أن تتحول إلى ورقة في بازار السياسة.

قد نخسر معركة لكن الشعوب لا تُقاس بعدد المعارك

قد نمر بمرحلة قاسية، وقد نكتشف أخطاءً مؤلمة في مسيرتنا، لكن الشعوب العريقة لا تُقاس بعدد المعارك التي ربحتها فقط، بل بقدرتها على النهوض بعد السقوط، وعلى تحويل الجرح إلى معرفة، والذاكرة إلى قوة بناء وهذا ما أراه وما المسه في اهلنا الجنوبيين النازحين قسرا من قراهم.

  •  نصار: البقاء ليس أن نبقى أحياء فقط .. بل أن نبقى أصحاب كرامة
    نصار: البقاء ليس أن نبقى أحياء فقط .. بل أن نبقى أصحاب كرامة

هذا ما أقوله للمهللين لهزيمة وطنهم

وأقول للذين يهللون لهزيمة وطنهم: لا تجعلوا خصومتكم مع الداخل سبباً في أن تفقدوا علاقتكم بالحقيقة.، لكن أخطر انتصار يمكن أن يحققه أي عدو هو أن يدخل إلى وجدان شعبه، فيجعله يحتقر نفسه، ويشكك في تاريخه، ويحتفل بانكساره. واقول هذا ليس من موقع الوعظ بل من موقع حبي لوطني وشعبي..

7- ماذا تقول للجنوب اللبناني، المقاومة، القدس، غزة، تلة علي الطاهر، سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله (في ذكرى استشهاده)؟

الجنوب هو ذاكرةُ الأرض حين تتكلم

-الجنوب اللبناني بالنسبة لي ليس نقطةً على الخريطة، ولا مساحةً جغرافيةً يمكن اختصارها بحدودٍ على الورق. الجنوب هو ذاكرةُ الأرض حين تتكلم، وهو رائحةُ التراب بعد المطر، وهو زيتونةٌ عتيقة تحفظ في جذعها أسماء الذين أحبوا هذه الأرض ودافعوا عنها. بالنسبة لي، الجنوب مقامٌ موسيقيٌّ كامل؛ فيه نغمةُ الحزن، وإيقاعُ الصمود، وسكونُ الإنسان حين يصبح التمسك بالأرض جزءاً من هويته.

المقاومة: الكرامة والحرية والوجود

-المقاومة، في بعدها الإنساني، هي أن ترفض أن تتحول إلى عابرٍ في أرضك، وأن تتمسك بحقك في الكرامة والحرية والوجود.

- القدس، هي ليست مدينةً فحسب، إنها مدينةٌ تسكن فينا. هي قبلةٌ للروح، وجرحٌ قديم لا يهدأ، وذاكرةٌ إنسانيةٌ لا يجوز أن تتحول إلى هامشٍ في كتاب التاريخ.

أما غزة...  فهي امتحانٌ لضمير العالم. ولا أراها رقماً في نشرة أخبار، بل أرى إنساناً، وطفلاً، وأماً، وبيتاً، وحبيبة وذاكرةً تحاول أن تبقى حيّةً وسط الركام. ولهذا أؤمن أن واجب الفنان ليس أن يرفع صوته فوق آلام الناس، بل أن يمنح آلامهم صوتاً يصل إلى من لا يسمع.

تلة علي الطاهر:  ذاكرةٌ محفورة في وجدان الأرض

وبخصوص تلة علي الطاهر، فهي عندي ليست مجرد اسمٍ لمكان، إنها ذاكرةٌ محفورة في وجدان الأرض. وبعض الأمكنة لا تُقاس بمساحتها، بل بما تختزنه من معنى ووفاء. وتلة علي الطاهر هي واحدةٌ من تلك الأمكنة التي يصبح فيها التراب أغنية، ويصبح الصمت شهادة.

الشهيد السيد نصر الله شخصية محورية في تاريخ مرحلة كاملة

وفي ذكرى استشهاد (سيد شهداء الأمة)  السيد حسن نصر الله، أتوقف أمام غياب رجلٍ شكّل، بالنسبة إلى أنصاره ومحبيه، شخصيةً محوريةً في تاريخ مرحلةٍ كاملة. وقد تختلف القراءات السياسية حول الرجل، لكن الموت يضعنا أمام حقيقةٍ أكثر إنسانية: أن بعض الشخصيات لا تنتهي برحيل أصحابها، لأن أثرها يبقى في ذاكرة الذين آمنوا بها، وفي الأسئلة التي تركتها خلفها.

وأنا، كفنان، لا أملك في مواجهة الموت إلا الموسيقى. الموسيقى هي لغتي حين تضيق اللغة، وهي المساحة التي أستطيع من خلالها أن أقول إن الذاكرة ليست شيئاً نحتفظ به في الماضي، بل مسؤولية نحملها إلى المستقبل... ولهذا كتبت موسيقى "فالس لشهر سبتمبر" واهديتها لروح "أبو هادي".

اقرأ أيضاً: سننتصر.. قصة للفنان وليّم نصار من كندا

اخترنا لك