رمضان فوق الركام: كيف تصنع غزة بهجتها من الكرتون؟

 في قطاع غزة لا يأتي رمضان كما في المدن الأخرى.. بل يتلمّس طريقه بين الركام، يمرّ فوق خيامٍ مشدودة بحبالٍ واهنة، ويتوقف قليلاً عند وجوه الأطفال الذين يسألون السؤال ذاته كل عام: هل سيكون رمضان أفضل من الذي سبقه؟ الجواب ليس بسيطاً. لكنه ليس مستحيلاًَ!

  • رمضان فوق الركام: كيف تصنع غزة فرحاً؟
    كيف تصنع غزة فرحاً رغم الحصار والعدوان؟

في غزة، لا يأتي رمضان هذه المرة كضيفٍ عابرٍ يطرق الأبواب بهدوء، بل يدخل من بين الشقوق التي خلّفتها الحرب في الجدران، ومن بين الخيام المنصوبة على عجل فوق ركام البيوت.

الشهر الفضيل هو الأول بعد عدوان مدمّر واتفاق وقف إطلاق نار هشّ، أكثر من عامين من النزف المفتوح، من الفقدان الذي تجاوز حدود الإحصاء، ومن النزوح الذي أعاد تشكيل الخريطة الداخلية للقطاع.

المشهد العامّ يوحي بأنّ غزة تدخل شهر الصيام بذاكرة مثقلة ويدين فارغتين إلا من الإصرار والعزيمة.

الأحياء التي كانت تضجّ بالحياة تحوّلت إلى مساحات إسمنتية مكشوفة، والبيوت التي كانت تُزيَّن بالفوانيس أصبحت أطلالاً تتدلّى منها حبال كهرباء مقطّعة مقطوعة.

ومع هذا، يصرّ الناس على أن يعلّقوا شيئاً من الضوء فوق الخيام، أن يضعوا فانوساً بسيطاً من الضوء والأمل، ولو عبر تنكة مشروبٍ غازيّ، عند باب مأوى مؤقت، كأنهم يقولون: نحن هنا، لم نغادر الحكاية.

بين الهدوء الحذر والروح المصلّية

صحيح أنّ اتفاق وقف إطلاق النار خفّف من صوت الصواريخ، لكنّ الصمت في غزة ليس سلاماً كاملاً، بل هدنة مشوبة بالقلق. كثير من المساجد تضرّرت جزئياً أو كلياً، وبعضها أُعيد فتحه بجهودٍ تطوّعية، بتنظيف سريع وفرشٍ مستعار.

في ليالي صلاة التراويح، تتراص الصفوف في مساجد نصفها قائم ونصفها مفتوح على السماء، فيما تُقام الصلوات أحياناً في خيام كبيرة تحوّلت إلى مصليات مؤقتة.

الناس يصلّون لا طلباً للأجر فحسب، بل طلباً للطمأنينة. في كل دعاءٍ تُستعاد أسماء الشهداء، وفي كل سجدةٍ تمرّ صور البيوت التي غابت.

ومع ذلك، يخرج المصلّون بابتسامةٍ خفيفة، كأنّ الصلاة تعيد ترتيب الفوضى الداخلية ولو مؤقتاً.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Anadolu العربية (@aa_arabic)

ما تبقّى من أسواق: زيارة للفرجة لا للشراء

في سوق الزاوية التاريخي، تتكدّس البضائع القليلة المتوفرة. الأسعار مرتفعة، والقوة الشرائية منهكة.

كثير من العائلات تذهب إلى الأسواق لتستعيد طقساً قديماً: جولة ما قبل رمضان، ولو بلا أكياس في اليدين. يقول وليد الأسي "نزور السوق للفرجة"، تقول أمل السمري ، "حتى لا يشعر الأطفال أنّ رمضان مرّ بلا ملامح".

الأمن الغذائي يبقى الهاجس الأكبر. آلاف الأسر تعتمد على "التكايا" والمطابخ الخيرية لتأمين وجبات الإفطار. حملات "إفطار الصائم" تنتشر في مخيمات النزوح، تحاول أن تحفظ كرامة من فقدوا معيلهم أو مصدر رزقهم. في الخيام، تُفرد موائد متواضعة: عدس، أرز، بعض الخبز، وربما طبق خضار بسيط. لكن ما ينقص الطعام تعوّضه النية الجماعية على البقاء.

النزوح وتبدّل الطقوس

رمضان في غزة كان دائماً شهر "الجمعَات العائلية" الكبيرة، موائد تمتد من بيت إلى بيت، وأصوات أطفال تتنقّل بين الأزقة. اليوم، تغيّر شكل العائلة نفسها.

مئات الآلاف ما زالوا في خيام أو مراكز إيواء. العائلة التي كانت تجتمع في منزل واحد صارت موزّعة بين أحياء مختلفة أو حتى مدن أخرى داخل القطاع.

هذا التشتّت غيّر طقوس السحور والإفطار. لم تعد الولائم الكبيرة ممكنة، ولا الزيارات المسائية كما كانت. لكنّ الغزيين ابتكروا شكلاً جديداً للتكافل: "السحور الجماعي" في المخيمات، حيث تتشارك عدة خيام في إعداد وجبة واحدة، وتتحوّل المساحة الضيّقة إلى ساحة تضامن.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by الميادين | Al Mayadeen (@almayadeen.tv)

"الحارة الملوّنة": الألوان كبيان صمود

وسط ركام الحرب، ووسط هذا المشهد، قال محمد شبير، منسق مبادرة "الحارة الملوّنة"، في حديثه لـ"الميادين"، إنّ الفكرة التي أطلقها عام 2022 لم تكن ترفاً جمالياً، بل كانت فعلاً مقصوداً لمواجهة القسوة بالألوان.

وأضاف أنّ الأهالي اجتمعوا يومها ليقولوا إنّ الحارة قادرة على أن تصنع الفرح بيديها، وإنّ الجدران يمكن أن تتحوّل إلى لوحات حياة مهما اشتدّ الظلام. 

وأضاف، "ثم جاء عدوان 2023، فتوقّفت المبادرة. في رمضان 2024 حاولوا العودة، لكنّ النزوح قطع المشهد. الحارة نفسها تعرّضت لتدمير كبير، بيوت هُدمت، وجدران سقطت. ظنّ البعض أنّ الألوان انتهت".

يؤكد شبير، أنّه في رمضان 2026، تعود الفكرة بإرادةٍ أشدّ. حيث إنّ الأطفال هم من يقودون المشهد هذه المرة. يجمعون بقايا الألواح الخشبية والكرتون، يرسمون خريطة فلسطين بأيديهم، يكتبون أسماء المدن والقرى، كأنهم يعيدون تثبيت الجغرافيا في وجه التهشيم. الجدران التي بقيت واقفة تتحوّل إلى لوحات، والخيام نفسها تُزيَّن برسومات بسيطة.

"لم تكن مجرّد ألوان"، يقول شبير، "كانت خريطة وطن". في كل رسمة، رسالة صمود. في كل ضحكة طفلٍ وهو يمسك بالفرشاة، إصرار على أن الحياة ليست ملكاً للحرب وحدها.

ريحان حازم: فوانيس من صناديق المساعدات

في زاوية أخرى من غزة، تجلس ريحان حازم، سيدة فلسطينية، تحوّل صناديق المساعدات الكرتونية إلى فوانيس وزينة رمضانية. بيدين متعبتين لكنهما ثابتتان، تقصّ الكرتون، تلوّنه، تضيف لمسات مستوحاة من الزي الفلسطيني التقليدي. ما تفعله ليس مجرد حرفة، بل محاولة لتأمين مصدر دخل في واقع اقتصادي خانق.

فوانيس ريحان ليست مثالية الصنع، لكنها مثالية الدلالة..

كلّ فانوس يحمل حكاية: كيف يمكن تحويل أثر الإغاثة إلى أثر جمالي؟ كيف يمكن لشيء جاء في سياق العوز أن يصبح رمزاً للفرح؟ الأطفال يتهافتون على هذه الزينة البسيطة، لأنها تشبههم: مصنوعة من القليل، لكنها مليئة بالمعنى.

الأطفال: طلب الزينة كصرخة حياة

"نريد زينة رمضان!"، هكذا يصرخ الأطفال في وجه الكبار. الطلب يبدو بسيطاً، لكنه في غزة مطلب حياة. الأهالي يعترفون بأنهم لا يملكون ثمن الزينة الجاهزة. فيذهب الأطفال بأنفسهم لجمع الكرتون من الشوارع.

يجلسون مع أمهاتهم، يقصّون، يلصقون، يرسمون. حتى لو كان مجرد حبل تتدلى منه أشكال ورقية.

هذه اللحظات الصغيرة هي ما يبقي المجتمع واقفاً. بهجة الأطفال ليست تفصيلاً عاطفياً، بل ركيزة نفسية. في مدينةٍ يحمل كل بيت فيها جرحاً، يصبح ضحك طفلٍ فوق الركام فعلاً مقاوماً.

القيود والعراقيل

الواقع الإنساني ما زال صعباً. القيود على دخول البضائع مستمرة، والمساعدات لا تكفي. المنظمات الإغاثية تواجه عراقيل لوجستية وأمنية.

كثير من العائلات لم تتمكّن من العودة إلى منازلها، إما بسبب الدمار الكامل أو لعدم توفّر الحدّ الأدنى من مقوّمات العيش.

في مناطق المواصي، حيث تنتشر الخيام، يعيش الناس بين رياح البحر وغبار الركام. مع ذلك، تُقام حلقات قرآن، وندوات دينية، ومحاضرات توعوية. النساء هنّ الأكثر حماسة لإحياء ليالي رمضان في المصليات المؤقتة.

هناك رغبة جماعية في إعادة تعريف الشهر كمساحة تعافٍ روحي، ولو جزئياً.

رمضان كفعل مقاومة نفسية

غزة اليوم لا تملك ترف الاحتفال كما في السابق، لكنها تملك شيئاً آخر: القدرة على تحويل الطقوس الدينية إلى أدوات صمود. الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل تدريب على التحمّل. الإفطار ليس مجرد وجبة، بل إعلان بأنّ الجماعة ما زالت متماسكة.

من بين الركام، تتشكّل صورة معقّدة: حزن عميق، فقر مدقع، فقدان لا يُعوّض، لكن أيضاً إصرار على الحياة. رمضان 2026 ليس "رمضان الفرح"، لكنه أيضاً ليس رمضان الانكسار. هو رمضان الترميم البطيء، ترميم الجدران بالطلاء، وترميم القلوب بالدعاء.

في الأعوام الماضية، دخل رمضان على وقع الحرب. هذا العام، يدخل على وقع هدنة هشّة.

الفرق ليس بسيطاً، لكنه ليس كافياً. الغزيون يدركون أنّ الطريق طويل، وأنّ إعادة الإعمار ليست إسمنتاً وحده، بل إعادة بناء ثقة وأمان وطمأنينة. ومع ذلك، حين يُسأل أحدهم: بأيّ حال تستقبلون رمضان؟ يجيب: "نستقبله بحبّ". حبّ ممزوج بالوجع، لكنه حبّ حقيقي. لأنّ البديل هو اليأس، وغزة لا تعرف اليأس.

في "الحارة الملوّنة"، وفي فوانيس ريحان، وفي صرخة طفل يطلب زينة، تتجسّد الحكاية كلّها. قد لا يملك أهل غزة رفاهية الشراء، لكنهم يملكون قدرة نادرة على صناعة المعنى من القليل.

اقرأ أيضاً: حالة مأساوية يعيشها أهالي غزة مع دخول شهر رمضان الكريم

يعلّقون الفوانيس على الركام، يرسمون الوطن على الجدران، ويقولون بصوتٍ خافت لكنه ثابت: هنا رمضان، وهنا غزة، وهنا الحياة، مهما طال الليل.

 

اخترنا لك