رمزية جداريات السيد.. ما قصة صورته في منزل "زهرة الميادين"؟
جداريات وأيقونات السيد في الساحات والأجهزة الرقمية، فالوجه والصوت تحولا إلى رمز للأمة وأيقونة للحرية، فما هي قصة اللوحة التي تحمل صورته في منزل "زهرة الميادين" فاطمة فتوني؟
-
الصورة والجداريات التي تحمل الرمزية (غرافيك: اسماعيل آغا)
"اشتقنالك" .. كلمة رُفعت بالمهج إلى جانب صورة لسيد شهداء الأمة على مداخل بيروت وضاحيتها الجنوبية والمناطق اللبنانية منذ أيام، أتت لتعبّر عن دفق موج الشوق الدافق ومدد التعلّق الواثق بنهج قائد مقاوم قلّ نظيره.
منذ اللحظات الأولى لـ "الانتصار التاريخي" بعد عدوان تموز/ يوليو 2006، تسامى اسم السيد في العالم العربي من المحيط إلى الخليج يومها.. وذاع اسم رمز التحرر العالمي في دول العالم وقاراته.
لا تنسوا نشيد "نصر العرب" عام 2007
ويجب ألاّ تجعلنا الأوضاع الصعبة التي نمرّ بها، ولا محاولات التشويه والتشويه، ننسى مثلاً فيديو كليب "نصر العرب"، عام 2007 (كلمات: فادي عباس ألحان: حسن غملوش) الذي صوّر قسم منه في ذوق مصبح قرب مدينة جونيه اللبنانية، وفي بحر وعلى صخرة الروشة في العاصمة بيروت،وطبعاً على أنقاض دبابات ومروحيات الاحتلال المدمرة في جنوب لبنان.
وأيضاً، شمل العمل الهام برمزيته ومضمونه، مشاهد من سوريا ومصر وتونس وقطر وغيرها مع الخيول والجمال ومضارب الخيام والقهوة العربية احتفالاً بالانتصار في لبنان، وبرز فيها فنانون وممثلون عرب من سوريا ومصر والأردن والبحرين وتونس وهم يتغنون بنصر المقاومة وسيّدها.
لم تكن الصورة يوماً مجرد انعكاس ضوئي على الورق أو القماش، بل كانت – على مر التاريخ – اختزالاً مكثفاً للهوية، ووثيقة عاطفية تُجسد لحظات التحول الكبرى في وجدان الشعوب.
جداريات وأيقونات بصرية
وفي جغرافية أمة تتوق إلى العزة والكرامة، تحولت صور وجداريات السيد حسن نصر الله إلى أكثر من مجرد إعلان عن المحبة، لقد غدت "أيقونات بصرية" تُزين الأزقة والميادين، وتلتقي حولها أفئدة الملايين من ضفاف المتوسط إلى أقاصي بلاد الرافدين واليمن وإيران، وامتداد العالمين العربي والإسلامي.
في أزقة الضاحية الجنوبية لبيروت، وقرى الجنوب والبقاع المكلومة بالثبات، ترتفع الجداريات لتلتحم بحجارة المنازل وتاريخ الصمود. الوجه ذاته، بالعمامة السوداء والنظرة الحانية والنبرة الواثقة، يتحول على جدران القرى الحدودية إلى درع رمزية وحارس يحمي الديار.
إنها صور لا تُعلّق بقرار إداري، بل تتشكل بجهد أهلي وعاطفة شعبية تجعل من صورته جزءاً من الأثاث الروحي للبيت الجنوبي.
اقرأ أيضاً: ناصر و نصر الله.. هنا يكمن السر!
وعندما تعبر الحدود نحو بغداد والنجف وكربلاء، أو ترتقي جبال صنعاء وصعدة، وتطوف بميادين طهران ومشهد، تجد الأيقونة ذاتها تتصدر المشهد الوجداني.
-
جداريات للسيد الشهيد ىفي غزة
لم تكن هذه المحبة استعراضاً إعلامياً أو "بروباغندا" مشغولة في غرف المظلمة، بل كانت وليدة "التطابق التام" بين القول والفعالية الميدانية. لقد رأى الرأي العام فيه القائد الذي لا يساوم، والصادق الذي ينفّذ وعده، والأب الذي قدّم نجله هادي شهيداً في ميدان المواجهة قبل أن يُقدّم نفسه شهيداً على طريق القدس.
رمز للتحرر العالمي
إن انتشار هذه الصور والأيقونات من المحيط إلى الخليج—بل وفي تظاهرات عواصم الغرب وأميركا اللاتينية التي ترفع صورته كرمز للتحرر المناهض للهيمنة—يؤكد حقيقة ساطعة: أن السيد نصر الله لم يكن ينتمي إلى حزبه أو وطنه فحسب، بل استحالت شخصيته إلى فكرة، والفكرة لا تموت ولا تُحصر بين جدران.
-
وفي طهران
وستبقى هذه الجداريات شاخصة على امتداد جغرافية المقاومة، تحكي للأجيال القادمة حكاية مَلْهَمٍ استطاع بصدقه وكاريزمائه أن يسكن وجدان أمة بأكملها.
الأشدّ حضوراً وتأثيراً في "الجداريات الرقمية"
بعد عامين على ارتقائه شهيداً على طريق القدس، لم تتراجع ظاهرة السيد حسن نصر الله في الوجدان الجمعي، بل انتقلت من جدران الإسمنت والميادين العامة إلى مساحة أشدّ حضوراً وتأثيراً: "الجداريات الرقمية" وخلفيات الهواتف المحمولة على امتداد العالم العربي والإسلامي.
في الشوارع، والمقاهي، والجامعات، وفي وسائل النقل العام من بيروت إلى بغداد، ومن صنعاء وطهران إلى دمشق والقاهرة وتونس، تحولت شاشات الهواتف الذكية إلى منصات أسرية وشخصية تُعلن الانتماء.
لم تعد خلفية الهاتف مجرد اختيار جمالي عابر، بل استحالت "توقيعاً سياسياً ووجدانياً" يُحمل في الجيوب ويُضاء عشرات المرات في اليوم، ليبقى وجه «السيد» شخاصاً أمام العيون، ينبض بالحضور رغم الغياب.
الكاريزما الصادقة لا تندثر
تتنوع هذه "الجداريات الرقمية" في تصميماتها وتفاصيلها، فمنها ما يختزل نظرته الثاقبة والواثقة، ومنها ما يُبرز ابتسامته الهادئة التي كانت تبث الطمأنينة في أوقات الاشتداد، أو حركات يديه وسبابته المرفوعة التي صاغت معادلات الردع.
-
صورة لم تُحرق ذاكرتها
إن تحول صورة الشهيد القائد إلى خلفية ثابتة في هواتف ملايين الملايين بعد عامين على رحيله، يُرسخ حقيقة ساطعة في سيكولوجيا الجماهير:
فالكاريزما الصادقة لا تندثر بمرور الزمن ولا تغيب بالشهادة.
والد "زهرة الميادين": هذه هي قصة صورة السيد
ويخبر السيد عباس فتوني "الحاج أبو الفضل"، والد الشهيدة "زهرة الميادين" الزميلة فاطمة فتوني، الميادين نت عن قصة لوحة السيد حسن المشغولة من الخيطان والمسامير، التي كانت تتصدر منزل العائلة في بلدة الطيبة جنوب لبنان.
اقرأ أيضاً: "زهرة الميادين" على "أسطول الصمود" إلى غزة: فاطمة "ستبحر" يوماً
ويقول "خلال "حرب الاسناد"، لم تقتصر المواجهات على القصف والعمليات العسكرية، بل امتدت آثار العدوان السافر إلى القرى والبلدات والمنازل، وفي منزلي في الطيبة دخل جنود الاحتلال إلى منزلي قبل تدميره من قبلهم بالكامل، وعثروا داخله على صورة للسيد حسن نصر الله، فقاموا بإحراقها وإتلافها".
وفعلاً، كانت الشهيدة الزميلة فتوني قد روت لي كيف استشاط الجنود غضباً وصراخاً من رؤية اللوحة، وأمعنوا في تهشيمها ومحاولة حرقها!
-
مع الشهيدة فاطمة ووالديها في الطيبة الجنوبية وتبدو اللوحة المشغولة بالخيطان
"وإذا كانت هذه القطعة الفنية هي توثيق لذلك الحدث، فإن آثار الاحتراق الظاهرة عليها تحوّلها من مجرد صورة إلى شاهد مادي على مرحلة من العدوان" يقول والد فاطمة.
رمزية الصورة في نفوسنا وأفئدتنا
ويضيف "الصورة هنا لا تُقرأ فقط باعتبارها صورة لشخصية سياسية أو قيادية، بل يمكن أن تحمل عدة مستويات من الرمزية:
-رمز للانتماء: وجود صورة السيد نصرالله داخل منزل لبناني خلال تلك المرحلة كان، بالنسبة إلى أصحابها، تعبير راسخ عن موقف أو انتماء أو تأييد للمقاومة.
-رمز للحرب النفسية: إحراق الصورة، وفق الرواية المرتبطة بها، يمكن قراءته كفعل يستهدف الرمز الموجود داخل المنزل، وليس الورق وحده.
-
اللوحة "صامدة" على الرغم من محاولة حرقها وتهشيمها
-أثر مادي للحرب: آثار النار والسواد والتمزق التي تظهر في العمل تحفظ لحظة من زمن الحرب، وتمنحه قيمة تتجاوز قيمته الفنية.
والد الشهيدة فاطمة: أهمية هذه اللوحة لا تكمن فقط في كونها تصوّر السيد حسن نصر الله، وإنما في الأثر الذي تحمله.
-رمز للذاكرة: بقاء الصورة على الرغم من احتراقها يجعلها أشبه بوثيقة بصرية، فالضرر الذي أصابها أصبح جزءاً من قصتها.
View this post on Instagram
وفي وقتٍ يلفت فيه إلى "أن الصورة المحترقة لا تمحو ملامح صاحبها بالكامل، بل بقي الوجه واضحاً بارزاً رغم آثار النار، وهذا يمنح العمل دلالة رمزية قوية: فمحاولة إتلاف الصورة تحولت، مع مرور الزمن، إلى جزء من الصورة نفسها".
-
منزل العائلة قبل تدميره بالكامل
ويختم الوالد الذي فقد الشهيدين فاطمة وشقيقها المصوّر محمد فتوني في الجريمة الإسرائيلية، كذلك فقد اهله وأقاربه، وتهدّم منزله وباب رزقه، وهو يعتبر رمزاً جنوبياً لبنانياً جباراً، بقوله إن "أهمية هذه اللوحة لا تكمن فقط في كونها تصوّر السيد حسن نصر الله، وإنما في الأثر الذي تحمله. فالخيوط المحترقة، والسواد، والتمزقات، وبقايا الحرق، كلها تجعل منها عملاً فنياً يحمل في داخله ذاكرة حرب".
اقرأ أيضاً: قصة عن سيد "الوعد الصادق".. أيقونة المقاومين