دراسة حديثة تكشف الآثار الصحية والنفسية السلبية للعمل عن بُعد!

أمسى العمل من المنزل بسب "كوفيد" والحروب توجهاً عاماً في أغلب دول العالم، لكن دراسة حديثة تكشف عن أثمان صحية ونفسية باهظة، فالبقاء وحيداً في المنزل والعمل عن بُعد يزيد من عزلة الشخص، ويؤثر سلباً على صحته الجسدية والنفسية.

0:00
  • هل تعمل عن بعد؟.. داسة قد تغير نظرتك!
    هل تعمل عن بعد؟.. داسة قد تغير نظرتك!

كشفت دراسة حديثة والعديد من المنظمات الطبية، عن مخاطر صحية كبيرة مرتبطة بالعمل من المنزل، ما يُشكك في التصور الشائع للعمل عن بُعد باعتباره الترتيب الأمثل للعمل، حيث أنّ بقاء الشخص وحيداً في المنزل، والعمل عن بُعد، يشعره بالعزلة، ويؤثر على الصحة النفسية، وفق ما ذكره موقع Science.

تُقدم البيانات صورة شاملة لتأثير العمل عن بُعد، فبحسب استطلاعات شاملة، أفاد 64% من العاملين من المنزل بإصابتهم بمشكلة صحية جسدية جديدة واحدة على الأقل خلال فترة عملهم عن بُعد، بينما اشتكى ما يقرب من 75% من ظهور مشاكل صحية نفسية جديدة خلال هذه الفترة.

كما يُبلغ الأشخاص الذين يعملون من المنزل بشكل متكرر عن سوء حالتهم الصحية أو تدهورها الشديد مقارنةً بمن يغادرون المنزل بانتظام.

وتُعدّ النساء ذوات الدخل المنخفض نسبياً الفئة الأكثر عرضةً للخطر، إذ يعانين من آثار سلبية أكبر على صحتهن النفسية والجسدية نتيجة العمل من المنزل، بحسب ما ورد في مجلة "العلم المكشوف".

الأثر الصحي الجسدي

أضرار الجهاز العضلي الهيكلي: يُعدّ ألم الرقبة والظهر الشكوى الأكثر شيوعاً بين العاملين عن بُعد. تُشير الأبحاث إلى أن مشاكل الجهاز العضلي الهيكلي هي المشكلة الصحية الرئيسية التي تُؤثر عليهم. تنشأ المشكلة من سوء بيئة العمل - كالعمل من الأرائك أو الأسرة أو طاولات المطبخ - مما يُؤدي إلى تشنجات عضلية مزمنة، وهشاشة العظام، وحتى فتق العمود الفقري. فمن دون أثاث مكتبي مناسب وإعداد ملائم لمكان العمل، يدفع الجسم ثمن شهور وسنوات من الوضعية السيئة.

"متلازمة المكتب المنزلي"

يُؤدي الخمول البدني، بالإضافة إلى البقاء لفترات طويلة داخل المنزل، إلى ما يُطلق عليه الأطباء الآن "متلازمة المكتب المنزلي". ويُزيد انخفاض النشاط البدني بشكل كبير من خطر الإصابة بجلطات الدم، والدوالي، واضطرابات الدورة الدموية في منطقة الحوض.

وأكدت دراسة أجرتها جمعية القلب الأميركية عام 2024 أنّ العمل المكتبي يزيد من خطر الإصابة بالسمنة وداء السكري من النوع الثاني بنسبة 30-40%. يُعدّ انخفاض النشاط البدني طريقاً مباشرًا لزيادة الوزن ومتلازمة التمثيل الغذائي، مما يُعرّض العاملين عن بُعد لخطر الإصابة بأمراض القلب والدماغ.

اقرأ أيضاً: دراسة: 75/33 تؤدي إلى الزيادة في انتاجية العمل!

مشاكل الرؤية والحواس

يؤدي العمل عن بُعد إلى تدهور ملحوظ في الرؤية نتيجةً لطول مدة استخدام الشاشات وسوء الإضاءة. كما يُؤثر الإجهاد الإضافي على العينين والعضلات والأوعية الدموية سلباً على الصحة العامة، حيث يُعاني العديد من العاملين من الصداع وإجهاد العين.

ضعف جهاز المناعة

من المخاطر التي لا يُستهان بها، تضرر جهاز المناعة. فبسبب قلة الحركة ومحدودية التعرض للهواء النقي، يُعاني العاملون عن بُعد من ركود ملحوظ في الدم والليمف، مما يُؤدي إلى انخفاض مرونة المفاصل وحركتها، وترسب الأملاح فيها، وضعف المناعة الموضعية.
 
يؤدي التواجد المستمر في غرف مغلقة ذات هواء جاف من مكيفات الهواء إلى جفاف الأغشية المخاطية وزيادة خطر الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي، وتناول الوجبات الخفيفة بشكل منتظم في الثلاجة، في ظل التوتر والملل، يؤثر سلباً على البنكرياس.

آثار العمل من المنزل على الصحة النفسية
 
الوحدة والعزلة

يُبلغ العاملون من المنزل باستمرار عن شعورهم بالوحدة بشكل متكرر، مما يُفاقم حالتهم النفسية. ويُؤدي غياب التفاعل الاجتماعي المباشر والعلاقات المهنية الهادفة إلى شعور عميق بالعزلة.

القلق والاكتئاب

يؤدي تداخل حدود المنزل والعمل، والعزلة الاجتماعية، وغياب التفاعل الاجتماعي الهادف إلى ارتفاع مستويات القلق وزيادة هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر). وتُعد النساء، اللواتي يُعانين من الاكتئاب أكثر من الرجال، أكثر عرضة لهذه الآثار.

النوم والإرهاق

عندما يكون مكان العمل من المنزل، يمتد اليوم بسهولة، وتصبح فترات الراحة متقطعة. وهذا يزيد من خطر الإرهاق، واضطرابات النوم، والشعور بالانغماس الدائم في العمل، حيث يُفيد العديد من العاملين عن بُعد أنهم لا يُنهون عملهم فعلياً.

فقدان الحافز

يُمكن أن يُؤدي عدم كفاية التواصل المباشر وغياب هيكل يومي واضح إلى زيادة القلق وتقليل الحافز.

يُبلغ العديد من العاملين عن بُعد عن انخفاض في رضاهم الوظيفي وشعورهم بعدم الرضا عن عملهم مقارنةً بزملائهم العاملين في المكاتب. 

نمط الحياة

لاحظ الباحثون أنّ الأشخاص الذين يعملون من المنزل يتحركون بشكل أقل. فمن دون الحركة اليومية المعتادة وتغيير وضعيات الجسم، قد يقضي الشخص ساعات طويلة أمام الكمبيوتر، حتى مع وجود جلسات تدريبية مُجدولة. يؤثر هذا سلباً على صحة الظهر والرقبة، والوضعية، وعملية الأيض مع مرور الوقت.

يتوقف العديد من العاملين عن بُعد عن ممارسة التمارين الرياضية، مما يؤدي إلى الكسل وزيادة الوزن. وتظهر عادات غذائية سيئة يشعر العاملون عن بُعد برضا أقل عن عملهم، ويتحركون بشكل أقل، بينما يتناولون كميات أكبر من الطعام، وخاصة الوجبات السريعة.

وفي هذا السياق، توضح الدكتورة ليودميلا إليزافيتسكايا، أنّ العمل عن بُعد يزيد بشكل ملحوظ من الضغط على الجهاز العضلي الهيكلي، والبصر، والجهاز العصبي. وتنصح العاملين عن بُعد بكيفية تقليل المخاطر من خلال تجهيز مكان العمل بشكل صحيح، وأخذ فترات راحة منتظمة، والحفاظ على النشاط البدني.

ويؤكد الخبراء على عدة قواعد أساسية للعمل عن بُعد:
 
- إضاءة مناسبة من الجانب الأيسر مع رؤية واضحة لجميع مواد العمل.
 
- ممارسة التمارين الرياضية بانتظام لمنع زيادة الوزن والحفاظ على المناعة.
 
- وضع حدود واضحة بين وقت العمل والوقت الشخصي.
 
- الحفاظ على العلاقات الاجتماعية خارج العمل.
 
- ضمان التعرض الكافي لأشعة الشمس، خاصة في المدن الشمالية.
 
- توفير بيئة عمل مريحة باستخدام أثاث مناسب.

كما تشير الدكتورة إليزافيتسكايا، إلى أنّ العمل من المنزل في حد ذاته ليس نعمة ولا نقمة على الصحة. يتحدد تأثيره بمدى وعيك بتنظيم جدول العمل والرعاية الذاتية. ومع ذلك، فإنّ الأبحاث واضحة: من دون الاهتمام الكافي بهذه العوامل الصحية، يمكن أن يُلحق العمل عن بُعد ضرراً خفياً بالصحة البدنية والنفسية.

لذا يتطلب العمل عن بُعد جهداً واعياً ومدروساً للحفاظ على الصحة. فمن بدون تهيئة مناسبة لمكان العمل، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والتواصل الاجتماعي، ووضع حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية، فإنّ سهولة العمل من المنزل تأتي بتكلفة باهظة على الصحة على المدى الطويل.

كما يجب على أصحاب العمل والموظفين على حد سواء إدراك أنّ "متلازمة العمل من المنزل" حقيقة واقعة، وتتطلّب اتخاذ تدابير استباقية للوقاية من المشاكل الصحية المزمنة التي تتزايد في جميع أنحاء العالم والتي تؤثر على العاملين عن بُعد.

اقرأ أيضاً: ما هي إيجابيات وسلبيات العمل من المنزل؟

اخترنا لك