هل تستطيع واشنطن "خنق إيران" بلا ارتداد عكسي؟

هل تستطيع واشنطن خنق إيران من دون أن تختنق بالارتداد؟ ماذا لو قادت العقوبات إلى صدمة نفطية إضافية، ودفعت الصين لاستخدام سلاح المعادن، وعززت مساعي تقليص الاعتماد على الدولار؟ أين تنتهي قوة العقوبات ويبدأ ثمنها؟

  • هل تستطيع واشنطن
    هل تستطيع واشنطن "خنق إيران" بلا ارتداد عكسي؟

بعد أسبوع من التهديد والوعيد الأميركي بفرض "أقسى العقوبات في التاريخ"، خرج "يوم الحساب الاقتصادي" الأميركي ضد إيران كـ"الجبل الذي تمخض فولد فأراً"... وهذا لا يعني استخفافاً بالإجراءات الجديدة، بل على العكس، فواشنطن تحاول الانتقال بالعقوبات من استهداف إيران مباشرة إلى ملاحقة الشبكة التي تسمح لها بالبقاء على "قيد الحياة اقتصادياً": الوسطاء، شركات الشحن، القنوات المالية، الذهب، الأصول الرقمية، التكنولوجيا والطيران، لكن الفجوة بين التهديد والمعلن وآلية التنفيذ وقدرة التحمل تكشف حجم الهشاشة،  فالقوة ليست فقط أن تملك القدرة على فرض العقوبات بل على تحمل الرد عليها، والحفاظ في الوقت نفسه على تحالفاتك، واستقرار أسواقك، وأسعار الطاقة، ومصداقية تهديداتك. وهذا بالضبط هو الاختبار الذي دخلته إدارة ترامب الآن.

لذلك، قد يكون السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس: هل ستنجح واشنطن في تشديد "خنق إيران"؟ بل: كم ستكلف هذه المحاولة الولايات المتحدة نفسها؟ وإلى أي حد تستطيع واشنطن تنفيذ تهديداتها قبل أن تبدأ إيران والصين والأسواق العالمية بخنق مساحة المناورة الأميركية نفسها؟

عقود الضغط

يُعد الإكراه الاقتصادي الركيزة التاريخية الثانية لاستراتيجية الضغط الأميركية، والتي جاءت اليوم بعد الفشل العسكري الأميركي ضد إيران واستنزاف ترسانة أميركية حيوية من الأسلحة وتدنٍ  في شعبية ترامب.  إلا أن "الحرب الاقتصادية" ضد إيران،  ليست خروجاً عن المألوف بطبيعة الحال بل هي استكمال لاستراتيجية ممتدة منذ عام 1979، مع فرض الولايات المتحدة أول العقوبات بعد أزمة الرهائن في السفارة الأميركية بطهران، والتي شملت حينها تجميد نحو 12 مليار دولار من الأصول.

ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم،  فرضت الإدارات الأميركية المتعاقبة عقوبات على "كل قطاع تقريباً في الاقتصاد الإيراني"، وأدرجت آلاف الأفراد والكيانات، بما يشمل قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والشحن والمعادن والسيارات، إضافة إلى البنك المركزي وحرس الثورة والقيادات الإيرانية، بينما عُزلت المصارف الإيرانية عن شبكة "سويفت".

وتخلل هذه الفترة تخفيف بعد الاتفاق النووي المبرم مع القوى الكبرى عام 2015، قبل أن يسحب ترامب الولايات المتحدة منه عام 2018 لتتحول "الضغوط القصوى" من وسيلة مؤقتة للحصول على تنازلات إلى سياسة قائمة بذاتها.

ووسعت واشنطن العقوبات منذ اندلاع الحرب الأخيرة، وصعّد ترامب الضغط الاقتصادي إلى ذروته بفرض حصار على الموانئ الإيرانية،  وعلى الرغم من ذلك، واصلت إيران تصدير جزء من نفطها، باستخدام شبكات مالية وناقلات ضمن ما يُعرف بـ"أسطول الظل".

وبدلاً من أن تنجح الحرب والضغوط الاقتصادية في تحقيق أهدافها، قلبت إيران المعادلة بصمودها وردّها العسكري، وتحكّمها بمضيق هرمز وما خلّفه ذلك من تداعيات على الاقتصاد العالمي، وخصوصاً في ما يتعلق بإمدادات الطاقة، وبذلك انتقلت إيران من استراتيجية الدفاع إلى الهجوم لا بل والتحكم في إيقاع المشهد الدولي.

ولعل هذا ما يفسر اليوم، الثقة الإيرانية المتزايدة بالقدرة على المواجهة، نتيجة الخبرة المتراكمة وحنكة القيادة في إدارة الأزمة، إذ يؤكد المسؤولون الإيرانيون اليوم وضعهم لخطط تمتد لسنوات، وقدرتهم على تأمين احتياجاتهم من العملات الأجنبية.

ولكن هذا لا يعني أن العقوبات السابقة والمشددة حالياً لا تؤلم إيران،  من حيث انخفاض قيمة الريال، التضخم، صعوبة الوصول إلى النظام المالي العالمي، ارتفاع كلفة التجارة وتراجع الاستثمار،  لكن "الألم الاقتصادي" لا يعني بالضرورة الانهيار السياسي، وهذه هي العقدة التي واجهت الإدارات الأميركية طوال أكثر من 4 عقود.

والأخطر بالنسبة إلى واشنطن أن إيران لم تتعامل مع العقوبات باعتبارها حدثاً مؤقتاً، بل باعتبارها بيئة دائمة بنت داخلها أدوات للبقاء: شبكات مالية موازية، شركات واجهة، ناقلات وأساطيل ظل، مقايضة، تجارة غير مباشرة، وعلاقات اقتصادية مع دول لا تريد أن تجعل سياستها الخارجية رهينة للعقوبات الأميركية.

ولهذا،  فإن المعركة الجديدة ليست ببساطة بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما بين واشنطن وشبكة دولية كاملة. وهنا تحديداً يبدأ الخطر على الولايات المتحدة نفسها.

الارتداد العكسي

-تستمد العقوبات الثانوية قوتها من النفوذ الذي يمنحه الدولار والنظام المالي الأميركي لواشنطن، إذ تضع المؤسسات الأجنبية أمام مفاضلة بين مواصلة التعامل مع إيران أو الاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى الدولار والأسواق والمؤسسات المالية الأميركية. لكن استخدام هذه القوة باستمرار يخلق مفارقة أخرى. 

إذ كلما توسعت واشنطن في فرض العقوبات على أطراف ثالثة، تحولت العقوبات من سلاح ضد إيران إلى مشكلة في العلاقات الأميركية مع دول أخرى. والاختبار الأكبر هنا هو الصين التي كانت ولا تزال المنفذ الاقتصادي الأهم بالنسبة إلى إيران، إذ تشتري بيجين أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية، وفقاً لبيانات شركة "كبلر" لعام 2025.

وخلال الحرب، دأبت الصين على شراء النفط الإيراني بسعر يقلّ عن سعر السوق للبرميل في تحد واضح للحظر الأميركي.

وصحيح أن استهداف مصرف صيني كبير قد يزيد الضغط على تجارة إيران وتمويلها، لكنه قد يربك نطاقاً أوسع من المعاملات المالية ويستدعي رداً من بيجين، التي تهيمن على إمدادات عدد من المعادن الحيوية. 

وهذا ما يفسر مسارعة الخارجية الصينية إلى التحذير من أن العقوبات الجديدة تُهدد النمو العالمي والاستقرار المالي، والتعهد بحماية "حقوقها ومصالحها المشروعة"، والتأكيد أن هذا الإجراء لن يقوض تعاونها مع طهران.

وبناء عليه، فإن الإدارة الأميركية قد تتردد في اتخاذ إجراءات أكثر صرامة خشية الرد أو تقويض الجهود الدبلوماسية تجاه الصين. وهذا ربما يفسر لماذا جاءت الخطوة الأميركية الحالية أقرب إلى التهديد والتحذير العالمي منها إلى تنفيذ أقصى العقوبات دفعة واحدة. فحتى وزير الخزانة سكوت بيسنت أقر بأن واشنطن تمنح الدول فرصة لتغيير سلوكها قبل الانتقال إلى العقوبات، في إشارة واضحة إلى حساسية ضرب النظام المالي العالمي نفسه. 

-المشكلة الأخرى التي تواجه واشنطن أن العقوبات لا تختفي عندما تُعلن، بل على العكس تماماً، فهي تعيد تشكيل الأسواق.

فعندما تمنع الولايات المتحدة إيران من تصدير النفط، لا تختفي الحاجة العالمية إلى النفط الإيراني، بل تبحث التجارة عن طرق أخرى. وعندما تمنع مصرفاً من تحويل الأموال، تظهر قناة أخرى. وعندما تُلاحق سفينة، يمكن أن تتغير الملكية أو العلم أو مسار الشحنة.

وهكذا تتحوّل العقوبات تدريجياً من محاولة لإغلاق الاقتصاد الإيراني إلى لعبة مطاردة بين واشنطن وشبكات الالتفاف. والأهم أن كل جولة جديدة من العقوبات تمنح الدول الخاضعة لها حافزاً إضافياً للبحث عن بديل للنظام المالي الأميركي.

وهنا قد تكون النتيجة العكسية الأخطر  أن تساعد العقوبات الأميركية خصوم واشنطن على تعميق تحالفاتهم وتقليل اعتمادهم على الدولار. وهو ما بدأته الصين وروسيا وإيران ودول أخرى خلال السنوات الماضية بتطوير قنوات دفع وتسوية أكثر استقلالاً عن النظام المالي الغربي. 

ولا يقتصر الأمر على الخصوم فقط، فقد تخسر واشنطن جانباً مهماً من نفوذها عند حلفائها، مثل تركيا والإمارات والهند وغيرها، والتي قد تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين مصالحها الاقتصادية وبين الالتزام بالعقوبات الأميركية. 

في المحصلة ، قد لا تكون إيران قادرة على تحمل عقوبات بلا نهاية، لكنها لا تحتاج إلى الانتصار اقتصادياً حتى تجعل السياسة الأميركية أكثر كلفة. يكفي أن ترفع ثمن الضغط.

فإذا شعرت طهران أن العقوبات الجديدة تستهدف ما تبقى من شرايينها الاقتصادية، يمكن أن تنتقل من محاولة امتصاص العقوبات إلى محاولة جعل الولايات المتحدة وحلفائها يدفعون ثمناً مقابلاً. وهو ما يعبّر عنه تحذير أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اللواء محسن رضائي أنه في حال بدأت الولايات المتحدة حرباً اقتصادية "فلن تخرج قطرة نفط واحدة من الخليج"، وتهديده باستهداف مصالح الدول التي تساعد الولايات المتحدة في هذه الحرب.

وهنا تصبح المفارقة صارخة: واشنطن تريد خنق الاقتصاد الإيراني عبر الضغط على صادرات الطاقة، لكن أي رد إيراني يضرب تدفق الطاقة في الخليج ويرفع أسعار النفط عالمياً، ما سينعكس بطبيعة الحال على المستهلك الأميركي نفسه.

وعليه، فإن المأزق الأكبر لواشنطن أنه كلما حاولت عزل إيران، أسهمت في تدويل الصراع، لتتحوّل المعركة المعلنة الآن من مواجهة بينها وبين وطهران إلى صراع أوسع على شكل النظام الاقتصادي العالمي نفسه.