من يبني العراق.. رجل الدولة لا السياسي

الترميم يبدأ بإلغاء الامتيازات المالية لكبار الساسة والعاملين في السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ومحاصرة كل من سرق ديناراً واحداً وإعادة هيبة الدولة وتقوية مؤسساتها الأمنية والعسكرية.

  • 23 عاما مضت على تجربة التغيير الشامل في العراق (أرشيف).
    23 عاماً مضت على تجربة التغيير الشامل في العراق (أرشيف).

23 عاماً مضت على تجربة التغيير الشامل في العراق تحتّم إجراء تقييم سريع وشامل ومختصر لما تمر به بلاد الرافدين وشعبها منذ 2003 وحتى اليوم.

ولتكن البداية من التاسع من نيسان، فذلك اليوم لم يشهد انهياراً لنظام ديكتاتوري وظالم فحسب، بل نهاية دولة شهدت تطوراً لافتاً ولا سيما خلال العهدين الملكي والجمهوري بمراحلهما الـ4 أو جمهوريات عبد الكريم قاسم والأخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف وصولاً إلى جمهورية البعث برئاسة أحمد حسين البكر، قبل أن يسيطر صدام حسين على السلطة ويدخلها في أتون صراعات لا تنتهي.

لقد شرعت القوات الأميركية المحتلة بالبحث عمّن يحل محل جمهورية صدام حسين من دون أن تعي أنها باحثة عن بناء دولة جديدة، لا نظام جديد، لتأتي الوزارات متتالية بداية من مجلس الحكم مروراً بحكومات علاوي والجعفري والمالكي والعبادي وعبد المهدي والكاظمي والسوداني وانتهاءً بحكومة الشاب علي الزيدي. 

لم تنجح الكابينات الوزارية الـ10 في بناء دولة مكتملة الأركان رغم وجود دستور عراقي يعد من أروع الدساتير في العالم، فالعلّة كامنة في في شقين، أولهما اختلاف التطبيق جذرياً عن النصوص الدستورية، فالقوانين القائمة رائعة، لكن لا يجري العمل بها في ظل وجود احتلال أميركي أطبق على مقدرات الدولة وماليتها.

ويمثل الشق الثاني غياب رجال الدولة عن المشهد فمن هم موجودون حالياً ساسة برعوا في إدارة الأزمات لا حلها، بشكل ظهر جليّاً في تراجع خطير في قطاعات البلاد كافة، وانهيار الاقتصاد وتضرّر في منظومة القيم الاجتماعية، ما يحتّم البحث عن الضوء في نهاية النفق.

وهذا الضوء موجود في سجل حركة التاريخ والتجارب، فالعراق لم يبقَ لفترات طويلة متراجعاً، وإذا كان البعض يرى في الـ20 والـ30 عاماً زمناً طويلاً فهي فترات منطقية في أعمار الشعوب والدولة، ليبرز الحل من خلال ترميم المنظومة السياسية الحالية. 

والترميم يبدأ بإلغاء الامتيازات المالية لكبار الساسة والعاملين في السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ومحاصرة كل من سرق ديناراً واحداً، وإعادة هيبة الدولة وتقوية مؤسساتها الأمنية والعسكرية، عبر دعم الحشد الشعبي ليكون رديفاً للجيش والشرطة وحامياً لتغيير الواقع، لا فتح الباب أمام النيل من تضحياته وتضحيات مقاومين حموا العراق وشعبه في أحلك الظروف.

ولتكن الخطوة الثانية بإعادة ثقة الشعب العراقي المفقودة بنظامه السياسي، عبر معالجة الاختلالات الفاضحة في الامتيازات وتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات، وإلا، كيف لموظف في وزارة لا يتجاوز راتبه بخدمته البالغة 30 سنة المليون ونصف الميلون دينار، وآخر في جهة أخرى يتقاضى 3 ملايين دينار، عبر ثغرة المخصصات الخاصة رغم كونهما في الدرجة الوظيفية ذاتها.

ولتكون ثالث الخطوات تنظيم الخدمات وتوفيرها بشكل تدريجي، ومحاسبة كل متورط في عدم إيصالها للمواطن، لتبقى خطوات وخطوات لا يسع المجال لذكرها، إلا أنها معروفة للقاصي والداني... وليبدأ العراق وشعبه من الآن في بناء دولته وإصلاح واقعها في المجالات كافة.