مصر والصين: شراكة استراتيجية وأمن إقليمي جديد

تسعى مصر إلى مصادر تمويل تخفف أعباء الديون وتحسن مؤشراتها الاقتصادية والاجتماعية، باستثمارات وصيغ تمويل ميسرة الشروط. في المقابل، تبحث الصين عن موقع استراتيجي يخاطب توسعها الاقتصادي.

  • مصالح الشريكين: التقاطع والتكامل.
    مصالح الشريكين: التقاطع والتكامل.

جاءت زيارة الرئيس الصيني لمصر في الفاتح من أيلول/سبتمبر 2026، بعد عقد من زيارته السابقة، متزامنة مع الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية. وتستند إلى مسار من التقارب السياسي والاقتصادي، وكان أبرز محطات هذا المسار رفع العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة في عام 2014.

وأتت الزيارة في ظل تنافس دولي، وأزمات إقليمية، واضطراب ممرات بحرية، وصراع على الموارد والمنافذ المائية، وتزايد أهمية الطاقة والتكنولوجيا، مما أكسبها أهمية خاصة في مستقبل العلاقة وإعادة رسم خرائط النفوذ في منطقة تمتد من شمال أفريقيا وشرق المتوسط إلى حوض البحر الأحمر وخليج عدن.

وقد هدفت الزيارة إلى دفع العلاقات نحو أفق جديد، يرتكز على الانتاج والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. إذ بلغ التبادل التجاري بين القاهرة وبكين نهاية العام الماضي نحو 20.78 مليار دولار، بزيادة قاربت 20% عن عام 2024، لكنه ظل مختلا لصالح الصين؛ حيث بلغت واردات مصر نحو 19.9 مليار دولار، مقابل صادرت مصرية بنحو 819 مليون دولار.

وتشير تقديرات منشورة إلى أن رصيد الاستثمارات الصينية في مصر بلغ 12 مليار دولار تقريبا بنهاية 2025، مع توقعات بإرتفاعه إلى 15 مليار دولار خلال العام الجاري. وتؤشر هذه الأرقام إلى ضرورة توجيه القاهرة الاستثمارات نحو التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وزيادة الصادرات، بالقدر الذي يضيق اتساع الفجوة التجارية.

مصالح الشريكين: التقاطع والتكامل

تسعى مصر إلى مصادر تمويل تخفف أعباء الديون وتحسن مؤشراتها الاقتصادية والاجتماعية، باستثمارات وصيغ تمويل ميسرة الشروط. في المقابل، تبحث الصين عن موقع استراتيجي يخاطب توسعها الاقتصادي، ويمنحها ممرات تجارية سالكة، ومنصات لوجيستية تربط أسواق أفريقيا وأوروبا.

وهنا تبرز مزايا مصر: قناة السويس شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، ومنطقة قناة السويس  الاقتصادية المقترحة، والسوق الكبيرة الأكثر جذبا للاستمثار في المنطقة. وتقابل الصين هذه المزايا برأس مال تحتاجه القاهرة، وخبرة صناعية، وتكنولوجيا تنقل مصر إلى مصاف الدول المصنّعة.

وتلتقي مصالح البلدين في قطاعات تحمل ملامح المستقبل: السيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة، والإلكترونيات والموانئ الذكية.

اتفاقيات وتفاهمات

 أسفرت زيارة الرئيس الصيني إلى مصر عن توقيع خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم، ونيف وعشرين وثيقة تعاون، شملت مجالات التعاون الاقتصادي والفني، وسلاسل الإمداد، وتكنولوجيا المعلومات، وتوسيع الاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وتوزعت مجالات التعاون على أربعة مسارات رئيسة:

- مواءمة الاستراتجيتين المصرية والصينية "رؤية مصر 2030 والحزام والطريق"، عبر ربط التمويل الصيني بأولويات مصر المتمثلة في التشغيل والتصنيع والطاقة والتحول الرقمي، وبناء منصة مصرية تربط بين القارات الثلاث.

- تدشين المرحلة الثالثة من المنطقة الصناعية المصرية-الصينية في قناة السويس، مع تركيز خاص على صناعة السيارات الكهربائية والمنسوجات والإلكترونيات.

- توسيع التعاون التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، وإنشاء مراكز البيانات والحوسبة السحابية والأنظمة الذكية، ونقل المعرفة وبناء القدرات المصرية.

- دعم الصناعات الجديدة وحلول الطاقة بما في ذلك تصنيع البطاريات وأنظمة تخزين الطاقة، وتعزيز قاعدة إنتاجية تُوجه للأسواق المحلية والإقليمية.

الشراكة النظيفة

الناظر للشراكات التي جمعت الصين بدول الجنوب عامة والدول الأفريقية خاصة، يلحظ نمطاً مختلفاً في التعامل. تستند هذه الشراكات إلى المنافع المتبادلة، واحترام أولويات الدول الشريكة، وصون السيادة.

وتشكل تلك الركائز جوهر ما يمكن تسميته "الشراكة النظيفة"، القائمة على منفعة واضحة متبادلة للطرفين، وحرية كاملة للدول الشريكة في رسم سياساتها، وعوائد قابلة للقياس.

ويجد هذا المفهوم في مصر وسائر دول أفريقيا أرضاً خصبة، خاصة بعد تجاربها مع شروط صندوق النقد الدولي والدول الدائنة، والقيود الغربية على التمويل. لكن الجاذبية النظرية لهذا المفهوم تظل مرهونة بقدرة المؤسسات الأفريقية على تحويله إلى سياسات عملية، بحيث لا يقتصر استقبال رأس المال الصيني على تمويل المشروعات، بل يصبح باباً لنقل التكنولوجيا ورفع الصادرات، مع المراقبة الدقيقة لعوائد المشروعات المالية والتنموية، وضمان التوطين.

وتمنح "الشراكة النظيفة" القاهرة هامشاً سياسيا ً ثميناً يتمثل في تنويع شراكاتها، لكن ذلك يتطلب تفاوضاً بشروط منصفة ومتوازنة، وربط كل مشروع بمصفوفة مشروعات تتضمن مؤشرات قياس، حتى لا تتحول إلى غطاء لشراكة غير متكافئة تعيد انتاج السلبيات بوجه جديد.

التعاون الدفاعي

ارتبطت الزيارة بملفات أمنية حساسة: الممرات البحرية، القضايا والأزمات الاقليمية، لإرتباطها بسلاسل الإمداد الصينية وتأثيرها على توجهات بكين السياسية والاقتصادية، فضلاً عن تأثيرها على الاقتصاد المصري وارتباطها بموقع ودور القاهرة الإقليمي.

لقد اكتسب التعاون الدفاعي بعداً جديداً مع المناورة الجوية "نسور الحضارة 2026" التي جرت في مصر بمشاركة طائرات من الجانبين، وركزت على توسيع نطاق التعاون، وأتاحت للصين اختبار قدراتها في بيئة بعيدة، ووفرت لمصر تنوعاً في الخبرات.

وبرغم توسع التعاون الدفاعي، تظل الصين حذرة تجاه الانخراط في قضايا المنطقة؛ فهي تتمسك بتحقيق وحماية مصالحها عبر الشراكات والتنسيق السياسي، وترجح القراءة أن مصر ستحافظ على أواصر علاقاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى، وتنظر إلى الصين في إطار تعاوني مرن.

تحديات الشراكة

رغم جاذبية الفرص التي تنتجها الشراكة المصرية-الصينية، فإن سبل الاستفادة منها محفوفة بتحديات تتطلب معالجة. فالميزان التجاري يظهر فجوة واسعة، إذ لم تتجاوز الصادرات المصرية نسبة 4% من قيمة الواردات، الأمر الذي يحول الاختلال التجاري إلى عبء متزايد ما لم يؤدي توطين صناعي إلى وقفه، يقوم على توازن بين الاستثمار في البنية التحتية ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات المتطورة. 

أما على الصعيد المالي، فاعتماد مصر على التمويل الصيني في مشروعات كبرى، مع ارتباط القروض بمقاوين وموردين صينيين، يطرح تساؤلات حول المردود المحلي واستدامة خدمة الدين، ويدعو القاهرة إلى ضبط شروط التمويل وتعظيم الفائدة الوطنية.

وعلى المستوى السياسي، تظل الإرادة السياسية الصلبة هي العامل الأكثر حسماً في نجاح هذه الشراكة؛ فالشراكة تتيح فرصاً حقيقية لتجاوز المحددات التي تثقل كاهل مؤسسات صناعة القرار السياسي، وتمثل أداة فاعلة لمقاومة الضغوط الخارجية، وكسر القيود التي تعيق الانطلاق إلى آفاق جديدة ومستقبل واعد.

ويبقى التحدي الأهم في قدرة المؤسسات المعنية على استيعاب هذه العلاقة وتحويلها إلى مشروعات منتجة، عبر تحسين بيئة الأعمال، وبناء القدرات الوطنية، وتشديد شروط التوطين.

أفكار صينية لنظام إقليمي جديد

طرح شي جين بينغ في القاهرة افكاراً صينية لإعادة بناء الأمن الإقليمي في "الشرق الأوسط" تكون فيه دول المنطقة طرفاً رئيساً في صياغته، عبر الحوار والتنمية والتعاون، مع رفض التدخلات الخارجية والمعايير المزدوجة. ويأتي هذا الطرح في لحظة تآكل النفوذ الغربي في غرب آسيا، واهتزاز موثوقيةالإطار الأمني الذي فرضته أمريكا على المنطقة وتدني فاعليته.

وتحمل القاهرة رمزية خاصة لهذا الطرح، بوصفها عاصمة إقليمية وعضواً في "بريكس" ودولة تقع عند تقاطع البحر الأحمر مع شرق المتوسط وشمال أفريقيا. ومن خلال هذا الطرح، تنتقل الصين تدريجياً من توظيف قوتها الاقتصادية إلى تقديم نفسها كطرف دبلوماسي يمتلك رؤية للأمن الإقليمي.

أفق الشراكة 

تفتح زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر حقبة  جديدة من الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تأسست عام 2014. طور تتجاوز قيمته الاتفاقيات والاستثمارات إلى ما تتيحه من ربط بين الموقع المصري والقدرة الصينية في التمويل والتصنيع والتكنولوجيا، بما يعزز حضور القاهرة في دوائر البحر الأحمر وشرق المتوسط وشمال أفريقيا وسائر الفضاء العربي.

وتمتلك مصر فرصة ذهبية لتحويل مزاياها الجغرافية الفريدة إلى قيمة استراتيجية منتجة، عبر قناة السويس والمنطقة الاقتصادية والسوق المحلية. وتتضاعف هذه الفرصة كلما اتجه التعاون من الاستيراد إلى التوطين، ومن تمويل تقليدي إلى استثمارات مُنتجة ومُصدّرة،  تسهم في تحقيق نهوض تنموي ملموس، ينعكس ايجاباً على مؤشرات الاقتصاد الكلي وما يجاورها من مؤشرات اجتماعية وتنموية.

أما البعد الثاني، فيتمثل في التصور الصيني لهيكل أمني جديد في "الشرق الأوسط"، يقوم على الأمن الجماعي والتعاون المستدام، ويمنح دول المنطقة الدور الرئيس في صياغة أمنها، مع ربط الاستقرار بالسيادة والتنمية.

وتمنح القاهرة هذا الطرح ثقلاً خاصاً بحكم موقعها ودورها في القضايا الإقليمية، وقدرتها على مخاطبة الدوائر العربية والأفريقية والمتوسطية. ومن ثَمَّ تتيح الشراكة، مقترنة بهذا التصور الإقليمي مجالاً أوسع لمصر لتعزيز قدراتها وأدواتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية، وتكريس استقلال قرارها. وهي بهذا تكون أكثر قدرة على التعبير عن الوجدان والضمير العرببي في زمن التحولات الكبرى.