لماذا قصفت السعودية مقار الحشد؟ هل يدفع العراق ثمن صعوده الاقتصادي؟

أعادت الغارات التي استهدفت مواقع للحشد الشعبي خلط أولويات المشهد العراقي، بعدما نقلت الاهتمام من الملفات الاقتصادية والاستثمارية إلى الملفات الأمنية والسيادية.

  • لماذا قصفت السعودية مقار الحشد؟ هل يدفع العراق ثمن صعوده الاقتصادي؟
    لماذا قصفت السعودية مقار الحشد؟ هل يدفع العراق ثمن صعوده الاقتصادي؟

وجاءت الضربات في توقيت كانت فيه بغداد تعمل على توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، وإطلاق مسارات تعاون اقتصادي مع الولايات المتحدة وتركيا وعدد من الدول العربية، الأمر الذي فتح باباً واسعاً للنقاش بين المراقبين حول التأثيرات غير المباشرة لهذا التصعيد على موقع العراق الإقليمي، وما إذا كانت نتائجه ستتجاوز البعد العسكري إلى إرباك مسار التعافي الاقتصادي الذي تسعى إليه الحكومة.

قراءة الحدث من زاوية عسكرية بحتة لا تكفي لفهم أبعاده. فالصراعات الحديثة لم تعد تقتصر على السيطرة الميدانية أو توجيه الضربات العسكرية، بل أصبحت ترتبط إلى حد كبير بإدارة موازين النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي. ولذلك، فإن توقيت أي عملية عسكرية لا يقل أهمية عن أهدافها المعلنة، لأن التوقيت غالباً ما يكشف عن الرسائل السياسية التي يُراد إيصالها إلى الخصوم والحلفاء في آن واحد.

العراق، خلال الأشهر الأخيرة، لم يكن يتحرك فقط في إطار معالجة الملفات الأمنية، بل كان يسعى إلى إعادة تعريف موقعه في المنطقة. فالحكومة حاولت تقديم العراق بوصفه دولة عبور للطاقة والتجارة، لا ساحةً مفتوحةً للصراعات. كما سعت إلى بناء علاقات متوازنة مع واشنطن وأنقرة ودول الخليج، مع الحفاظ على خطوط التواصل مع إيران، وهي معادلة معقدة هدفت إلى إخراج العراق تدريجياً من سياسة المحاور، وتحويله إلى نقطة التقاء للمصالح الاقتصادية.

ومن هنا، فإن أي تصعيد أمني واسع داخل العراق لا يمكن عزله عن تأثيره المباشر في هذا المشروع. فالمستثمر لا يقرأ البيانات السياسية بقدر ما يراقب مستوى الاستقرار، وشركات الطاقة لا تنظر إلى الخطابات الرسمية بقدر ما تراقب احتمالات المخاطر، والدول التي تخطط للاستثمار في مشاريع طويلة الأمد تبحث عن بيئة مستقرة أكثر من بحثها عن الوعود.

لهذا السبب، فإن أخطر نتائج الضربات لم تكن الخسائر العسكرية بحد ذاتها، وإنما إعادة العراق إلى واجهة الأخبار بوصفه ساحة مواجهة، بعد أن كانت الحكومة تحاول نقله إلى واجهة الاقتصاد والاستثمار. فصورة الدولة في الخارج تتشكل من خلال الاستقرار، وأي اهتزاز أمني يعيد طرح الأسئلة القديمة بشأن قدرة بغداد على حماية مشاريعها وشركائها.

تشير الدلائل إلى أن الضربات نُفذت من أجل إيقاف صعود العراق الاقتصادي، وإن كانت هذه فرضيةً لا توجد أدلة معلنة تثبتها. لكن من المشروع، في إطار التحليل السياسي، ملاحظة أن نتائجها العملية جاءت في اتجاه إرباك هذا المسار، سواء كان ذلك مقصوداً أم مجرد نتيجة جانبية للتصعيد العسكري. فالسياسة لا تُقاس بالنوايا فقط، وإنما بالآثار التي تتركها الأحداث على الأرض.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بمن نفذ الضربة فحسب، بل بمن استفاد من نتائجها. فالواقع يشير إلى أن الاهتمام الإعلامي والسياسي انتقل، خلال ساعات، من الحديث عن مشاريع التنمية والاستثمار إلى الحديث عن الأمن، والفصائل، والسيادة. وهذا التحول وحده يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه الأحداث الأمنية في أولويات الدولة العراقية.

وطريق التنمية بين العراق وتركيا، وفق اقتصاديين، سيلحق ضرراً اقتصادياً مباشراً بالسعودية، وقد يعيد رسم خريطة التجارة والنقل في المنطقة. فنجاح المشروع سيمنح العراق موقعاً استراتيجياً ممراً يربط الخليج بأوروبا عبر تركيا، ما يعزز مكانته الاقتصادية ويزيد من قدرته على جذب الاستثمارات. وفي المقابل، سيدفع ذلك دول المنطقة، ومن ضمنها السعودية، إلى التنافس على استقطاب حركة التجارة العالمية، أو البحث عن صيغ تكامل جديدة بدلاً من المنافسة المباشرة. كما أن التحدي بالنسبة للسعودية لا يكمن في خسارة اقتصادية مباشرة فحسب، بل في ظهور لاعب إقليمي جديد يمتلك موقعاً جغرافياً مؤثراً في حركة التجارة. لذلك، قد يكون مستقبل العلاقة بين المشروعين قائماً على الصراع أكثر مما هو قائم على التكامل.

وإذا كانت بغداد قد نجحت خلال الفترة الماضية في فتح أبواب جديدة مع واشنطن، وأنقرة، والعواصم الخليجية، فإن المحافظة على هذا الزخم ستكون أكثر صعوبة بعد التصعيد الأخير. فالدول تبني شراكاتها على أساس الاستقرار والقدرة على التنبؤ، لا على أساس الأزمات المتلاحقة.

وفي النهاية، قد يختلف المحللون في تفسير دوافع الضربات، لكنهم يتفقون على أن العراق يقف اليوم عند مفترق طرق. فإما أن ينجح في استعادة زمام المبادرة، ويحوّل موقعه الجغرافي وثرواته إلى أدوات قوة اقتصادية تعزز استقلال قراره، وإما أن يبقى أسير دورة متكررة من الأزمات الأمنية التي تستنزف فرصه وتؤخر عودته إلى موقعه الطبيعي في المنطقة.

وبرأيي، فإن المعركة الحقيقية التي يخوضها العراق اليوم ليست فقط معركة أمن أو سلاح، بل معركة تثبيت دوره الاقتصادي والسيادي في إقليم لا يزال ينظر إلى صعود بغداد بوصفه متغيراً ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود العراق نفسه، وسيجعلهم يعيدون حساباتهم الاقتصادية وكيفية منع أي قوة جديدة تأخذ دور الريادة في المرحلة المقبلة.