لم ننجُ بعد

الحرب لم تنتهِ، والنجاة لم تتحقق بعد، إذ ما زال الخوف والموت حاضرين في حياة الناس، وأقصى ما يملكونه الآن هو أنهم ما زالوا هنا.

  • لم ننجُ بعد
    لم ننجُ بعد

كنا نظن حتى وقوع المجزرة الأخيرة أننا نجونا، إذ لم يكن ذلك يعني أننا خرجنا من الحرب، ولا أن الركام انزاح عن أرواحنا، ولا أن الخوف غادر أجسادنا. كنا نعرف أن الحرب لم تنته؛ لكننا بدأنا، للمرة الأولى منذ زمن طويل، نختبر ذلك الشعور الغريب الذي يشبه النجاة. بدأنا ننام من دون أن نحصي أصوات الانفجارات، ونخرج إلى الشارع من دون أن نسأل من أين ستأتي الضربة التالية، ونبني في داخلنا وهماً صغيراً بأن ما مضى كان أقسى ما يمكن أن يحدث.

ثم، جاءت المجزرة الأخيرة لتسحب منا هذا الوهم من جذوره، فهمنا أن الهدوء لم يكن نهاية الموت بل استراحة قصيرة في حضوره، وأن الحرب حتى حين تصمت طائراتها تظل جاثمة فوق صدورنا تنتظر لحظة أخرى لتذكرنا بأنها لم تغادر. "إسرائيل" تعيد تذكيرنا مرة أخرى بأن الموت ما زال خياراً متاحاً على الطاولة، وأن حياتنا في هذا المكان يمكن أن تتحوّل في لحظة إلى رقم جديد وصورة جديدة واسم جديد يضاف إلى قوائم الذين لم يجدوا وقتاً كافياً ليودّعوا أحداً.

لهذا، لم ننج بعد. نحن فقط نجونا من موت مؤقت، نجونا من صاروخ ومن غارة ومن بناية انهارت ومن سيارة لم نكن فيها ومن شارع عبرناه قبل دقائق من استهدافه، لكننا لم ننج من الحرب نفسها؛ فالحرب لا تحتاج دائماً إلى أن تقتلنا كي تظل حاضرة فينا يكفي أن تجعلنا نعيش ونحن نعرف أن الموت يمكن أن يعود في أي لحظة، وهذه ربما هي أقسى صور الموت أن لا يموت الإنسان لكنه لا يستطيع أن يصدق أنه حي.

أن يستيقظ صباحاً فيتساءل لا ماذا سيفعل اليوم بل هل سيصل إلى المساء أن يودّع أبناءه قبل أن يخرج لا لأن لديه موعداً بل لأن الحرب علّمته أن الوداع قد يصبح فجأة آخر ما يملكه الإنسان، أن يسمع صوت الطائرة فيتوقف قلبه قبل أن يعرف أين ستسقط، أن يرى تجمعاً من الناس في الشارع فيفكر غريزياً كم ثانية يحتاج الصاروخ كي يصل إليهم، أن يصبح الخوف جزءاً من تركيب الجسد مثل الدم والعظم والذاكرة.

لقد تغيّرنا. لم تعد النجاة بالنسبة إلينا أن نعيش حياة طبيعية، صارت النجاة أن يمر يوم آخر من دون أن نخسر شخصاً جديداً، أن تبقى العائلة كاملة، أن يصل الهاتف إلى آخر الليل من دون خبر سيئ، أن ينام الأطفال في مكان واحد ثم يستيقظوا جميعاً في الصباح. نحن جيل تعلم أن يقيس الزمن بعدد الذين فقدهم، وأن يتذكر الأماكن لا بما كانت عليه بل بما حدث فيها، هذا كان بيتاً، وهنا كان شارعاً، وهذه كانت مدرسة، وهنا كان صديق وهناك كانت أم تنتظر ابنها حتى الذاكرة لم تعد مكاناً آمناً فالذاكرة نفسها صارت مقبرة مفتوحة كلما مشينا فيها عثرنا على أحد.

ومع ذلك، ثمة شيء أشد قسوة من كل ذلك أننا بدأنا نتكيف مع فكرة الموت، وهذا ما تفعله الحروب الطويلة بالإنسان لا تقتله فقط بل تعيد تعريف ما يعتبره طبيعياً، تجعل موت عشرة أشخاص خبراً وموت خمسين رقماً وموت مئة مشهداً عابراً بينما كان موت شخص واحد قبل الحرب كافياً ليهز عائلة كاملة. تسرق الحرب من الإنسان دهشته من الموت، وهذه جريمة أخرى لا تحصى في سجلات الضحايا.

لكننا لا نريد أن نعتاد، لا نريد أن يصبح موتناً خبراً عادياً، لا نريد أن تصبح أسماء أطفالنا أرقاماً، ولا صور أمهاتنا أرشيفاً، ولا بيوتنا ذكريات على خرائط الخراب. نريد فقط أن نعيش من دون أن نشعر أننا نرتكب خطأ بمجرد بقائنا أحياء، نريد حياة لا تحتاج إلى تفسير، نريد أن نفتح نافذة من دون أن نفكر في السماء، وأن يمشي طفل إلى مدرسته من دون أن يكون الطريق احتمالاً للموت، وأن يعود الأب إلى بيته فلا يضطر أطفاله إلى النظر خلفه ليتأكدوا أنه وصل، وأن يصبح الليل ليلاً فقط لا موعداً محتملاً للغارات.

ربما لهذا لا نستطيع أن نقول إننا نجونا، فالنجاة الحقيقية ليست أن تبقى على قيد الحياة فحسب، النجاة أن تستعيد حقك في أن تكون إنساناً لا هدفاً محتملاً، أن تستعيد قلبك من الحرب، ذلك القلب الذي أمضى سنوات وهو يتعلم كيف يخاف، ونريده أن يتعلم من جديد كيف يطمئن، حتى ذلك الحين سنظل نعيش بين احتمالين حياة نريدها وموت يذكرنا كل يوم بأنه لم ينسنا.

ولهذا، بعد كل ما حدث، وبعد كل الذين غابوا، وبعد كل البيوت التي سقطت فوق أصحابها لا نستطيع أن نقول إننا نجونا.

لم ننج بعدُ. نحن فقط ما زلنا هنا.

وما أصعب أن تكون " ما زلت هنا " هي أقصى ما تستطيع أن تقوله عن حياتك.