كوبا في خطاب ترامب: تهديدات متجددة وحسابات انتخابية

على امتداد عقود، واجهت كوبا الحصار ومحاولات العزل والتدخل، وشهدت مراحل من التصعيد وأخرى من التقارب، من دون أن تتخلى عن نظامها السياسي أو استقلال قرارها.

  • تستند هافانا في موقفها إلى تاريخ طويل من الصمود في مواجهة الإدارات الأميركية المتعاقبة.
    تستند هافانا في موقفها إلى تاريخ طويل من الصمود في مواجهة الإدارات الأميركية المتعاقبة.

لم تكن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة بشأن كوبا خروجاً عن مسار التهديدات الذي تصاعد منذ بداية العام، لكنها أعادت تقديمه بلغة تجمع بين استعراض القوة والوعد بإنجاز سريع. فمن منصة انتخابية في فلوريدا، تحدث عن "تولّي أمر كوبا" في طريق العودة من إيران، وعن توقف سفينة حربية قرب سواحلها، قبل إرسال وزير خارجيته ماركو روبيو لإتمام ما وصفه بالاتفاق. كلام يختزل مواجهة سياسية وتاريخية معقدة في مشهد يفترض أن ظهور السفن يكفي لانتزاع الاستسلام.

يأتي هذا الخطاب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، حيث تحضر كوبا في حسابات استقطاب الناخبين، ولا سيما الأوساط المناوئة لحكومة هافانا في فلوريدا. وفي هذا السياق، يمكن قراءة عبارة "في طريق عودتنا من إيران" بوصفها رسالة مزدوجة: تهديداً للجزيرة، وإيحاءً للناخب الأميركي بأن نهاية الحرب باتت قريبة، وأن الرئيس قادر على الانتقال منها إلى مواجهة أخرى بشروطه. وهذه قراءة للدلالة الانتخابية للكلام، وليست إعلاناً عن موعد فعلي لإنهاء الحرب.

لكن التصريحات تتجاوز موسم الانتخابات؛ فمنذ اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني/ يناير، تكررت إشارات ترامب إلى كوبا باعتبارها هدفاً تالياً للضغط. وترافقت تلك الإشارات مع إجراءات اقتصادية وتهديدات بالتدخل، في محاولة لفرض تنازلات على هافانا. غير أن استحضار التجربة الفنزويلية لا يعني أن تكرارها في كوبا ممكن بالسهولة التي يوحي بها الخطاب الأميركي؛ فلكل بلد مؤسساته وتركيبته السياسية وحساباته الأمنية.

وتندرج في مشهد التصعيد أيضاً الملاحقة القضائية لـ "راؤول كاسترو"؛ ففي التاسع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر، أُعلنت في فلوريدا اتهامات ومذكرة توقيف بحقه تتصل بإسقاط طائرتي منظمة "إخوة الإنقاذ" عام 1996، بعدما سبق توجيه اتهامات اتحادية إليه في القضية نفسها. وقد رفضت هافانا الخطوة ووصفتها بأنها مناورة ذات خلفية انتخابية. وبينما تقدمها الجهات الأميركية باعتبارها مساراً للمحاسبة، تراها القيادة الكوبية جزءاً من الضغط السياسي على البلاد ورموزها.

اقتصادياً، تتخذ المواجهة شكلاً أكثر مباشرة في حياة الكوبيين. ومن الإجراءات الأخيرة فرض عقوبات على البنك الدولي للتجارة "بيكسا" في الخامس عشر من تشرين الأول/ أكتوبر تحت ذريعة تعاونه مع بنك إيراني يخضع للعقوبات الأميركية، بما يوسّع القيود المحيطة بالتعاملات المالية للجزيرة. ورفضت الخارجية الكوبية الإجراء، مؤكدة مشروعية البنك ومعاملاته.

وتأتي هذه الضغوط في بلد يعاني أزمة اقتصادية وطاقية حادة، تظهر في انقطاع الكهرباء ونقص الوقود نتيجة آثار القيود الأميركية المتراكمة. لذلك، لا يبقى التصعيد محصوراً في بيانات الحكومات؛ بل يصل إلى النقل والإنتاج والخدمات وتفاصيل المعيشة اليومية. ومن منظور هافانا، تستهدف زيادة الكلفة الاقتصادية دفع البلاد إلى تنازلات سياسية لم تحققها التهديدات وحدها.

الرد الكوبي على تصريحات ترامب تمحور حول رفض هذا المنطق؛ فقد أكد الرئيس ميغيل دياز كانيل أن واشنطن لا تتخلى عن أطماعها في الهيمنة على كوبا، وشدّد على العزم على الدفاع عن الاستقلال. أما وزير الخارجية برونو رودريغيز، فاستعار من جغرافية الجزيرة صورة للرد: على السواحل شواطئ جميلة، لكنها تضم أيضاً صخوراً حادة تجعلها موحشة لمن يأتي بنوايا عدائية ورغبة في السيطرة.

وتستند هافانا في موقفها إلى تاريخ طويل من الصمود في مواجهة الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ انتصار الثورة عام 1959. فعلى امتداد عقود، واجهت كوبا الحصار ومحاولات العزل والتدخل، وشهدت مراحل من التصعيد وأخرى من التقارب، من دون أن تتخلى عن نظامها السياسي أو استقلال قرارها. ومن هذه التجربة، تنظر القيادة الكوبية إلى التهديدات الراهنة باعتبارها حلقة جديدة في مواجهة طويلة، وترى أن تبدّل الرؤساء في واشنطن لا يمنح أياً منهم حق تقرير مستقبل الجزيرة.

بين واشنطن وهافانا، تعكس هذه الجولة اختلافاً عميقاً في تعريف أي تسوية محتملة؛ يتحدث ترامب عن اتفاق يمكن انتزاعه بالضغط، بينما تضع القيادة الكوبية السيادة والاستقلال في صلب ردها. ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الأميركي، قد يرتفع منسوب الوعيد. لكن، بعد هذه الانتخابات النصفية، هل تفتح واشنطن باباً لتفاهم بين دولتين، أم تواصل الرهان على أن إنهاك كوبا ما يجعلها تقبل ما ترفضه تحت التهديد؟