قتل الصحفيين: غلطة أم سياسة "إسرائيلية" ثابتة؟
استهدافُ الصحفيين الفلسطينيين في غزة محاولةٌ لإسكات الشهادة ومنعِ توثيق الحقيقة.
-
قتل الصحفيين: غلطة أم سياسة "إسرائيلية" ثابتة؟
في ذكرى رحيل زملائنا الذين قُتلوا وهم على الهواء مباشرة، لا يكفي أن نقول إن الصحفيين الفلسطينيين يُقتلون لأنهم يعملون في منطقة حرب. هذه إجابة سهلة، لكنها لا تفسر شيئاً أمام حجم الاستهداف وتكراره وطبيعته. فالسؤال الأعمق ليس فقط: لماذا يُقتل الصحفي الفلسطيني؟ بل لماذا تخشى "إسرائيل" الصورة الفلسطينية إلى هذا الحد؟
في الحرب، لا يموت الصحفي وحده، تموت معه، أو يُراد لها أن تموت، شهادة كانت ستبقى. فالصحفي هو العين التي رأت، والذاكرة التي حفظت، والصوت الذي يستطيع أن يقول للعالم: هنا حدث القصف، هنا انهار البيت، هنا مات الأطفال، وهنا بقيت أم تبحث بين الركام عن شيء يشبه أبناءها. ولذلك، فإن استهداف الصحفي لا يبدو دائماً استهدافاً لشخص يحمل كاميرا، بقدر ما يبدو استهدافاً لوظيفته الأساسية: أن يجعل ما يحدث قابلاً للرؤية.
المؤسسة العسكرية والأمنية "الإسرائيلية" تنظر إلى الحرب، في جانب منها، باعتبارها معركة على المعلومات بقدر ما هي معركة على الأرض. ومن هذا المنظور، تصبح الكاميرا عيناً خارج منظومة السيطرة، ويصبح البث المباشر كسراً للحصار الذي تحاول المؤسسة العسكرية فرضه على المشهد. فالجيش يستطيع أن يهدم بيتاً ثم يقول إنه استهدف موقعاً عسكرياً، ويستطيع أن يقصف شارعاً ثم يتحدث عن ضرورات العمليات، لكن الصحفي الذي يقف أمام الكاميرا في اللحظة ذاتها يطرح سؤالاً لا تستطيع الصواريخ الإجابة عنه: ماذا حدث فعلاً؟
الصورة لا تجادل، ولا تنتظر بياناً عسكرياً، ولا تحتاج إلى تصريح رسمي كي تقول إن بيتاً انهار، وإن طفلاً مات، وإن عائلة كانت داخل المنزل. الصورة تصل قبل التفسير، وأحياناً تكون أقوى من الرواية التي تأتي بعدها. ولهذا، فإن الصحفي الفلسطيني يصبح، في بعض جوانب التفكير الأمني "الإسرائيلي"، أكثر من مجرد ناقل خبر؛ يصبح شاهداً مستقلاً على رواية تريد المؤسسة العسكرية أن تبقى هي صاحبة الحق الحصري في صياغتها.
ومن هنا تبدأ واحدة من أخطر المعارك: تحويل الصحفي من شاهد إلى متهم. فحين يُقال إن الصحفي مرتبط بفصيل مسلح، أو إنه ليس صحفياً بالمعنى الحقيقي، يصبح بالإمكان نقل النقاش من سؤال: لماذا قُتل؟ إلى سؤال آخر: هل كان صحفياً أصلاً؟ وهنا لا تعود القضية قضية مهنة أو حصانة صحفية، بل تتحول إلى معادلة أمنية تسمح بإعادة تعريف الضحية باعتبارها هدفاً.
وهذه النقطة بالذات تكشف جانباً عميقاً من العقل الأمني. فالأمن، حين يبالغ في تعريف الخطر، يمكن أن يرى في كل من يكشفه جزءاً من الخطر نفسه. فالصحفي الذي يوثق التحركات، ويصور آثار القصف، ويتحدث إلى الناجين، ويكشف تفاصيل المكان، يصبح في هذه النظرة شخصاً يملك معلومة، والمعلومة في الحرب سلطة، ومن يملك السلطة على المعلومة يملك جزئياً القدرة على التأثير في الرواية.
لكن هناك ما هو أعمق من ذلك كله. "إسرائيل" لا تخشى الصحفي لأنه يعرف ما حدث فقط، بل لأنه يستطيع أن يجعل الآخرين يعرفون. وهذه هي النقطة الفاصلة. فالطفل الذي يموت تحت الركام لا يحتاج إلى كاميرا كي يموت، لكن العالم يحتاج إلى صحفي كي يراه. والبيت الذي يسقط لا يحتاج إلى مراسل كي ينهار، لكن الذاكرة تحتاج إلى من يقول: هنا كان بيت، وهنا كانت عائلة، وهنا حدثت الغارة.
لهذا، يصبح قتل الصحفي، في بعض الحالات، أكثر من جريمة بحق فرد؛ يصبح رسالة إلى بقية الصحفيين: ابتعدوا، لا تقتربوا، لا تصوروا، لا تسألوا، لا تكونوا في المكان الذي لا تريد الحرب أن يكون فيه أحد. وهنا يتحول الاستهداف من قتل شخص إلى صناعة خوف جماعي داخل المهنة، لأن الصحفي الذي يرى زميله يُقتل أمام الكاميرا يعرف أن الخطر لم يعد احتمالاً بعيداً، بل أصبح جزءاً من يومه المهني.
ولذلك، فإن منع الصحفي الأجنبي من الوصول إلى غزة وقتل الصحفي الفلسطيني الموجود في الداخل لا ينبغي النظر إليهما دائماً باعتبارهما مسارين منفصلين. ففي الحالتين تبرز المعركة ذاتها: من يرى؟ من يدخل؟ من يصور؟ ومن يروي؟ ومن يملك، في النهاية، حق تعريف ما حدث؟
الصحفي الفلسطيني يملك ما يصعب انتزاعه منه: المكان. هو لا يأتي إلى غزة من الخارج ليغادرها بعد انتهاء المهمة. بيته هناك، وعائلته هناك، وذاكرته هناك، وأحياناً تكون جثته نفسها هناك. يعرف أسماء الشوارع، وأصحاب البيوت، ووجوه الأطفال، وتفاصيل الحياة التي سبقت الحرب. ولهذا تصبح شهادته أكثر إزعاجاً لمن يريد اختزال غزة في خرائط عسكرية وأرقام وبيانات.
وفي هذه الحرب تحديداً، اتسعت دائرة الاستهداف لتطال الصحفيين ومؤسساتهم ومكاتبهم ومنازلهم وعائلاتهم، في بيئة إعلامية شديدة الخطورة، بينما وثقت منظمات دولية عشرات الحالات التي قُتل فيها صحفيون فلسطينيون أثناء أداء عملهم، وسط اتهامات متكررة من "إسرائيل" لبعضهم بالارتباط بفصائل مسلحة. وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً: ليس فقط من يضغط على الزناد، بل من يقرر أن الصحفي لم يعد صحفياً، وأن الكاميرا يمكن أن تتحول، بقرار أمني، إلى سبب كافٍ للاشتباه والاستهداف.
لكن ربما يكون أخطر ما في قتل الصحفي ليس موته، بل أن يموت ثم لا يحدث شيء: لا تحقيق جدي، ولا محاسبة، ولا عقوبة، ولا إجابة مقنعة لعائلته، ولا ضمانة للصحفي الذي سيقف غداً في المكان نفسه. فالقتل، حين لا يعقبه حساب، يتحول من جريمة إلى احتمال قابل للتكرار، والإفلات من العقاب لا يبقي الجريمة في الماضي، بل يجعلها جزءاً من المستقبل.
وفي ذكرى زملائنا الذين قُتلوا وهم على الهواء، لا أستطيع أن أتخيلهم بوصفهم ضحايا حرب فقط. كانوا، حتى اللحظة الأخيرة، يؤدون عملهم. كانوا يرفعون الكاميرا بينما كانت السماء ترفع صواريخها، وكانوا يقولون: هنا غزة، بينما كانت الحرب تقول: لا أريد أحداً أن يرى.
ولهذا، كانت الكاميرا بالنسبة إلى غزة أكثر من أداة صحفية. كانت آخر نافذة مفتوحة على عالم يحاول أن يغلق عينيه. وحين تُقتل الكاميرا، لا يُراد إسكات شخص واحد فقط، بل يُراد أن يصبح الموت بلا شاهد، والدمار بلا اسم، والبيت بلا أصحاب، والطفل بلا قصة، والجريمة بلا ذاكرة.
لكن المفارقة التي لم تفهمها كل الصواريخ بعد هي أن الصحفي يمكن أن يموت، أما الحقيقة التي صورها فقد تعيش. قد يُهدم المكتب، لكن اللقطة تبقى. قد تُقتل اليد التي أمسكت بالكاميرا، لكن الصورة تنتقل من هاتف إلى هاتف، ومن شاشة إلى شاشة، ومن جيل إلى جيل. وقد يسقط الصحفي على الهواء مباشرة، لكن اللحظة التي سقط فيها يمكن أن تصبح شاهداً عليه، وشاهداً على قاتله، وشاهداً على زمن كامل.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي في ذكرى رحيلهم ليس فقط: لماذا قتلوهم؟ بل ماذا كانوا يخشون أن يقول هؤلاء لو بقوا أحياء؟
ربما كانت الإجابة الأعمق والأكثر بساطة أنهم كانوا يخشون أن يبقى أحد هناك ليقول: أنا رأيت.
وفي الحروب، قد تكون أخطر جملة على الإطلاق هي هذه الجملة القصيرة: أنا رأيت.