خمسون عاماً على جريمة باربادوس.. الطائرة التي لم تصل إلى هافانا

خمسون عاماً تغيّر خلالها العالم، وانتهت الحرب الباردة، ورحل معظم الأشخاص الذين ارتبطت أسماؤهم بالقضية، وتعاقبت الإدارات في واشنطن والحكومات في دول المنطقة. لكن في كوبا، بقي السادس من أكتوبر حاضراً.

  • الطائرة التي لم تصل إلى هافانا.
    الطائرة التي لم تصل إلى هافانا.

خمسون عاماً مرّت على تفجير الرحلة 455 التابعة للخطوط الجوية الكوبية فوق مياه باربادوس. ثلاثة وسبعون شخصاً غادروا في رحلة مدنية عادية ولم يصلوا إلى هافانا. وبينما تستعيد كوبا في السادس من أكتوبر أسماء ضحاياها، تعيد الذكرى فتح ملف لم يغلق في الذاكرة الكوبية والكاريبية، ولا سيما في ظل ما كشفته على مدى السنوات وثائق أميركية رُفعت عنها السرية بشأن التخطيط لاستهداف طائرة كوبية. كان يفترض أن تكون رحلة عادية تنتهي في هافانا.

في السادس من تشرين الأول/أكتوبر 1976، كانت طائرة "دي سي-8" التابعة لشركة "كوبانا دي أفياسيون"، وتحمل رقم الرحلة 455، في طريق عودتها إلى كوبا، ضمن مسار بدأ من غيانا ومرّ بترينيداد وتوباغو ثم باربادوس، قبل أن يتابع نحو جامايكا ومنها إلى العاصمة الكوبية.

لكنّ الطائرة لم تصل.

بعد نحو عشر دقائق على إقلاعها من مطار سيويل في باربادوس، وعلى ارتفاع يقارب 18 ألف قدم، دوّى انفجار على متنها، تبعه انفجار آخر. حاول الطاقم العودة إلى المطار، لم يكن هناك وقت كافٍ. سقطت الطائرة في مياه البحر قبالة باربادوس، وقُتل جميع ركابها وأفراد طاقمها: 73 شخصاً، من دون ناجٍ واحد.

73 ضحية... وأكثر من وطن في طائرة واحدة

لم تكن أسماء الضحايا كوبية فقط، كان بينهم 57 كوبياً و11 من غيانا و5 من كوريا الشمالية.  ومن بين الضحايا 24 عضواً من فريق المبارزة الكوبي، كانوا عائدون إلى بلادهم بعد مشاركتهم في بطولة إقليمية.

أما بين الضحايا الغيانيين، فكان هناك شبان في مقتبل العمر متوجّهين إلى كوبا لبدء دراستهم الجامعية في الطب والهندسة وغيرها من التخصصات.

تحوّلت الرحلة التي جمعت هؤلاء في مقصورة واحدة إلى واحدة من أكثر حوادث الإرهاب ضدّ الطيران المدني دموية في تاريخ منطقة الكاريبي.

ولذلك لم تبقَ المأساة محصورة في الذاكرة الكوبية؛ ففي باربادوس وغيانا أيضاً، بقيت أسماء الضحايا حاضرة في النصب التذكارية والمراسم السنوية.

من المسؤول 

بعد ساعات من التفجير، أوقفت سلطات ترينيداد وتوباغو الفنزويليين هيرنان ريكاردو لوزانو وفريدي لوغو، اللذين كانا قد استقلا الطائرة قبل أن ينزلا منها في باربادوس ويعودا إلى ترينيداد.

واتجهت التحقيقات لاحقاً نحو شخصيتين بارزتين في الجماعات الكوبية المناهضة لحكومة هافانا آنذاك: لويس بوسادا كاريليس وأورلاندو بوش.

لكنّ إحدى أهمّ صفحات القضية ظهرت لاحقاً من داخل الأرشيف الأميركي نفسه، بعد رفع السرية عن مجموعة من الوثائق الاستخباراتية والأمنية المتعلّقة بالعملية.

ففي وثيقة صادرة عن مكتب الاستخبارات والأبحاث في وزارة الخارجية الأميركية بتاريخ 18 تشرين الأول/أكتوبر 1976، وردت معلومات تفيد بأنّ مصدراً لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كان قد سمع بوسادا، قبل التفجير، يتحدّث عن خطة لاستهداف طائرة كوبية، وأنّ "أورلاندو" كان يمتلك التفاصيل.

وتشير الوثيقة إلى أنّ هذه المعلومات وصلت، بحسب السجل المتاح، إلى وكالة الاستخبارات المركزية بعد سقوط الطائرة.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح اسمَا الرجلين مرتبطين بملف "جريمة باربادوس"، فيما اتهمت كوبا على مدى عقود الجماعات الكوبية المناهضة للثورة، والمدعومة من الولايات المتحدة بحسب الموقف الرسمي الكوبي، بالوقوف خلف العملية.

كما تضمّنت وثائق لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي معلومات من مصادر مرتبطة بمنظمة "تنسيق المنظمات الثورية المتحدة" المناهضة للحكومة الكوبية، ربطت التنظيم بعملية تفجير الطائرة.

هذه الوثائق لا تثبت بحدّ ذاتها أنّ الحكومة الأميركية أمرت بتنفيذ العملية، لكنها تكشف حجم المعلومات والصلات التي كانت موجودة في البيئة المحيطة بالجماعات التي اتُّهمت بالتخطيط للهجوم.

واشنطن.. والملف الذي لم يغلق

بالنسبة إلى كوبا، لم تكن قضية الرحلة 455 منفصلة عن سياق المواجهة الطويلة مع الولايات المتحدة بعد انتصار الثورة الكوبية عام 1959.

فهافانا وضعت التفجير ضمن سلسلة من العمليات التي استهدفت الدولة الكوبية ومؤسساتها ومواطنيها على مدى عقود، واتهمت جماعات مناهضة للثورة تعمل من خارج الجزيرة بتنفيذها، وسط اتهامات سياسية متواصلة لواشنطن بتوفير الدعم أو الحماية لعدد من الشخصيات المرتبطة بهذه الجماعات.

بوسادا كاريليس يشغل موقعاً مركزياً في هذه الرواية.

كان بوسادا قد تعاون في مراحل سابقة مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وفق وثائق أميركية منشورة، قبل أن يصبح اسمه أحد أبرز الأسماء المرتبطة بقضية الرحلة 455.

عاش سنواته الأخيرة في الولايات المتحدة وتوفي في فلوريدا عام 2018، من دون أن يُحاكم هناك بتهمة تفجير الطائرة الكوبية.

وهذه النقطة تحديداً جعلت القضية، بالنسبة إلى هافانا، رمزاً لما تصفه بازدواجية المعايير الأميركية في التعامل مع الإرهاب.

ذاكرة كاريبية لا كوبية فقط

بعد عقود من التفجير، تجاوزت ذكرى الرحلة 455 حدود المواجهة السياسية بين هافانا وواشنطن.

ففي باربادوس، حيث سقطت الطائرة، يقف نصب تذكاري للضحايا، فيما حافظت دول المنطقة على إحياء ذكراهم.

وفي عام 2022، أعلنت دول الجماعة الكاريبية "كاريكوم" وكوبا السادس من أكتوبر من كل عام "يوم كاريكوم–كوبا لمناهضة الإرهاب"، تخليداً لذكرى الأشخاص الـ73 الذين قتلوا في التفجير.

وجاء في إعلان بريدجتاون الصادر عن قمة كاريكوم–كوبا أنّ إقرار اليوم يأتي إحياءً لذكرى الضحايا الكوبيين والكاريبيين الذين قتلوا في تفجير الطائرة، مع تأكيد غياب المساءلة الكاملة عن الجريمة.

وهكذا تحوّلت الرحلة 455 من رقم في سجل الطيران المدني إلى جزء من ذاكرة منطقة بأكملها.

خمسون عاماً.. والجرح لم يصبح ماضياً

في السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2026، تكون خمسة عقود كاملة قد مرّت منذ سقوط الطائرة.

خمسون عاماً تغيّر خلالها العالم، وانتهت الحرب الباردة، ورحل معظم الأشخاص الذين ارتبطت أسماؤهم بالقضية، وتعاقبت الإدارات في واشنطن والحكومات في دول المنطقة. لكن في كوبا، بقي السادس من أكتوبر حاضراً.

ليس فقط لأنّ ثلاثة وسبعين إنساناً قُتلوا في ذلك اليوم، بل لأنّ الجريمة تحوّلت إلى جزء من الذاكرة السياسية والوطنية للبلاد، وإلى شاهد على مرحلة طويلة من الصراع الذي لم تكن ساحته دائماً بين الحكومات والجيوش، بل طال أيضاً المدنيين.

وراء الرقم 73 بقيت صور الرياضيين، والطلاب، والأمهات والآباء، وأفراد الطاقم، والمسافرين الذين صعدوا إلى طائرة وهم يعتقدون أنّ نهاية الرحلة ستكون في مطار هافانا، كان بينهم رياضيون ينتظرهم أهلهم للاحتفال بعودتهم، وشبان يحملون أحلام الدراسة، ومسافرون ينتظرهم أقرباؤهم في هافانا.

وعندما ودّعت كوبا ضحاياها عام 1976، ارتبطت المأساة بعبارة قالها فيدل كاسترو في مراسم التأبين: " عندما يبكي شعبٌ قويّ وشجاع، يرتجف الظلم".

وبعد خمسين عاماً، لا يعود السادس من أكتوبر إلى كوبا بوصفه مجرّد ذكرى لحادث طيران وقع في القرن الماضي. إنه يوم تعود فيه أسماء ثلاثة وسبعين إنساناً إلى الواجهة، وتعود معه أسئلة العدالة والمحاسبة والذاكرة. فالطائرة التي لم تصل إلى هافانا في السادس من أكتوبر 1976، بقيت حاضرة، بعد نصف قرن، في ذاكرة كوبا والكاريبي.