حين نسيت وجع جسدي أمام وجع الحرب

الحرب تجربة قاسية طغت فيها آلام الفقد والنزوح والموت على الألم الجسدي، وتركت جراحًا نفسية وذكريات لا تُنسى.

  • حين نسيت وجع جسدي أمام وجع الحرب
    حين نسيت وجع جسدي أمام وجع الحرب

قبل الحرب بأيام قليلة، كنت أستعد لإجراء عملية جراحية بسبب انزلاق غضروفي حاد. كنت أعاني من آلام شديدة في ظهري، وكانت تأتيني نوبات من التصلب تجعل الحركة صعبة للغاية. كنت أعتقد أن هذا الألم هو أكبر ما يمكن أن أتحمله، لكن مع بداية الحرب اكتشفت أن الإنسان قد ينسى وجع جسده عندما يصبح محاطًا بوجع أكبر.

منذ اليوم الأول للحرب، حملت خوذتي والدرع الواقي اللذين يزيد وزنهما على خمسة كيلوغرامات، وبدأت أتنقل بين الشوارع والأحياء لتغطية ما يحدث. كنا نمشي لساعات طويلة، وننتقل من مكان إلى آخر وسط القصف والخطر، والغريب أنني لم أعد أشعر بذلك الألم الذي كان يمنعني من الحركة قبل الحرب. لم يُشفَ ظهري، لكن الحرب جعلت ألمي الشخصي يتراجع أمام مشاهد الموت والدمار التي كنا نعيشها كل يوم.

بقيت في شمال غزة طوال أصعب مراحل الحرب، بينما اضطرت عائلتي للنزوح إلى جنوب القطاع. كان قرار بقائهم في الجنوب وبقائي في الشمال من أصعب القرارات التي فرضتها علينا الحرب. لم أكن أعرف أن هذا الفراق سيحمل معه خسائر لن تُعوَّض.

خلال وجودي في الشمال، رأيت مشاهد لن تغادر ذاكرتي ما حييت. الأحزمة النارية كانت تهز الأرض تحت أقدامنا، وأصوات الانفجارات كانت تجعلنا نشعر أن الموت يمر بجوارنا في كل لحظة. كنا نخرج لتغطية المجازر، ثم نعود لنجد مجازر جديدة في أماكن أخرى. أصبح الموت جزءًا من يومنا، وأصبح النوم لساعات متواصلة أمنية يصعب تحقيقها.

المستشفى الإندونيسي كان واحدًا من أكثر الأماكن التي تركت أثرًا في نفسي. لم يكن هناك مكان فارغ. الجرحى والمرضى والنازحون كانوا في كل زاوية، حتى أصبح المرور داخل المستشفى يحتاج إلى جهد كبير. كنت أرى الأطباء يعملون في ظروف لا يمكن وصفها، وأرى المصابين يفترشون الأرض، وأسمع صرخات الأهالي الذين يبحثون عن أبنائهم بين أعداد الشهداء والجرحى.

لكن أصعب ما عشته لم يكن القصف، بل الفقد. بينما كنت في شمال غزة، استُشهدت أختي في جنوب القطاع. رحلت وهي تحاول حماية أطفالها، ولم أستطع حتى أن أودعها أو أشارك في تشييعها. وبعدها استُشهد أخي الأصغر، وكان متزوجًا ولديه أطفال ينتظرونه. ثم فقدت أخي الآخر، الذي كان معي في شمال غزة، وكان رفيقي خلال هذه الحرب. كنا نتحرك معًا، ونعيش التفاصيل نفسها، لكن قبل استشهاده بساعات قليلة افترقنا، ولم يجمعنا اللقاء مرة أخرى. لا يزال هذا المشهد يرافقني حتى اليوم، وأفكر كثيرًا في تلك الساعات الأخيرة التي لم أكن أعلم أنها ستكون آخر ما بيننا.

الحرب لم تكن قصفًا فقط، بل كانت أيضًا جوعًا وعطشًا ونزوحًا. عشنا المجاعة بكل تفاصيلها، ووصل بنا الحال إلى أكل أعلاف الحيوانات بعدما أصبح الحصول على الطعام أمرًا بالغ الصعوبة. لم نكن نفكر في رفاهية العيش، بل في كيفية البقاء على قيد الحياة حتى اليوم التالي.

كل يوم في تلك الحرب كان يبدو وكأنه سنة كاملة. لم تكن هناك لحظة يشعر فيها الإنسان بالأمان أو يطمئن على أحبته. كنا نفقد أشخاصًا نعرفهم كل يوم، ونشهد تدمير أماكن عشنا فيها سنوات طويلة. ومع مرور الوقت، لم تعد الخسائر تُقاس بالأرقام، بل بالأسماء والوجوه والذكريات.

اليوم، عندما أعود بذاكرتي إلى تلك الفترة، أدرك أن الحرب لم تترك فينا جروحًا ظاهرة فقط، بل تركت آثارًا سترافقنا طوال العمر. لقد نسيت ألم الانزلاق الغضروفي، لكنني لم أستطع أن أنسى ألم فقدان إخوتي، ولا لحظات الفراق عن عائلتي، ولا المشاهد التي رأيتها في شمال غزة.

هذه ليست قصة استثنائية، بل هي جزء من تجربة عاشها آلاف الفلسطينيين. أما بالنسبة لي، فهي الشهادة التي سأحملها ما حييت، شهادة على أيام غيّرت حياتي، وأثبتت لي أن الإنسان قد ينسى وجع جسده، لكنه لا ينسى أبدًا وجع روحه.