تونس في مواجهة العطش والظلام: أزمات الصيف تتسع واتحاد الشغل يلوّح بالتصعيد

تكشف الأزمة الحالية أن تونس تحتاج إلى التخطيط على أساس ما يمكن أن يحدث، لا على أساس ما اعتادته في السابق.

  • تونس.. من انقطاعات متفرقة إلى أزمة متشابكة.
    تونس.. من انقطاعات متفرقة إلى أزمة متشابكة.

في تونس، لم يعد المواطن يواجه أزمة واحدة، بل أزمات تتوالى وتتقاطع، كهرباء تنقطع في ذروة الحر، وماء يغيب عن الحنفيات، ومياه معدنية تشحّ في الأسواق فيما يتسع الغضب من الشمال إلى الجنوب، وسط تصعيد الاتحاد العام التونسي للشغل بالتصعيد، أزمة تكشف أن الخلل لم يعد ظرفيًا، وأن الحلول لم تعد تحتمل التأجيل.

من انقطاعات متفرقة إلى أزمة متشابكة

خلال الأيام الأخيرة، اتسعت دائرة الغضب والتحركات الاحتجاجية في عدد من الجهات، من المهدية، نابل، قابس، ضواحي العاصمة، وغيرها من المناطق.

وتزامنت هذه التحركات مع موجة حر شديدة رفعت الطلب على الكهرباء، في وقت يواصل فيه الجفاف الضغط على الموارد المائية. ثم جاء نقص المياه المعدنية ليضيف ضغطًا جديدًا على الأسر.

لكن جمع هذه التطورات في مشهد واحد لا يعني أن لها سبباً واحدًا. فبعضها يرتبط بظروف استثنائية، فيما تعود أسباب أخرى إلى مشاكل تراكمت في البنية التحتية وإدارة الموارد والاستثمار.

حرارة مرتفعة تضغط على الكهرباء

مع ارتفاع درجات الحرارة، يرتفع استهلاك الكهرباء، خصوصاً بسبب أجهزة التكييف والتبريد. وقد أكد مسؤولون في قطاع الطاقة أن الطلب بلغ مستويات تقارب 6000 ميغاواط خلال فترات الذروة، مقابل قدرات إنتاج متاحة في حدود 4400 ميغاواط في تلك الظروف.

وأمام هذا الضغط، لجأت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى القطع الدوري للتيار في بعض الفترات لتخفيف الأحمال والحفاظ على توازن الشبكة.

هذا الإجراء يمكن فهمه فنيًا باعتباره وسيلة لتجنب اضطراب أكبر لكنه يكشف في الوقت نفسه الحاجة إلى مزيد من الجاهزية لفترات الذروة خاصة مع ارتفاع وتيرة موجات الحر.

ولا يرتبط ذلك بالإنتاج فقط، بل أيضا بصيانة الشبكات وتجديدها وتحسين إدارة الأحمال والاستثمار في الطاقات المتجددة.

الماء والكهرباء حلقة واحدة

أزمة المياه تتأثر بدورها بقطاع الكهرباء إذ تعتمد منشآت الضخ والآبار على الطاقة لتأمين التزويد في عدد من المناطق.

وقد أشار الخبير في الشأن الفلاحي والمائي أنيس بن ريانة إلى أهمية الكهرباء في تشغيل منشآت الضخ والآبار بما يفسر جانبًا من تزامن اضطرابات الماء والكهرباء، لكن هذا الترابط لا يفسّر أزمة المياه بأكملها.

فتونس تواجه منذ سنوات ضغطًا على مواردها المائية بسبب الجفاف وتراجع التساقطات، في حين تعاني الشبكات من التقادم والتسربات ومشاكل في التوزيع.

شحّ المياه: أزمة تتجاوز الصيف

أزمة المياه  ليست وليدة اللحظة بل هي أقدم من موجة الحر الحالية ، فسنوات الجفاف المتتالية قلّصت هامش التصرف في الموارد بينما يؤدي ارتفاع الحرارة إلى زيادة الاستهلاك.

وتتطلب مواجهة الوضع المائي العمل على أكثر من مستوى بدءاً من صيانة الشبكات وتقليص التسربات وصولاً إلى البحث عن موارد إضافية.

وتبقى تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه المعالجة وتحسين طرق الري وترشيد الاستهلاك من بين الخيارات المطروحة للتكيف مع واقع مائي أكثر صعوبة.

فالمسألة هنا ليست توفير المياه خلال هذا الصيف فقط وإنما بناء قدرة أفضل على مواجهة السنوات المقبلة.

القارورة التي أصبحت أكثر طلبًا

أما نقص المياه المعدنية فقد زاد بدوره من الضغط على المواطنين خصوصاً مع اضطراب التزويد بمياه الشبكة في بعض المناطق.

وقد سجلت مصالح الرقابة تدخلات في عدد من الجهات وحجزت كميات من المياه المعدنية خارج مسالك التوزيع، وفق البلاغات الرسمية.

وفي تفسير النقص تتداخل عوامل عدة من بينها ارتفاع الطلب خلال موجة الحر إلى مشاكل التوزيع، إضافة إلى ممارسات احتكار أو مضاربة تثبتها عمليات الرقابة.

وهو ما يفرض في هذه المرحلة ضرورة ضمان انتظام التزويد ومراقبة مسالك التوزيع حتى لا يتحول نقص ظرفي إلى أزمة أوسع.

المواطن يدفع الكلفة

وبالنسبة إلى المواطن تتحول الأزمة إلى تفاصيل يومية تبدأ بانتظار عودة الكهرباء في ساعات الحر إلى البحث عن قارورة ماء أو تخزين كميات إضافية تحسباً لانقطاع جديد.

وتدفع هذه الظروف بعض الأسر إلى اقتناء خزانات ومضخات ووسائل لحماية أجهزتها الكهربائية.

لكن القدرة على شراء هذه البدائل ليست متاحة للجميع، وهو ما يجعل كلفة الأزمة مختلفة من أسرة إلى أخرى. 

ويزداد هذا الشعور عندما تختلف فترات الانقطاع ومدتها بين المناطق بما يطرح مسألة العدالة في توزيع الخدمات الأساسية.

احتجاجات تتسع من الشمال إلى الجنوب

وأسهمت كل هذه الأزمات في اندلاع احتجاجات في جهات من الشمال والوسط إلى الجنوب، وصولًا إلى  العاصمة تونس.

ولا تتساوى هذه التحركات في حجمها أو طبيعتها، لكنها تعكس اتساع الغضب من تواصل اضطراب الخدمات.

والاحتجاج في هذه الحالة ليس منفصلاً عن الوضع المعيشي، لكنه في الوقت نفسه رسالة إلى المؤسسات بأن معالجة الانقطاعات المؤقتة لا تكفي إذا تكرّر المشهد من موسم إلى آخر.

الانقطاعات تفتح باب المسؤوليات

و في خضم هذه الأزمة، تحدث رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن وجود أعمال مدبّرة وراء بعض الاضطرابات المتعلقة بالماء والكهرباء.

هذا الموقف يطرح احتمال وجود تدخلات متعمدة في بعض الحالات، لكن تحديد المسؤوليات يظل مرتبطًا بما تثبته التحقيقات والمعطيات الفنية والقانونية.

وفي حال ثبت وجود تخريب أو تعطيل متعمد، فإن المساءلة ضرورية. 

وفي الحالات المرتبطة بأعطال أو مشاكل فنية تكون المعالجة التقنية وتحسين جاهزية الشبكات هي الأولوية.

اتحاد الشغل يلوّح بالتصعيد

في المقابل، رفع الاتحاد العام التونسي للشغل من لهجته بشأن تواصل أزمة الماء والكهرباء ولوّح بالتصعيد معتبرًا أن معالجة الوضع لا يمكن أن تقتصر على البيانات أو التدخلات الظرفية، وأن مشاكل القطاعات الحيوية تحتاج إلى حلول فعلية.

ويأتي موقف الاتحاد في وقت تتزايد فيه الشكاوى من اضطراب الخدمات الأساسية في عدد من الجهات، وهو ما يجعل الملف يتجاوز الجانب الفني ليصبح أيضا قضية اجتماعية تمس الحياة اليومية للتونسيين.

لكن التصعيد، مهما كان عنوانه، لن يحل بمفرده مشكلة تراكمت على مدى سنوات. 

واختلاف المواقف بين السلطة والاتحاد ينبغي ألّا يحجب جوهر المشكلة، لأن الخدمات الأساسية تحتاج إلى استقرار والمؤسسات تحتاج إلى إمكانات وخطط واضحة، والمواطن يريد قبل كل شيء أن يجد الماء والكهرباء في منزله.

ما بعد صيف 2026

تكشف الأزمة الحالية أن تونس تحتاج إلى التخطيط على أساس ما يمكن أن يحدث، لا على أساس ما اعتادته في السابق.

موجات الحر، محدودية الموارد المائية، ارتفاع الطلب على الكهرباء وتقادم جزء من الشبكات، كلها معطيات أصبحت معروفة. وبالتالي فإن الاستعداد لها يجب أن يتحول إلى سياسة مستمرة، لا إلى إجراءات ظرفية مرتبطة بكل أزمة.

والغضب الذي ظهر في عدد من الجهات قد يتراجع مع عودة الخدمات، لكن معالجة جذور المشكلة هي التي تمنع وفق مراقبين تكرار الاحتجاجات، وإلا فقد تتسع رقعتها ويصعب تطويقها. 

والمطلوب اليوم ليس إدارة كل أزمة على حدة، بل بناء منظومات ماء وكهرباء أكثر قدرة على الصمود، مع رقابة ومتابعة واستثمار مستمر. والأكيد أن الحرارة ستنتهي، لكن تحديات الماء والطاقة ستبقى، وما سيصنع الفارق هو ما ستفعله المؤسسات قبل أن يحلّ الصيف المقبل.